محافظة الحسكة بوابة النهضة السورية وركيزة الاستقرار المجتمعي
عبدالباسط سيدا
سياسي سوري معارض
نيسان ـ نشر في 2026-07-26 الساعة 12:35
نيسان ـ محافظة الحسكة بتنوعها المجتمعي، ومواردها البشرية والطبيعية، وموقعها الجيوسياسي، هي مفتاح استقرار سوريا ونهضتها وازدهارها؛ شرط أن يتم إدارة التنوع بعقلية وطنية جامعة؛ عقلية تحترم الخصوصيات والحقوق بمنأى عن تأثيرات رواسب الأيديولوجيات الفاشلة، لا سيما القوموية العقيمة منها، التي لم تجلب للمحافظة وسوريا، بل وللمنطقة بأسرها، سوى المشكلات والمصائب، وأساءت إلى النسيج المجتمعي الوطني الذي يضم شركاء الوطن الواحد والمصير المشترك.
وقد تعرّضت هذه المحافظة لإهمال متعمّد على مدى أكثر من ستة عقود بحجج عنصرية اختلقتها عقلية البعث؛ وذلك منذ أيام محمد طلب هلال وغيره ممن أسهموا في رسم سياسات حزب البعث تجاه الكرد؛ وهي السياسات التي تمحورت حول «الخطر الكردي» المزعوم، وضرورة اتخاذ الإجراءات الاستثنائية التمييزية للتخلص منه.
لم تشهد هذه المحافظة أي مشاريع تنموية حقيقية، مشاريع كان من شأنها تحقيق حالة من التكامل الاقتصادي بين موارد المحافظة الطبيعية (النفط والغاز)، ومنتوجاتها الزراعية (القمح والشعير والقطن والخضروات والفواكه)، وطاقاتها البشرية. الأمر الذي كان من شأنه رفع قيمة المنتوجات، ودعم الاقتصاد الوطني والمحلي، وضمان فرص العمل للطاقات الشبابية المؤهلة التي عانت، وما تزال تعاني من البطالة، وتعاني أسَرِها من الفاقة في منطقة تمتلك كل المقوّمات لتكون واحدة من أغنى مناطق سوريا.
فبالإضافة إلى الموارد الطبيعية والبشرية والإنتاج الزراعي، تتمتع المحافظة بموقع استثنائي. فهي محاذية لتركيا وللعراق، وكانت وما زالت قادرة على أداء دور متميّز في ميدان التبادل التجاري مع البلدين الجارين الصديقين، لصالح الجميع والمنطقة بأسرها. خاصة في أجواء احتمالية تنفيذ مشاريع الربط البري بين دول الخليج والعراق والبحر المتوسط وتركيا عبر سوريا.
إلا أن المحافظة، على الرغم من إمكانياتها المشار إليها، كانت باستمرار ميدانا للنهب والسرقات من جانب المسؤولين الأمنيين والإداريين وعلى أعلى المستويات. وقد كان هؤلاء يغطون بالتنسيق مع شركائهم في القيادة بدمشق على فسادهم ونهبهم لثروات المحافظة وأرزاق مواطنيها، بادعاءاتهم الباطلة حول نزعات انفصالية كردية لم يكن لها، سابقاً ولا راهناً أي أساس من الصحة، بل كانت، وما زالت، تفتقر إلى أي امكانية.
ولم تتغير هذه الصورة خلال سيطرة حزب العمال الكردستاني عبر واجهاته السورية، وبالتنسيق مع سلطة آل الأسد التي سلمتهم المحافظة عام 2012 في خضم الثورة السورية مقابل التزامات أمنية (الحيلولة دون تفاعل المناطق الكردية مع الثورة السورية) ونفطية ومالية تم الاتفاق بشأنها بين الطرفين. وقد استمرت تلك السيطرة بصورة علنية إلى حين البدء بتطبيق إجراءات دمج إدارة حزب العمال مع الدولة السورية مقابل تفاهمات اتفاق 29 كانون الثاني (يناير) 2026 بين الحكومة السورية وقسد.
