ذي أتلانتك: كيف دمر نتنياهو مكانة إسرائيل في أمريكا وأصبحت عزلتها إرثه الأكيد؟
نيسان ـ نشر في 2026-07-28 الساعة 11:14
نيسان ـ ناقش فرانكلين فوير، في مقال بمجلة “ذي أتلانتك”، أن بنيامين نتنياهو، الذي قدم نفسه خبيرا في السياسة الأمريكية، أسهم في هز وتحطيم مكانة إسرائيل في أمريكا.
وذكر الكاتب عام 1982، عندما كان نتنياهو يعمل مديرا للتسويق في شركة أثاث مقرها القدس، أن سفير إسرائيل في واشنطن قرر أن الشاب البالغ من العمر 32 عاما كان يعمل في المكان الخطأ. فبدلا من بيع الخزائن للإسرائيليين، كان عليه أن يروج لإسرائيل لدى الأمريكيين.
وقام السفير، الذي التقى نتنياهو في مؤتمر قبل بضع سنوات، بإحضاره إلى واشنطن نائبا له، وسرعان ما أصبح نتنياهو الوجه الإعلامي لإسرائيل على شاشات التلفزيون الأمريكي، وضيفا دائما على برنامجي “نايت لاين” و”لاري كينغ لايف”، بفضل لغته الإنكليزية الطليقة ولكنته الأمريكية التي اكتسبها كونه ولد في ضواحي فيلادلفيا.
لم تتغير مهمة نتنياهو على مدى العقود الأربعة التالية، وفي كل منصب شغله تقريبا، فقد كان همه حماية إسرائيل في أمريكا، وهي مهمة لم يفرط بها،
ومع ذلك، لم تتغير مهمة نتنياهو على مدى العقود الأربعة التالية، وفي كل منصب شغله تقريبا، فقد كان همه حماية إسرائيل في أمريكا، وهي مهمة لم يفرط بها، لأنه كان يعتقد أن أحدا لا يفهم أمريكا أفضل منه. لكنها كانت المهمة التي فشل فيها نتنياهو، بصفته رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل، فشلا ذريعا.
ويرى الكاتب أن دعم إسرائيل ظل، وحتى فترة قريبة، قضية مشتركة بين الحزبين في السياسة الأمريكية.
ولم تتعد الانتقادات الشديدة التي وجهها المعتدلون في الحزب الديمقراطي لحكومة نتنياهو اتهامها بعرقلة حل الدولتين مع الفلسطينيين.
لكن في السنوات التي تلت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، والغزو الإسرائيلي اللاحق لغزة، انهار هذا الإجماع الذي كان يتراجع بالفعل بين صفوف الديمقراطيين.
فقبل عامين، صوت 19 سيناتورا من الكتلة الديمقراطية ضد بيع الأسلحة لإسرائيل، وفي نيسان/أبريل الماضي، صوّت 40 من أصل 47 عضوا ضد البيع، بمن فيهم معظم المرشحين للرئاسة من داخل الكتلة. والآن، أصبح عمدة المدينة التي تضم أكبر جالية يهودية في العالم معاديا للصهيونية، وقد خاض حملته الانتخابية على وعد باعتقال نتنياهو. ومن شبه المؤكد أن ناشطة من جامعة كولومبيا شاركت في تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين ستصبح عضوا في الكونغرس المقبل. وقد جعل كبار أعضاء مجلس الشيوخ الليبراليون، بمن فيهم كريس مورفي من ولاية كونيتيكت وكريس فان هولين من ولاية ميريلاند، انتقاد إسرائيل محورا أساسيا لرسالتهم.
وأضاف الكاتب أن هذا الانهيار لا يقتصر على الحزبين. ففي الشهر الحالي، قال نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يعد على الأرجح المرشح الجمهوري الأوفر حظا للرئاسة عام 2028، لمقدم البودكاست جو روغان، إن الممول والمجرم الجنسي جيفري إبستين “كان على صلة واضحة بأعلى مستويات المخابرات الإسرائيلية”، وهي نظرية لا أساس لها من الصحة. واتهم فانس إسرائيل بالتآمر ضد دبلوماسيته مع إيران.
