الصراع الدولي لاستغلال الذكاء الاصطناعي
نيسان ـ نشر في 2026-07-27 الساعة 13:38
نيسان ـ ما فتئت سياسات التضليل والتشويش تفرض نفسها على السياسات الدولية بهدف تمرير المشاريع المثيرة للجدل. وما أكثر استخدام المصطلحات البرّاقة في هذا المجال، مثل «السلام» الذي يفقد جدواه حين يُفرض بالقوّة لصالح الطرف الأقوى في الصراع، وكذلك ما يُطرح من مشاريع سياسية لجعل التطبيع أمرا واقعا وإشراك «إسرائيل» ضمن منظومات أمنية إقليمية، وجعلها طرفا فاعلا في سياسات الشرق الأوسط. وربما استطاعت أمريكا تمرير ذلك لولا ما ترتكبه قوات الاحتلال من جرائم متواصلة بحق أهل غزة والضفة الغربية. كما أن سياسات الاحتلال كثيرا ما ترشح تفصيلاتها على ألسنة قادته، ومن ذلك المحاولات المتواصلة لضم المنطقتين للكيان الإسرائيلي بعد إخلائهما من السكان الفلسطينيين وتهجيرهم أو حثهم على الانتقال إلى بلدان أخرى بإغراءات مادّيّة واسعة. وحتى الآن فشلت تلك المحاولات المدعومة من أمريكا. ولكن التحالف الغربي لم يتوقف عند ذلك أو يتخلّ عن حلمه بتوسيع الاحتلال. وهناك أنظمة عربية تشارك في هذه ا لمحاولات بتوفير تمويل المشاريع الهادفة لتشجيع الفلسطينيين على ترك أرضهم إلى مناطق أخرى. والواضح أنه بعد مرور ثمانين عاما على الاحتلال لم تتحقق الأطماع الإسرائيلية الكاملة. وفي الفترة الأخيرة انصبّ اهتمام التحالف الغربي الذي تقوده أمريكا على إضعاف الأطراف التي تقاوم تلك السياسة، واستخدام أشدّ وسائل الانتقام منها. فما استهداف إيران بالتدمير الشامل واختراق القوانين الدولية والإصرار على كسر شوكة قادتها إلّا ضمن محاولات اقتلاع جذور الرفض العربي والإسلامي للاحتلال. وتكفي الإشارة إلى الكمّيّات التي استخدمت من القنابل والمتفجّرات لقتل القادة المقاومين للاحتلال مثل السيد حسن نصر الله والمرشد الإيراني، السيد علي خامنئي. وقد كشفت المصادر الإسرائيلية أن قوات الاحتلال استخدمت ما يقارب 80 إلى 85 طناً من القنابل والمتفجرات في الغارة الجوية التي استهدفت المقر الرئيسي لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت وأدت إلى اغتيال حسن نصر الله. أما في حالة استهداف السيد علي خامنئي فقد أسقطت المقاتلات الجوية نحو 30 قنبلة ذكية. وتراوحت زنة القنابل الفردية المستخدمة لخرق مجمّعه المحصن والمخبأ الأرضي ما بين 50 كيلوغراماً إلى 800 كيلوغرام للقنبلة الواحدة. كما شمل الهجوم استخدام صواريخ بالستية تطلق من الجو من نوع سبارو.
برغم هذه الجرائم سعت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة لفرض التطبيع مع «إسرائيل» بطرح مقولة «الديانات الإبراهيمية» و «اتفاقية إبراهيم»، حيث يُستغل اسم أبي الأنبياء لترويج السياسات الغربية في المنطقة خصوصا تلك التي تتعلق بالاحتلال ومحاولات فرضه بالأساليب الناعمة بعد فشل استخدام القوّة لذلك الغرض. فالسياسيون المعنيّون بالقضية الفلسطينية خصوصا الغربيين منهم، ليسوا من المعنيّين بالدّين، بل يتحرّكون بدوافع سياسية ومصلحية في الأعمّ الأغلب. مع ذلك لا يتورعون عن استخدام الدّين لتمرير سياساتهم بأقل قدر من الرفض أو المقاومة. فبعد عقود من فشل محاولات التطبيع مع كيان الاحتلال، وخوض خمس حروب دامية وقفت الولايات المتحدة الأمريكية فيها بجانب «إسرائيل»، وبرغم استخدام القوة المفرطة ضمن محاولات كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإدخال الخوف في نفوس الحكومات العربية لحملها على مسايرة سياسات التطبيع، ما تزال الجدران النفسية والسياسية الحاجزة مع الاحتلال متينة وعالية. فهناك رأي عام عربي ودولي ما يزال شبه متماسك يرفض الاحتلال أوّلا، ولا يقبل محاولات تمريره تحت عناوين «السلام» و «الصلح» أو إقامة منظومة سلام إقليمية. ولكن الإدارات الأمريكية المتتالية تواصل دعمها لكيان الاحتلال وشرعنة وجوده وفرض التطبيع السياسي والاقتصادي معه. فليس جديدا القول إن الضغط الأمريكي ساهم في دفع بعض حكومات الخليج للتفاوض مع تل أبيب وتبادل السفراء معها في بعض الحالات، ولكن هذا الضغط فشل في خلق رأي عام عربي يقرّ الاحتلال أو يسعى للتعايش معه.