والجدير بالذكر هنا هو أنه منذ عام 2014 تغيّرت الأمور في المحافظة نتيجة دخول الولايات المتحدة على الخط لمحاربة تنظيم «داعش» في كوباني؛ وأقامت العلاقات الأمنية والعسكرية مع حزب العمال عبر واجهاته السورية خاصة قوات «حماية الشعب»، وأسهمت في بناء «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» عام 2015. وهي القوات التي ضمّت عناصر كردية وعربية وسريانية وتركمانية، وكانت مهمتها محاربة «داعش»، وليس سلطة آل الأسد، في المناطق الشرقية، خاصة في الرقة التي كان تنظيم داعش قد اتخذ منها عاصمة له.
ومع سقوط سلطة آل الأسد بعد رفع الغطاء الدولي الإقليمي عنها؛ وعلى إثر أحداث الشيخ مقصود والأشرفية بين قوات الحكومة السورية وقسد، وهي الأحداث التي يدور حول خلفيتها وتوقيتها ونتائجها الكثير من الأسئلة والاستفسارات؛ وهزيمة قسد وانسحابها من محافظات حلب والرقة ودير الزور إلى محافظة الحسكة؛ وبناء على توافق دولي إقليمي، ورفع الغطاء الأمريكي عن قسد، تم التوصل إلى اتفاق بين قسد والحكومة السورية نص على دمج إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال، ضمن مؤسسات وإدارات الدولة السورية، وتفكيك قسد، وفق شروط تفصيلية يحيط بها غموض شديد نتيجة تكتم المشرفين على عملية الدمج، وهو الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات والتحفظات من قبل المواطنين بكل انتماءاتهم المجتمعية في محافظة الحسكة.
وقد أثارت التعيينات الإدارية الأخيرة على مستوى المحافظة، بالإضافة إلى التعيينات الوظيفية في مختلف الإدارات، الكثير من عدم الرضى من جانب الكرد والعرب على حد سواء. فالكرد خاصة الذين كانوا مع الثورة السورية منذ اليوم الأول، وتظاهروا وقدّموا التضحيات، وتعرضوا للكثير من المضايقات والمتابعات وعمليات التغييب والاغتيال، وذلك من جانب أجهزة سلطة آل الأسد والجهات المتعاونة معها مثل الدفاع الوطني والأجهزة التابعة لحزب العمال؛ يرى هؤلاء الكرد أن تضحياتهم قد ذهبت هباء، وأن الذين كانوا مع سلطة آل الأسد يقدّمون اليوم أنفسهم بوصفهم الثائرين عليها، وكل ذلك لا يساهم في تعزيز الثقة المطلوبة بين الكرد والسلطات السورية الجديدة.
وعلى الضفة المقابلة، بعض العرب لا يميزون بين قسد والكرد، أو لم يتحرروا بعد من رواسب سياسات البعث، ولم يتمكنوا من الوصول إلى قناعة منسجمة مع الوقائع بأن القضية الكردية هي قضية وطنية عامة؛ وأن الكرد قد تعرّضوا على مدى عقود لاضطهاد قومي عنصري مقصود ممنهج من جانب سلطات البعث في مراحلها المختلفة. ولا يرون أنه قد حان الوقت لرؤية الواقع على حقيقته، والإقرار بضرورة معالجة الموضوع الكردي ضمن إطاره الوطني السوري معالجة عادلة، تساهم في ترسيخ الانسجام والوئام بين شركاء الوطن والمصير.
فهؤلاء ينسون أو يتجاهلون حقيقة أن الكرد السوريين كان لهم النصيب الأكبر من انتهاكات واجهات حزب العمال السورية، تلك الواجهات التي استغلت عدالة القضية الكردية السورية لصالح أجنداتها، وأجندات رعاتها، التي لم، ولن، تنسجم أبداً مع مصالح الكرد السوريين والسوريين بصوة عامة.