وعلق الكاتب بأن تصريحات كهذه كانت كفيلة، قبل عقد من الزمن، بطرد أي جمهوري يتحدث بهذه الطريقة من الحزب. أما الآن، ففانس مرشح لتولي قيادته.
وأضاف أن والد نتنياهو، بنزيون، الذي آمن بأن اليهود لا أمان لهم إلا داخل حدود دولتهم الحديدية، وأن معاداة السامية جزء لا يتجزأ من حياة الشتات اليهودي، كان متشائما في نظرته. ففي النهاية، ثبت أن تاريخ اليهود ليس محصورا في الهولوكوست، فيما تسابق الساسة الأمريكيون على كسب ولاء الدولة الجديدة.
وبدا أن مسيرة نتنياهو السياسية المبكرة وكأنها تفند تشاؤم والده. وبحلول عام 1984، أصبح سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، وجسد ظهوره المتكرر على شاشات التلفزيون فكرة إمكانية إقناع الأمريكيين بقضية إسرائيل.
وربما عادت الرؤية المتشائمة لوالد نتنياهو، في مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، بمعنى أن معاداة السامية كامنة، إلا أن الكراهية الدائمة وحدها لا تفسر شدة هذا التحول. وهي ليست السبب الذي دفع الديمقراطيين، الذين كانوا يدعمون إسرائيل سابقا، إلى اعتبارها عبئا سياسيا. وبالمثل، فمعاداة السامية ليست السبب الرئيسي وراء نظرة العديد من الأمريكيين إلى إسرائيل على أنها غير مبالية بمعاناة الفلسطينيين.
ذلك أن خيارات نتنياهو وخطابه وأفعاله أكدت هذه التصورات، وفي كل مرة كان من الممكن احتواء الضرر فيها، زاد الأمر سوءا.
وأشار الكاتب إلى أن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية شهدت خلافات دورية، إلا أن الخلاف بقي محصورا بين حكومتين، من دون تحويله إلى قضية حزبية.
إلا أن نتنياهو جلب معه دوافع أخرى للعلاقة، فلم يكن يحب الديمقراطيين ولا ليبرالية معظم اليهود الأمريكيين، الذين يغلبون العدالة الاجتماعية على يهوديتهم. ووصفهم بأنهم يهود كارهون لأنفسهم.
وتبدّى عداء نتنياهو للديمقراطيين في خطابه الذي ألقاه في 3 آذار/مارس 2015 أمام جلسة مشتركة للكونغرس، وحذر فيه من اتفاقية نووية مع إيران كان يعمل عليها الرئيس آنذاك باراك أوباما، مع أن الأخير أبدى تعاطفا صريحا مع إسرائيل في حملته الانتخابية الأولى عام 2007. وبعد توليه منصبه، وقّع أوباما أكبر حزمة مساعدات عسكرية قدمتها أمريكا لأي دولة على الإطلاق.
ومع ذلك، ومنذ البداية تقريبا، تعامل نتنياهو مع أوباما كخصم يجب التغلب عليه، فألقى عليه محاضرات عن التاريخ اليهودي في المكتب البيضاوي أمام الكاميرات، وهي لقطات استخدمها رئيس الوزراء لاحقا في إعلان حملته الانتخابية.
وقد أدى تهكمه من أوباما إلى نفور اليسار الأمريكي، الذي كان ينأى بنفسه عن إسرائيل.