أصبح الذكاء الاصطناعي مرشحا لإدارة قضايا الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا في عالم بدأ مسيرة جديدة قد تأخذ به إلى عالم افتراضي جديد
ولتأكيد إصرار الولايات المتحدة على كسر عزلة كيان الاحتلال ومحاولة دمجه في المنظومة السياسية للمنطقة، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس الماضي إن اتفاقا للطاقة النووية المدنية مع السعودية لا يزال مشروطا بانضمام المملكة لاتفاقيات إبراهيم، وأن الاتفاق لا يشمل تخصيبا للمواد النووية. هذا برغم موقف السعودية بأنها لن توقع على اتفاقات إبراهيم إلا إذا تم التوصل لاتفاق بشأن خارطة طريق لإقامة دولة فلسطينية. ويُتيح الاتفاق للسعودية تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة النفايات النووية، وكلاهما مسار محتمل لإنتاج سلاح نووي. وكانت الإمارات وافقت على التخلي عن هذين الأمرين عند توقيعها اتفاقا مماثلا مع الولايات المتحدة في العام 2009. وقد وقّع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت والأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي على الاتفاقية، المعروفة باسم اتفاقية المادة 123، إلى جانب اتفاقية ضمانات ثنائية. وبرغم كافة الاحتياطات التي اتخذها الجانب الأمريكي لمنع استخدام المفاعل النووي السعودي لإنتاج أسلحة نووية، فقد ارتفعت الأصوات الإسرائيلية المعارضة لذلك. فقد قال رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يسعى إلى الإطاحة بنتنياهو في الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر تشرين الأول «الاتفاق النووي الذي يجري إبرامه مع السعودية، بدون علم إسرائيل، يمثل فشلا استراتيجيا خطيرا يعرض أمننا للخطر». وأضاف «تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية قد يؤدي إلى سباق نووي في المنطقة وفقدان خطير للسيطرة». أمّا وزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان «البرنامج النووي المدني في السعودية سينتهي بامتلاك أسلحة نووية وسيؤدي إلى سباق تسلح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط».
والسؤال هنا: ما مدى ضرورة بناء المفاعلات النووية في الدول النفطية؟ تبني الدول النفطية مفاعلات نووية لتوفير الاستهلاك المحلي من الوقود الأحفوري، وزيادة صادرات النفط، وتوليد طاقة نظيفة ومقابلة الطلب المتزايد على الطاقة. وبالإضافة لذلك، فإن المخزونات النفطية لدى الدول محدودة بفترات تطول أو تقصر. ومع تصاعد معدلات استنزاف النفط تقترب هذه المخزونات من الانتهاء. وتتطلّب الحكمة التقليص من استخراج النفط بموازاة البحث عن مصادر بديلة للطاقة، والاستثمار فيها. ويأتي البديل النووي كأحد الخيارات المتاحة للدول التي تحظى بقدرات مالية كبيرة. ولكن السير في هذا الطريق محفوف بالمخاطر خصوصا البيئية. ومع تصاعد درجة حرارة هذا الكوكب، فإن الحكومات كافة مدعوّة لانتهاج سياسات تنموية لا تهدد البيئة. إن من الصعب طرح فكرة التخلّي عن بناء المفاعلات النووية في ضوء التوسع الإسرائيلي في بنائها واستخدامها ضمن منظومته العسكرية. وربما من المنطقي أن تشحذ الحكومات العربية، خصوصا النفطية منها، هممها وتتخذ قرارا صارما ولو لمرة واحدة بممارسة ضغوط حقيقية على أمريكا لتقليص دعمها لكيان الاحتلال، وبالإضافة لذلك تبنّي سياسة إخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للإشراف الدولي، وإن كان ذلك متأخرا. وبموازاة ذلك، يجدر بالعالم العربي الخروج من شرنقته والمساهمة في مشاريع التنمية التكنولوجية خصوصا بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي مرشحا لإدارة قضايا الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا في عالم بدأ مسيرة جديدة قد تأخذ به إلى عالم افتراضي جديد لا مكان فيه للإنسان بعد أن احتلّ الذكاء الاصطناعي مكانه وأصبح أداة الهيمنة السياسية في المستقبل المنظور.