ولذلك يرى المعنيون هنا أن الامتيازات التي حصلت عليها قسد في التعيينات الأخيرة إنما هي لمصلحة الكرد بصورة عامة؛ ولعل هذا ما يفسّر امتعاض بعض هؤلاء من المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2026 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بخصوص الموضوع الكردي؛ وعلى الأرجح سيحاول هؤلاء، إذا ما توفرت لهم الفرصة، عرقلة إقرار هذا المرسوم ضمن نص الدستور السوري المنتظر.
إن اختزال الموضوع الكردي السوري في قسد هو قصور معرفي، إن لم نقل إنه تجاهل مقصود لحقائق الأمور. فمشروع قسد لا علاقة له بمعاناة الكرد السوريين وحقوقهم، وإنما هو مشروع له أبعاده الإقليمية، ولدى أصحابه الاستعداد للقيام بدور المتعهّد لصالح المشاريع الإقليمية والدولية تحت شعارات وألوان براغماتية، تتغير وتتبدل بأسرع من سرعة البرق وفق الظروف ومقتضيات الشغل.
ويُشار في السياق إلى حقيقة مهمة يمكن تلخصيها على الوجه التالي: إن استمرارية المسؤولين عن الفساد والفوضى وقمع الناس في مواقعهم بموجب توافقات عمليات الاندماج قد ولّدت، وتولّد، خيبة أمل كبرى لدى مواطني المحافظة بانتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية المختلفة. فإدارة حزب العمال التي كان يقودها هؤلاء كانت لديها موارد مالية كبيرة، ولكنها لم تنفق منها شيئاً لترميم البنى التحتية، ولم تكلف نفسها بتأمين الخدمات للمواطنين، وإنما دخلت في صفقات مع تجار الحروب والأزمات؛ وحتى الآن لا يوجد أي كشف واضح دقيق بالواردات والنفقات. لذلك يعتبر بقاء هؤلاء في مواقعهم استمرارية للفساد، ويؤكد عدم وجود بوادر مبشّرة توحي بحدوث تحوّل نوعي في الواقع المعيشي للمواطنين الذين يعانون أوضاعا معيشية في غاية الصعوبة.
كان من الأجدى لو تواصل المسؤولون بدمشق أيضاً مع مختلف القوى والتيارات السياسية في المحافظة من خارج قسد، وكذلك مع القوى والفعاليات المجتمعية الحقيقية في المحافظة من جميع المكونات المجتمعية للوصول إلى صورة حقيقية لما هي عليه الأمور في المحافظة، وأخذ فكرة واضحة عن احتياجات المحافظة الحقيقية، وفهم هواجس أهلها وتطلعاتهم. أمّا وأن تمت الأمور بأسلوب التراضي واستمالة بعضهم مقابل التزامات لا تراعي هموم المواطنين بصورة مباشرة، فهذا معناه تأجيل معالجة المشكلات الملحّة، وهذا من ناحيته أمر مؤداه تراكم تلك المشكلات وتفاعلها وتعقدها، وصعوبة الوصول إلى حلول بشأنها.
المرحلة الانتقالية المتبقية ما زالت طويلة (حوالي ثلاثة أعوام ونصف العام)، ونظرا لحساسية الأوضاع ضمن المحافظة هناك حاجة ملحة لعقد حوار موسع مع القوى المجتمعية والسياسية وفعاليات المجتمع المدني والمثقفين والأطباء والمهندسين ورجال الأعمال ورجال الدين وغيرهم في المحافظة بغية التوافق على حلول تكون أساساً لوحدة النسيج المجتمعي الوطني في المحافظة، هذا مع أهمية الإقرار بالخصوصيات واحترامها عبر الالتزام بضمان الحقوق المترتبة عليها، وكل ذلك لا بد أن يكون ضمن إطار الحفاظ على وحدة الوطن والشعب.
ويمكن التفكير في هذا المجال في إجراء الانتخابات المحلية في المحافظة لاختيار أعضاء المكتب التنفيذي للمحافظة والمناطق والنواحي والبلديات ضمن المحافظة، على أن تجرى تلك الانتخابات، نظراً لحساسية الموقف وطبيعة التحديات، تحت إشراف الهيئات والمنظمات الحقوقية المحلية والعربية، وبحضور مراقبين عن المنظمات الحقوقية الدولية، وأمام مرأى ومسمع الإعلام المحلي والعربي والدولي، لتكون تجربة محافظة الحسكة نموذجاً ناجحاً لدعم السلطات التنفيذية بالشرعية الشعبية التي ستقطع الطريق أمام كل القيل والقال الذي يسوّق هذه الأيام هنا وهناك.