ومن هنا، نجح الناشطون الفلسطينيون في الجامعات بذكاء في استمالة حلفاء من اليسار لم يفكروا قط في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
تعامل نتنياهو مع أوباما كخصم يجب التغلب عليه، فألقى عليه محاضرات عن التاريخ اليهودي في المكتب البيضاوي أمام الكاميرات
ويعلق الكاتب بأن نتنياهو كان بإمكانه وقف هذا الانجراف بمجرد احترامه لأوباما، رمز الليبرالية، وتعبيره عن رغبته في حل عادل ومنصف لأزمة الشرق الأوسط، حتى وإن كان يعتقد في قرارة نفسه أن الفلسطينيين غير مهتمين بالتسوية. لكن، بمهاجمته رئيسا ديمقراطيا بشكل مباشر واستمالته لمعارضته، بدا وكأنه يدفع إسرائيل إلى أحد جانبي الانقسام الحزبي في أمريكا.
ثم جاء الرئيس ترامب، الذي بات نتنياهو ينظر إليه على أنه “أعظم صديق لإسرائيل في البيت الأبيض”. وقد رأى نتنياهو في ترامب فرصته الذهبية. وتجاوز ولاؤه المذل للرئيس مجرد التملق الذي فرضه قادة أجانب آخرون على أنفسهم. فغطت حملته الانتخابية لوحات إعلانية تظهر الرجلين وهما يتصافحان، وأطلق على إحدى المستوطنات اسم “مرتفعات ترامب”، وأعلن حلفاؤه أن محطة قطار جديدة قرب حائط المبكى ستحمل اسم ترامب. وكافأ ترامب هذا الولاء بتلبية معظم مطالب نتنياهو، فقد نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وألغى الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما مع إيران، وامتنع عن الضغط على نتنياهو للتفاوض مع الفلسطينيين.
ومن هنا، فبمجرد أن ربط نتنياهو إسرائيل بترامب، حوّل العديد من الأمريكيين الذين كانوا يكرهون أحدهما كراهيتهم للآخر. إلا أن نتنياهو اعتقد أن الأمر لا يهم، فقد افترض أن الحزب الديمقراطي، المتجذر في العلمانية والأيديولوجية التقدمية، سيكره إسرائيل في نهاية المطاف بغض النظر عن أي شيء. وحذرته شخصيات يهودية بارزة، سواء في الحزب الديمقراطي أو في المنظمات اليهودية الوطنية، من أنه يسيء فهم السياسة الأمريكية عموما والديمقراطيين خصوصا، لكن تحذيراتهم قوبلت بالتجاهل.
وكأنما ليؤكد وجهة نظرهم، ضحى الرئيس الذي خلف ترامب في ولايته الأولى من أجل نتنياهو أكثر مما ضحى به أي من أسلافه. فبعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، سافر جو بايدن إلى إسرائيل لإظهار التضامن معها، ثم قام بتسليحها والدفاع عنها في هجومها المضاد بتكلفة سياسية باهظة، على الرغم من قلقه المتزايد من أن هدف نتنياهو المتمثل في القضاء على حماس غير قابل للتحقيق وسيؤدي إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين.
وفي مقابل دعم بايدن، تجاهل نتنياهو تقريبا كل نصيحة استراتيجية قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي. ونشر في حزيران/يونيو 2024، مقطع فيديو باللغة الإنكليزية، موجها على ما يبدو للجمهور الأمريكي، اتهم فيه الإدارة الأمريكية بحجب الأسلحة، واشتكى من أن بايدن يمنعه من كسب الحرب. وكان هذا الاتهام مبالغا فيه للغاية، إذ لم تحجب الإدارة في نهاية المطاف سوى شحنة من نوع واحد من القنابل، وجعل بايدن يبدو أحمقا. وبينما كان بايدن يتلقى الانتقادات من اليسار دفاعا عن نتنياهو، هاجمه نتنياهو من اليمين.