مما سبق يتضح أن كيان الاحتلال يسعى لفرض وجوده، كما كان دائما، باستخدام القوّة المفرطة. وثمة من كان يظن أن ممارسة ضغوط على المجتمع الدولي، خصوصا الدول الصديقة للعرب، سيؤدّي إلى بلورة موقف دولي فاعل يساهم بشكل كبير في محاصرة الاحتلال وإجباره على مراعاة بعض القوانين والأعراف الدولية. وربما كان هذا المسار مناسبا لو لم تجعل الإدارات الأمريكية المتعاقبة حماية «إسرائيل» على رأس أولويات سياستها الخارجية. ولذلك فالطريق العملي الممكن السعي لبلورة موقف عربي – إسلامي مشترك يضغط على أمريكا سياسيا واقتصاديا لحملها على إحداث تغيير في سياستها التي تدعم الاحتلال بشكل مطلق.
٭ كاتب بحريني
برغم هذه الجرائم سعت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة لفرض التطبيع مع «إسرائيل» بطرح مقولة «الديانات الإبراهيمية» و «اتفاقية إبراهيم»، حيث يُستغل اسم أبي الأنبياء لترويج السياسات الغربية في المنطقة خصوصا تلك التي تتعلق بالاحتلال ومحاولات فرضه بالأساليب الناعمة بعد فشل استخدام القوّة لذلك الغرض. فالسياسيون المعنيّون بالقضية الفلسطينية خصوصا الغربيين منهم، ليسوا من المعنيّين بالدّين، بل يتحرّكون بدوافع سياسية ومصلحية في الأعمّ الأغلب. مع ذلك لا يتورعون عن استخدام الدّين لتمرير سياساتهم بأقل قدر من الرفض أو المقاومة. فبعد عقود من فشل محاولات التطبيع مع كيان الاحتلال، وخوض خمس حروب دامية وقفت الولايات المتحدة الأمريكية فيها بجانب «إسرائيل»، وبرغم استخدام القوة المفرطة ضمن محاولات كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإدخال الخوف في نفوس الحكومات العربية لحملها على مسايرة سياسات التطبيع، ما تزال الجدران النفسية والسياسية الحاجزة مع الاحتلال متينة وعالية. فهناك رأي عام عربي ودولي ما يزال شبه متماسك يرفض الاحتلال أوّلا، ولا يقبل محاولات تمريره تحت عناوين «السلام» و «الصلح» أو إقامة منظومة سلام إقليمية. ولكن الإدارات الأمريكية المتتالية تواصل دعمها لكيان الاحتلال وشرعنة وجوده وفرض التطبيع السياسي والاقتصادي معه. فليس جديدا القول إن الضغط الأمريكي ساهم في دفع بعض حكومات الخليج للتفاوض مع تل أبيب وتبادل السفراء معها في بعض الحالات، ولكن هذا الضغط فشل في خلق رأي عام عربي يقرّ الاحتلال أو يسعى للتعايش معه.