*كاتب وأكاديمي سوري
وقد تعرّضت هذه المحافظة لإهمال متعمّد على مدى أكثر من ستة عقود بحجج عنصرية اختلقتها عقلية البعث؛ وذلك منذ أيام محمد طلب هلال وغيره ممن أسهموا في رسم سياسات حزب البعث تجاه الكرد؛ وهي السياسات التي تمحورت حول «الخطر الكردي» المزعوم، وضرورة اتخاذ الإجراءات الاستثنائية التمييزية للتخلص منه.
لم تشهد هذه المحافظة أي مشاريع تنموية حقيقية، مشاريع كان من شأنها تحقيق حالة من التكامل الاقتصادي بين موارد المحافظة الطبيعية (النفط والغاز)، ومنتوجاتها الزراعية (القمح والشعير والقطن والخضروات والفواكه)، وطاقاتها البشرية. الأمر الذي كان من شأنه رفع قيمة المنتوجات، ودعم الاقتصاد الوطني والمحلي، وضمان فرص العمل للطاقات الشبابية المؤهلة التي عانت، وما تزال تعاني من البطالة، وتعاني أسَرِها من الفاقة في منطقة تمتلك كل المقوّمات لتكون واحدة من أغنى مناطق سوريا.
فبالإضافة إلى الموارد الطبيعية والبشرية والإنتاج الزراعي، تتمتع المحافظة بموقع استثنائي. فهي محاذية لتركيا وللعراق، وكانت وما زالت قادرة على أداء دور متميّز في ميدان التبادل التجاري مع البلدين الجارين الصديقين، لصالح الجميع والمنطقة بأسرها. خاصة في أجواء احتمالية تنفيذ مشاريع الربط البري بين دول الخليج والعراق والبحر المتوسط وتركيا عبر سوريا.
إلا أن المحافظة، على الرغم من إمكانياتها المشار إليها، كانت باستمرار ميدانا للنهب والسرقات من جانب المسؤولين الأمنيين والإداريين وعلى أعلى المستويات. وقد كان هؤلاء يغطون بالتنسيق مع شركائهم في القيادة بدمشق على فسادهم ونهبهم لثروات المحافظة وأرزاق مواطنيها، بادعاءاتهم الباطلة حول نزعات انفصالية كردية لم يكن لها، سابقاً ولا راهناً أي أساس من الصحة، بل كانت، وما زالت، تفتقر إلى أي امكانية.
ولم تتغير هذه الصورة خلال سيطرة حزب العمال الكردستاني عبر واجهاته السورية، وبالتنسيق مع سلطة آل الأسد التي سلمتهم المحافظة عام 2012 في خضم الثورة السورية مقابل التزامات أمنية (الحيلولة دون تفاعل المناطق الكردية مع الثورة السورية) ونفطية ومالية تم الاتفاق بشأنها بين الطرفين. وقد استمرت تلك السيطرة بصورة علنية إلى حين البدء بتطبيق إجراءات دمج إدارة حزب العمال مع الدولة السورية مقابل تفاهمات اتفاق 29 كانون الثاني (يناير) 2026 بين الحكومة السورية وقسد.
والجدير بالذكر هنا هو أنه منذ عام 2014 تغيّرت الأمور في المحافظة نتيجة دخول الولايات المتحدة على الخط لمحاربة تنظيم «داعش» في كوباني؛ وأقامت العلاقات الأمنية والعسكرية مع حزب العمال عبر واجهاته السورية خاصة قوات «حماية الشعب»، وأسهمت في بناء «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» عام 2015. وهي القوات التي ضمّت عناصر كردية وعربية وسريانية وتركمانية، وكانت مهمتها محاربة «داعش»، وليس سلطة آل الأسد، في المناطق الشرقية، خاصة في الرقة التي كان تنظيم داعش قد اتخذ منها عاصمة له.