وقد انقلب الجناح اليساري في حزب بايدن عليه، محملا إياه مسؤولية ويلات الحرب، كما حدث في الانتخابات التمهيدية لولاية ميشيغان عام 2024. وما بدأ كثورة ضد بايدن تحول إلى ثورة ضد دعم الحزب الديمقراطي التاريخي لإسرائيل. وصوّر نشطاء اليسار هذا الدعم دليلا على هيمنة كبار السن غير المسؤولين في الحزب. وأصبحت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) هدفا، حيث تضخمت أهميتها الرمزية مع تراجع نفوذها. فقد تعهد كل من غافين نيوسوم، وكوري بوكر، وروبن غاليغو، وسيث مولتون، وهم ليسوا من أعمدة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، برفض أموال أيباك. واستنتج الديمقراطيون المعتدلون أن المخاطرة بالدفاع عن إسرائيل لا طائل منها، ليس فقط بسبب العداء المتزايد داخل قاعدة الحزب، بل لأن معاملة نتنياهو لبايدن أظهرت أن الولاء لن يقابل بالمثل.
وقد استوعب الديمقراطيون المرشحون للرئاسة هذه الحسابات الجديدة، وحاولوا لفت الأنظار إلى ترشيحاتهم الوليدة من خلال مواجهات بارزة مع إسرائيل. وقد فجر هذا الانقسام الرجل الذي أكد للإسرائيليين أن لا أحد يفهم الأمريكيين أفضل منه.
ثم شنت إسرائيل حربا على إيران ووكلائها باسم البقاء، وهدفها المعلن بوضوح القضاء على الدولة الوحيدة ذات الأغلبية اليهودية في العالم. لكن للبقاء جبهة ثانية، هي الرأي العام الأمريكي.
وواجه نتنياهو التهديدات العسكرية بشراسة، لكنه خسر في ساحة المعركة التي صنعت مسيرته. فقد وصل إلى السلطة بإقناع الأمريكيين بصواب قضيته، لكنه حكم وكأن إقناعهم لم يعد مهما، بل عبثيا.
ويعتقد الكاتب أن نتنياهو لم يدرك قط أن نجاحاته السابقة تحققت في ظل ظروف مواتية، هي الحرب الباردة، والحروب على الإرهاب، وعقود من التعاطف الأمريكي مع القضية الإسرائيلية. وعندما تغيرت الظروف، لم يعدل نتنياهو حجته، بل استنتج أنه لا مجال لتغيير الآراء، فكراهية الدولة اليهودية راسخة لا تتغير.
إن إرث نتنياهو هو عزلة إسرائيل. وربما لم يكن بالإمكان تجنب ذلك، إلا أن فشله كان في عدم محاولته تجنب هذا المصير.
وفي عهد نتنياهو، تعاملت الدبلوماسية العامة الإسرائيلية مع كل ناقد جديد، لا كشخص يراد إقناعه أو تصحيحه، بل كمعاد للسامية.
ويتجلى استهتاره بالرأي العام العالمي في اختياره لوزراء حكومته، وعدد منهم من أتباع مائير كاهانا، حيث رفض انتقاد تصريحاتهم وسياساتهم في غزة والضفة الغربية، وظل متمسكا بهم لأن بقاءه في الحكم مرتبط بدعمهم. كما أنه لم يقدم خطة واضحة لغزة، ورفض المحاولات الأمريكية للتطبيع السعودي، حتى لا يغضب اليمين. ورفض نتنياهو الشيء الوحيد الذي طلبه السعوديون، وهو المضي في عملية نحو إنشاء دولة فلسطينية.
ويبدو أن نتنياهو حكم وكأنه عاجز عن منع إسرائيل من أن تصبح منبوذة، أو عن مكافحة الكراهية المتصاعدة الموجهة ضد الشتات اليهودي.
وفي النهاية، ستندم إسرائيل على حجم الدعم السياسي الأمريكي الذي خسرته في عهد نتنياهو، وليس فقط من اليسار. فقد أصبح المستقلون سياسيا أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين من الإسرائيليين، و60% من البالغين الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه دولة نتنياهو، وأغلبية الجمهوريين دون سن 45 عاما يعارضون تجديد حزمة المساعدات العسكرية التي أقرها أوباما، كما يتراجع الدعم بين الإنجيليين الشباب، الذين كانوا في يوم من الأيام معقلا مؤيدا لإسرائيل في أوساط الناخبين. إن إرث نتنياهو هو عزلة إسرائيل. وربما لم يكن بالإمكان تجنب ذلك، إلا أن فشله كان في عدم محاولته تجنب هذا المصير.