أصبح الذكاء الاصطناعي مرشحا لإدارة قضايا الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا في عالم بدأ مسيرة جديدة قد تأخذ به إلى عالم افتراضي جديد
ولتأكيد إصرار الولايات المتحدة على كسر عزلة كيان الاحتلال ومحاولة دمجه في المنظومة السياسية للمنطقة، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس الماضي إن اتفاقا للطاقة النووية المدنية مع السعودية لا يزال مشروطا بانضمام المملكة لاتفاقيات إبراهيم، وأن الاتفاق لا يشمل تخصيبا للمواد النووية. هذا برغم موقف السعودية بأنها لن توقع على اتفاقات إبراهيم إلا إذا تم التوصل لاتفاق بشأن خارطة طريق لإقامة دولة فلسطينية. ويُتيح الاتفاق للسعودية تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة النفايات النووية، وكلاهما مسار محتمل لإنتاج سلاح نووي. وكانت الإمارات وافقت على التخلي عن هذين الأمرين عند توقيعها اتفاقا مماثلا مع الولايات المتحدة في العام 2009. وقد وقّع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت والأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي على الاتفاقية، المعروفة باسم اتفاقية المادة 123، إلى جانب اتفاقية ضمانات ثنائية. وبرغم كافة الاحتياطات التي اتخذها الجانب الأمريكي لمنع استخدام المفاعل النووي السعودي لإنتاج أسلحة نووية، فقد ارتفعت الأصوات الإسرائيلية المعارضة لذلك. فقد قال رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يسعى إلى الإطاحة بنتنياهو في الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر تشرين الأول «الاتفاق النووي الذي يجري إبرامه مع السعودية، بدون علم إسرائيل، يمثل فشلا استراتيجيا خطيرا يعرض أمننا للخطر». وأضاف «تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية قد يؤدي إلى سباق نووي في المنطقة وفقدان خطير للسيطرة». أمّا وزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان «البرنامج النووي المدني في السعودية سينتهي بامتلاك أسلحة نووية وسيؤدي إلى سباق تسلح جنوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط».
والسؤال هنا: ما مدى ضرورة بناء المفاعلات النووية في الدول النفطية؟ تبني الدول النفطية مفاعلات نووية لتوفير الاستهلاك المحلي من الوقود الأحفوري، وزيادة صادرات النفط، وتوليد طاقة نظيفة ومقابلة الطلب المتزايد على الطاقة. وبالإضافة لذلك، فإن المخزونات النفطية لدى الدول محدودة بفترات تطول أو تقصر. ومع تصاعد معدلات استنزاف النفط تقترب هذه المخزونات من الانتهاء. وتتطلّب الحكمة التقليص من استخراج النفط بموازاة البحث عن مصادر بديلة للطاقة، والاستثمار فيها. ويأتي البديل النووي كأحد الخيارات المتاحة للدول التي تحظى بقدرات مالية كبيرة. ولكن السير في هذا الطريق محفوف بالمخاطر خصوصا البيئية. ومع تصاعد درجة حرارة هذا الكوكب، فإن الحكومات كافة مدعوّة لانتهاج سياسات تنموية لا تهدد البيئة. إن من الصعب طرح فكرة التخلّي عن بناء المفاعلات النووية في ضوء التوسع الإسرائيلي في بنائها واستخدامها ضمن منظومته العسكرية. وربما من المنطقي أن تشحذ الحكومات العربية، خصوصا النفطية منها، هممها وتتخذ قرارا صارما ولو لمرة واحدة بممارسة ضغوط حقيقية على أمريكا لتقليص دعمها لكيان الاحتلال، وبالإضافة لذلك تبنّي سياسة إخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للإشراف الدولي، وإن كان ذلك متأخرا. وبموازاة ذلك، يجدر بالعالم العربي الخروج من شرنقته والمساهمة في مشاريع التنمية التكنولوجية خصوصا بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي مرشحا لإدارة قضايا الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا في عالم بدأ مسيرة جديدة قد تأخذ به إلى عالم افتراضي جديد لا مكان فيه للإنسان بعد أن احتلّ الذكاء الاصطناعي مكانه وأصبح أداة الهيمنة السياسية في المستقبل المنظور.
مما سبق يتضح أن كيان الاحتلال يسعى لفرض وجوده، كما كان دائما، باستخدام القوّة المفرطة. وثمة من كان يظن أن ممارسة ضغوط على المجتمع الدولي، خصوصا الدول الصديقة للعرب، سيؤدّي إلى بلورة موقف دولي فاعل يساهم بشكل كبير في محاصرة الاحتلال وإجباره على مراعاة بعض القوانين والأعراف الدولية. وربما كان هذا المسار مناسبا لو لم تجعل الإدارات الأمريكية المتعاقبة حماية «إسرائيل» على رأس أولويات سياستها الخارجية. ولذلك فالطريق العملي الممكن السعي لبلورة موقف عربي – إسلامي مشترك يضغط على أمريكا سياسيا واقتصاديا لحملها على إحداث تغيير في سياستها التي تدعم الاحتلال بشكل مطلق.
٭ كاتب بحريني
نيسان ـ نشر في 2026-07-27 الساعة 13:38
رأي: د. سعيد الشهابي