ومع سقوط سلطة آل الأسد بعد رفع الغطاء الدولي الإقليمي عنها؛ وعلى إثر أحداث الشيخ مقصود والأشرفية بين قوات الحكومة السورية وقسد، وهي الأحداث التي يدور حول خلفيتها وتوقيتها ونتائجها الكثير من الأسئلة والاستفسارات؛ وهزيمة قسد وانسحابها من محافظات حلب والرقة ودير الزور إلى محافظة الحسكة؛ وبناء على توافق دولي إقليمي، ورفع الغطاء الأمريكي عن قسد، تم التوصل إلى اتفاق بين قسد والحكومة السورية نص على دمج إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال، ضمن مؤسسات وإدارات الدولة السورية، وتفكيك قسد، وفق شروط تفصيلية يحيط بها غموض شديد نتيجة تكتم المشرفين على عملية الدمج، وهو الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات والتحفظات من قبل المواطنين بكل انتماءاتهم المجتمعية في محافظة الحسكة.
وقد أثارت التعيينات الإدارية الأخيرة على مستوى المحافظة، بالإضافة إلى التعيينات الوظيفية في مختلف الإدارات، الكثير من عدم الرضى من جانب الكرد والعرب على حد سواء. فالكرد خاصة الذين كانوا مع الثورة السورية منذ اليوم الأول، وتظاهروا وقدّموا التضحيات، وتعرضوا للكثير من المضايقات والمتابعات وعمليات التغييب والاغتيال، وذلك من جانب أجهزة سلطة آل الأسد والجهات المتعاونة معها مثل الدفاع الوطني والأجهزة التابعة لحزب العمال؛ يرى هؤلاء الكرد أن تضحياتهم قد ذهبت هباء، وأن الذين كانوا مع سلطة آل الأسد يقدّمون اليوم أنفسهم بوصفهم الثائرين عليها، وكل ذلك لا يساهم في تعزيز الثقة المطلوبة بين الكرد والسلطات السورية الجديدة.
وعلى الضفة المقابلة، بعض العرب لا يميزون بين قسد والكرد، أو لم يتحرروا بعد من رواسب سياسات البعث، ولم يتمكنوا من الوصول إلى قناعة منسجمة مع الوقائع بأن القضية الكردية هي قضية وطنية عامة؛ وأن الكرد قد تعرّضوا على مدى عقود لاضطهاد قومي عنصري مقصود ممنهج من جانب سلطات البعث في مراحلها المختلفة. ولا يرون أنه قد حان الوقت لرؤية الواقع على حقيقته، والإقرار بضرورة معالجة الموضوع الكردي ضمن إطاره الوطني السوري معالجة عادلة، تساهم في ترسيخ الانسجام والوئام بين شركاء الوطن والمصير.
فهؤلاء ينسون أو يتجاهلون حقيقة أن الكرد السوريين كان لهم النصيب الأكبر من انتهاكات واجهات حزب العمال السورية، تلك الواجهات التي استغلت عدالة القضية الكردية السورية لصالح أجنداتها، وأجندات رعاتها، التي لم، ولن، تنسجم أبداً مع مصالح الكرد السوريين والسوريين بصوة عامة.
ولذلك يرى المعنيون هنا أن الامتيازات التي حصلت عليها قسد في التعيينات الأخيرة إنما هي لمصلحة الكرد بصورة عامة؛ ولعل هذا ما يفسّر امتعاض بعض هؤلاء من المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2026 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بخصوص الموضوع الكردي؛ وعلى الأرجح سيحاول هؤلاء، إذا ما توفرت لهم الفرصة، عرقلة إقرار هذا المرسوم ضمن نص الدستور السوري المنتظر.