وذكر الكاتب عام 1982، عندما كان نتنياهو يعمل مديرا للتسويق في شركة أثاث مقرها القدس، أن سفير إسرائيل في واشنطن قرر أن الشاب البالغ من العمر 32 عاما كان يعمل في المكان الخطأ. فبدلا من بيع الخزائن للإسرائيليين، كان عليه أن يروج لإسرائيل لدى الأمريكيين.
وقام السفير، الذي التقى نتنياهو في مؤتمر قبل بضع سنوات، بإحضاره إلى واشنطن نائبا له، وسرعان ما أصبح نتنياهو الوجه الإعلامي لإسرائيل على شاشات التلفزيون الأمريكي، وضيفا دائما على برنامجي “نايت لاين” و”لاري كينغ لايف”، بفضل لغته الإنكليزية الطليقة ولكنته الأمريكية التي اكتسبها كونه ولد في ضواحي فيلادلفيا.
لم تتغير مهمة نتنياهو على مدى العقود الأربعة التالية، وفي كل منصب شغله تقريبا، فقد كان همه حماية إسرائيل في أمريكا، وهي مهمة لم يفرط بها،
ومع ذلك، لم تتغير مهمة نتنياهو على مدى العقود الأربعة التالية، وفي كل منصب شغله تقريبا، فقد كان همه حماية إسرائيل في أمريكا، وهي مهمة لم يفرط بها، لأنه كان يعتقد أن أحدا لا يفهم أمريكا أفضل منه. لكنها كانت المهمة التي فشل فيها نتنياهو، بصفته رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل، فشلا ذريعا.
ويرى الكاتب أن دعم إسرائيل ظل، وحتى فترة قريبة، قضية مشتركة بين الحزبين في السياسة الأمريكية.
ولم تتعد الانتقادات الشديدة التي وجهها المعتدلون في الحزب الديمقراطي لحكومة نتنياهو اتهامها بعرقلة حل الدولتين مع الفلسطينيين.
لكن في السنوات التي تلت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، والغزو الإسرائيلي اللاحق لغزة، انهار هذا الإجماع الذي كان يتراجع بالفعل بين صفوف الديمقراطيين.
فقبل عامين، صوت 19 سيناتورا من الكتلة الديمقراطية ضد بيع الأسلحة لإسرائيل، وفي نيسان/أبريل الماضي، صوّت 40 من أصل 47 عضوا ضد البيع، بمن فيهم معظم المرشحين للرئاسة من داخل الكتلة. والآن، أصبح عمدة المدينة التي تضم أكبر جالية يهودية في العالم معاديا للصهيونية، وقد خاض حملته الانتخابية على وعد باعتقال نتنياهو. ومن شبه المؤكد أن ناشطة من جامعة كولومبيا شاركت في تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين ستصبح عضوا في الكونغرس المقبل. وقد جعل كبار أعضاء مجلس الشيوخ الليبراليون، بمن فيهم كريس مورفي من ولاية كونيتيكت وكريس فان هولين من ولاية ميريلاند، انتقاد إسرائيل محورا أساسيا لرسالتهم.
وأضاف الكاتب أن هذا الانهيار لا يقتصر على الحزبين. ففي الشهر الحالي، قال نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يعد على الأرجح المرشح الجمهوري الأوفر حظا للرئاسة عام 2028، لمقدم البودكاست جو روغان، إن الممول والمجرم الجنسي جيفري إبستين “كان على صلة واضحة بأعلى مستويات المخابرات الإسرائيلية”، وهي نظرية لا أساس لها من الصحة. واتهم فانس إسرائيل بالتآمر ضد دبلوماسيته مع إيران.
وعلق الكاتب بأن تصريحات كهذه كانت كفيلة، قبل عقد من الزمن، بطرد أي جمهوري يتحدث بهذه الطريقة من الحزب. أما الآن، ففانس مرشح لتولي قيادته.
وأضاف أن والد نتنياهو، بنزيون، الذي آمن بأن اليهود لا أمان لهم إلا داخل حدود دولتهم الحديدية، وأن معاداة السامية جزء لا يتجزأ من حياة الشتات اليهودي، كان متشائما في نظرته. ففي النهاية، ثبت أن تاريخ اليهود ليس محصورا في الهولوكوست، فيما تسابق الساسة الأمريكيون على كسب ولاء الدولة الجديدة.
وبدا أن مسيرة نتنياهو السياسية المبكرة وكأنها تفند تشاؤم والده. وبحلول عام 1984، أصبح سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، وجسد ظهوره المتكرر على شاشات التلفزيون فكرة إمكانية إقناع الأمريكيين بقضية إسرائيل.
وربما عادت الرؤية المتشائمة لوالد نتنياهو، في مرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، بمعنى أن معاداة السامية كامنة، إلا أن الكراهية الدائمة وحدها لا تفسر شدة هذا التحول. وهي ليست السبب الذي دفع الديمقراطيين، الذين كانوا يدعمون إسرائيل سابقا، إلى اعتبارها عبئا سياسيا. وبالمثل، فمعاداة السامية ليست السبب الرئيسي وراء نظرة العديد من الأمريكيين إلى إسرائيل على أنها غير مبالية بمعاناة الفلسطينيين.
ذلك أن خيارات نتنياهو وخطابه وأفعاله أكدت هذه التصورات، وفي كل مرة كان من الممكن احتواء الضرر فيها، زاد الأمر سوءا.
وأشار الكاتب إلى أن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية شهدت خلافات دورية، إلا أن الخلاف بقي محصورا بين حكومتين، من دون تحويله إلى قضية حزبية.
إلا أن نتنياهو جلب معه دوافع أخرى للعلاقة، فلم يكن يحب الديمقراطيين ولا ليبرالية معظم اليهود الأمريكيين، الذين يغلبون العدالة الاجتماعية على يهوديتهم. ووصفهم بأنهم يهود كارهون لأنفسهم.
وتبدّى عداء نتنياهو للديمقراطيين في خطابه الذي ألقاه في 3 آذار/مارس 2015 أمام جلسة مشتركة للكونغرس، وحذر فيه من اتفاقية نووية مع إيران كان يعمل عليها الرئيس آنذاك باراك أوباما، مع أن الأخير أبدى تعاطفا صريحا مع إسرائيل في حملته الانتخابية الأولى عام 2007. وبعد توليه منصبه، وقّع أوباما أكبر حزمة مساعدات عسكرية قدمتها أمريكا لأي دولة على الإطلاق.
ومع ذلك، ومنذ البداية تقريبا، تعامل نتنياهو مع أوباما كخصم يجب التغلب عليه، فألقى عليه محاضرات عن التاريخ اليهودي في المكتب البيضاوي أمام الكاميرات، وهي لقطات استخدمها رئيس الوزراء لاحقا في إعلان حملته الانتخابية.
وقد أدى تهكمه من أوباما إلى نفور اليسار الأمريكي، الذي كان ينأى بنفسه عن إسرائيل.
ومن هنا، نجح الناشطون الفلسطينيون في الجامعات بذكاء في استمالة حلفاء من اليسار لم يفكروا قط في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
تعامل نتنياهو مع أوباما كخصم يجب التغلب عليه، فألقى عليه محاضرات عن التاريخ اليهودي في المكتب البيضاوي أمام الكاميرات
ويعلق الكاتب بأن نتنياهو كان بإمكانه وقف هذا الانجراف بمجرد احترامه لأوباما، رمز الليبرالية، وتعبيره عن رغبته في حل عادل ومنصف لأزمة الشرق الأوسط، حتى وإن كان يعتقد في قرارة نفسه أن الفلسطينيين غير مهتمين بالتسوية. لكن، بمهاجمته رئيسا ديمقراطيا بشكل مباشر واستمالته لمعارضته، بدا وكأنه يدفع إسرائيل إلى أحد جانبي الانقسام الحزبي في أمريكا.