إن اختزال الموضوع الكردي السوري في قسد هو قصور معرفي، إن لم نقل إنه تجاهل مقصود لحقائق الأمور. فمشروع قسد لا علاقة له بمعاناة الكرد السوريين وحقوقهم، وإنما هو مشروع له أبعاده الإقليمية، ولدى أصحابه الاستعداد للقيام بدور المتعهّد لصالح المشاريع الإقليمية والدولية تحت شعارات وألوان براغماتية، تتغير وتتبدل بأسرع من سرعة البرق وفق الظروف ومقتضيات الشغل.
ويُشار في السياق إلى حقيقة مهمة يمكن تلخصيها على الوجه التالي: إن استمرارية المسؤولين عن الفساد والفوضى وقمع الناس في مواقعهم بموجب توافقات عمليات الاندماج قد ولّدت، وتولّد، خيبة أمل كبرى لدى مواطني المحافظة بانتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية المختلفة. فإدارة حزب العمال التي كان يقودها هؤلاء كانت لديها موارد مالية كبيرة، ولكنها لم تنفق منها شيئاً لترميم البنى التحتية، ولم تكلف نفسها بتأمين الخدمات للمواطنين، وإنما دخلت في صفقات مع تجار الحروب والأزمات؛ وحتى الآن لا يوجد أي كشف واضح دقيق بالواردات والنفقات. لذلك يعتبر بقاء هؤلاء في مواقعهم استمرارية للفساد، ويؤكد عدم وجود بوادر مبشّرة توحي بحدوث تحوّل نوعي في الواقع المعيشي للمواطنين الذين يعانون أوضاعا معيشية في غاية الصعوبة.
كان من الأجدى لو تواصل المسؤولون بدمشق أيضاً مع مختلف القوى والتيارات السياسية في المحافظة من خارج قسد، وكذلك مع القوى والفعاليات المجتمعية الحقيقية في المحافظة من جميع المكونات المجتمعية للوصول إلى صورة حقيقية لما هي عليه الأمور في المحافظة، وأخذ فكرة واضحة عن احتياجات المحافظة الحقيقية، وفهم هواجس أهلها وتطلعاتهم. أمّا وأن تمت الأمور بأسلوب التراضي واستمالة بعضهم مقابل التزامات لا تراعي هموم المواطنين بصورة مباشرة، فهذا معناه تأجيل معالجة المشكلات الملحّة، وهذا من ناحيته أمر مؤداه تراكم تلك المشكلات وتفاعلها وتعقدها، وصعوبة الوصول إلى حلول بشأنها.
المرحلة الانتقالية المتبقية ما زالت طويلة (حوالي ثلاثة أعوام ونصف العام)، ونظرا لحساسية الأوضاع ضمن المحافظة هناك حاجة ملحة لعقد حوار موسع مع القوى المجتمعية والسياسية وفعاليات المجتمع المدني والمثقفين والأطباء والمهندسين ورجال الأعمال ورجال الدين وغيرهم في المحافظة بغية التوافق على حلول تكون أساساً لوحدة النسيج المجتمعي الوطني في المحافظة، هذا مع أهمية الإقرار بالخصوصيات واحترامها عبر الالتزام بضمان الحقوق المترتبة عليها، وكل ذلك لا بد أن يكون ضمن إطار الحفاظ على وحدة الوطن والشعب.
ويمكن التفكير في هذا المجال في إجراء الانتخابات المحلية في المحافظة لاختيار أعضاء المكتب التنفيذي للمحافظة والمناطق والنواحي والبلديات ضمن المحافظة، على أن تجرى تلك الانتخابات، نظراً لحساسية الموقف وطبيعة التحديات، تحت إشراف الهيئات والمنظمات الحقوقية المحلية والعربية، وبحضور مراقبين عن المنظمات الحقوقية الدولية، وأمام مرأى ومسمع الإعلام المحلي والعربي والدولي، لتكون تجربة محافظة الحسكة نموذجاً ناجحاً لدعم السلطات التنفيذية بالشرعية الشعبية التي ستقطع الطريق أمام كل القيل والقال الذي يسوّق هذه الأيام هنا وهناك.
*كاتب وأكاديمي سوري
نيسان ـ نشر في 2026-07-26 الساعة 12:35
رأي: عبدالباسط سيدا سياسي سوري معارض