ثم جاء الرئيس ترامب، الذي بات نتنياهو ينظر إليه على أنه “أعظم صديق لإسرائيل في البيت الأبيض”. وقد رأى نتنياهو في ترامب فرصته الذهبية. وتجاوز ولاؤه المذل للرئيس مجرد التملق الذي فرضه قادة أجانب آخرون على أنفسهم. فغطت حملته الانتخابية لوحات إعلانية تظهر الرجلين وهما يتصافحان، وأطلق على إحدى المستوطنات اسم “مرتفعات ترامب”، وأعلن حلفاؤه أن محطة قطار جديدة قرب حائط المبكى ستحمل اسم ترامب. وكافأ ترامب هذا الولاء بتلبية معظم مطالب نتنياهو، فقد نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وألغى الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما مع إيران، وامتنع عن الضغط على نتنياهو للتفاوض مع الفلسطينيين.
ومن هنا، فبمجرد أن ربط نتنياهو إسرائيل بترامب، حوّل العديد من الأمريكيين الذين كانوا يكرهون أحدهما كراهيتهم للآخر. إلا أن نتنياهو اعتقد أن الأمر لا يهم، فقد افترض أن الحزب الديمقراطي، المتجذر في العلمانية والأيديولوجية التقدمية، سيكره إسرائيل في نهاية المطاف بغض النظر عن أي شيء. وحذرته شخصيات يهودية بارزة، سواء في الحزب الديمقراطي أو في المنظمات اليهودية الوطنية، من أنه يسيء فهم السياسة الأمريكية عموما والديمقراطيين خصوصا، لكن تحذيراتهم قوبلت بالتجاهل.
وكأنما ليؤكد وجهة نظرهم، ضحى الرئيس الذي خلف ترامب في ولايته الأولى من أجل نتنياهو أكثر مما ضحى به أي من أسلافه. فبعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، سافر جو بايدن إلى إسرائيل لإظهار التضامن معها، ثم قام بتسليحها والدفاع عنها في هجومها المضاد بتكلفة سياسية باهظة، على الرغم من قلقه المتزايد من أن هدف نتنياهو المتمثل في القضاء على حماس غير قابل للتحقيق وسيؤدي إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين.
وفي مقابل دعم بايدن، تجاهل نتنياهو تقريبا كل نصيحة استراتيجية قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي. ونشر في حزيران/يونيو 2024، مقطع فيديو باللغة الإنكليزية، موجها على ما يبدو للجمهور الأمريكي، اتهم فيه الإدارة الأمريكية بحجب الأسلحة، واشتكى من أن بايدن يمنعه من كسب الحرب. وكان هذا الاتهام مبالغا فيه للغاية، إذ لم تحجب الإدارة في نهاية المطاف سوى شحنة من نوع واحد من القنابل، وجعل بايدن يبدو أحمقا. وبينما كان بايدن يتلقى الانتقادات من اليسار دفاعا عن نتنياهو، هاجمه نتنياهو من اليمين.
وقد انقلب الجناح اليساري في حزب بايدن عليه، محملا إياه مسؤولية ويلات الحرب، كما حدث في الانتخابات التمهيدية لولاية ميشيغان عام 2024. وما بدأ كثورة ضد بايدن تحول إلى ثورة ضد دعم الحزب الديمقراطي التاريخي لإسرائيل. وصوّر نشطاء اليسار هذا الدعم دليلا على هيمنة كبار السن غير المسؤولين في الحزب. وأصبحت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) هدفا، حيث تضخمت أهميتها الرمزية مع تراجع نفوذها. فقد تعهد كل من غافين نيوسوم، وكوري بوكر، وروبن غاليغو، وسيث مولتون، وهم ليسوا من أعمدة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، برفض أموال أيباك. واستنتج الديمقراطيون المعتدلون أن المخاطرة بالدفاع عن إسرائيل لا طائل منها، ليس فقط بسبب العداء المتزايد داخل قاعدة الحزب، بل لأن معاملة نتنياهو لبايدن أظهرت أن الولاء لن يقابل بالمثل.
وقد استوعب الديمقراطيون المرشحون للرئاسة هذه الحسابات الجديدة، وحاولوا لفت الأنظار إلى ترشيحاتهم الوليدة من خلال مواجهات بارزة مع إسرائيل. وقد فجر هذا الانقسام الرجل الذي أكد للإسرائيليين أن لا أحد يفهم الأمريكيين أفضل منه.
ثم شنت إسرائيل حربا على إيران ووكلائها باسم البقاء، وهدفها المعلن بوضوح القضاء على الدولة الوحيدة ذات الأغلبية اليهودية في العالم. لكن للبقاء جبهة ثانية، هي الرأي العام الأمريكي.
وواجه نتنياهو التهديدات العسكرية بشراسة، لكنه خسر في ساحة المعركة التي صنعت مسيرته. فقد وصل إلى السلطة بإقناع الأمريكيين بصواب قضيته، لكنه حكم وكأن إقناعهم لم يعد مهما، بل عبثيا.
ويعتقد الكاتب أن نتنياهو لم يدرك قط أن نجاحاته السابقة تحققت في ظل ظروف مواتية، هي الحرب الباردة، والحروب على الإرهاب، وعقود من التعاطف الأمريكي مع القضية الإسرائيلية. وعندما تغيرت الظروف، لم يعدل نتنياهو حجته، بل استنتج أنه لا مجال لتغيير الآراء، فكراهية الدولة اليهودية راسخة لا تتغير.
إن إرث نتنياهو هو عزلة إسرائيل. وربما لم يكن بالإمكان تجنب ذلك، إلا أن فشله كان في عدم محاولته تجنب هذا المصير.
وفي عهد نتنياهو، تعاملت الدبلوماسية العامة الإسرائيلية مع كل ناقد جديد، لا كشخص يراد إقناعه أو تصحيحه، بل كمعاد للسامية.
ويتجلى استهتاره بالرأي العام العالمي في اختياره لوزراء حكومته، وعدد منهم من أتباع مائير كاهانا، حيث رفض انتقاد تصريحاتهم وسياساتهم في غزة والضفة الغربية، وظل متمسكا بهم لأن بقاءه في الحكم مرتبط بدعمهم. كما أنه لم يقدم خطة واضحة لغزة، ورفض المحاولات الأمريكية للتطبيع السعودي، حتى لا يغضب اليمين. ورفض نتنياهو الشيء الوحيد الذي طلبه السعوديون، وهو المضي في عملية نحو إنشاء دولة فلسطينية.
ويبدو أن نتنياهو حكم وكأنه عاجز عن منع إسرائيل من أن تصبح منبوذة، أو عن مكافحة الكراهية المتصاعدة الموجهة ضد الشتات اليهودي.
وفي النهاية، ستندم إسرائيل على حجم الدعم السياسي الأمريكي الذي خسرته في عهد نتنياهو، وليس فقط من اليسار. فقد أصبح المستقلون سياسيا أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين من الإسرائيليين، و60% من البالغين الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه دولة نتنياهو، وأغلبية الجمهوريين دون سن 45 عاما يعارضون تجديد حزمة المساعدات العسكرية التي أقرها أوباما، كما يتراجع الدعم بين الإنجيليين الشباب، الذين كانوا في يوم من الأيام معقلا مؤيدا لإسرائيل في أوساط الناخبين. إن إرث نتنياهو هو عزلة إسرائيل. وربما لم يكن بالإمكان تجنب ذلك، إلا أن فشله كان في عدم محاولته تجنب هذا المصير.


