اتصل بنا
 

بين استراتيجيات التفاؤل… والتفاؤل الاستراتيجي

كاتب من سوريا

نيسان ـ نشر في 2026-07-30 الساعة 12:52

نيسان ـ من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة الأشخاص والأحداث، الخلط بين التفاؤل بوصفه حالةً نفسية، والتفاؤل بوصفه منهجاً في التفكير.
فكثيراً ما يُنظر إلى المتفائل على أنه شخص يرى العالم كما يحب أن يكون، لا كما هو، وأن تفاؤله ينتقص، بصورة أو بأخرى، من موضوعيته ودقة أحكامه. وفي المقابل، يُمنح التشاؤم أحياناً هالةً من العمق والواقعية، حتى ليبدو وكأن النظر إلى الجانب المظلم من الأشياء هو الطريق الأقصر إلى الحكمة.
غير أن هذا التصور يقوم على خلطٍ بين مفهومين مختلفين تماماً.
فهناك ما يمكن أن نسميه استراتيجيات التفاؤل؛ وهي أساليب نفسية أو ذهنية تساعد الإنسان على التكيف مع ضغوط الحياة، من خلال التركيز على الجوانب الإيجابية، أو إعادة تفسير الأحداث بصورة تمنحه شعوراً أفضل.
وفي المقابل، هناك ما يمكن أن نسميه التفاؤل الاستراتيجي، بدرجةٍ من التبسيط. أما إن أردنا استعمال مصطلحٍ أكثر منهجيةً، فقد يمكن أن نسميه الإمكان الاستراتيجي.
وهذا ليس حالةً نفسية، ولا خياراً مزاجياً، ولا محاولةً لتجميل الواقع، وإنما هو منهج في التفكير وصناعة القرار، ينطلق من التحليل قبل الانطباع، ومن فهم الاتجاهات قبل إطلاق الأحكام، ومن البحث عن إمكانات الفعل قبل الاستسلام لما يبدو من قيود.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل أنت متفائل أم متشائم؟
وإنما السؤال الأكثر عمقاً: كيف وصلت إلى هذا التفاؤل أو ذلك التشاؤم؟
إن استراتيجيات التفاؤل تمثل حالة نفسية معروفة. يميل صاحبها إلى البحث عن الأخبار السارة، وإعادة تفسير الوقائع بطريقة تمنحه شعوراً أفضل، والابتعاد عن كل ما يعكر مزاجه أو يقلق نظرته إلى المستقبل. وهذا نمط قد يكون مفيداً للصحة النفسية أو للحياة الشخصية، لكنه لا يصلح بالضرورة لفهم السياسة أو قراءة التاريخ أو إدارة التحولات الكبرى، لأن العالم لا يستجيب لرغباتنا، وإنما لقوانينه وتعقيداته.
أما التفاؤل، أو لنقل «الإمكان الاستراتيجي»، فهو شيء مختلف تماماً.
إنه لا يبدأ من المزاج، ولا ينطلق من الرغبة، وإنما من التحليل. من دراسة الاتجاهات، وموازين القوى، وتجارب الأمم، وديناميات التحول، والاحتمالات المختلفة. وقد يقود هذا التحليل إلى نتيجة متفائلة، وقد يقود إلى نتيجة متشائمة. لكن النتيجة هنا ليست قراراً نفسياً، وإنما هي خلاصة قراءة منهجية للواقع.
الاستراتيجي، هنا، لا يسأل فقط: ما حجم الأزمة؟ وإنما يسأل أيضاً: أين تكمن الفرصة التي ولّدتها هذه الأزمة؟ وما الإمكانات الجديدة التي لم تكن موجودة قبلها؟
ولهذا قد يبدو شخصان أمام المشهد نفسه متفائلين، بينما لا يجمع بينهما شيء تقريباً. أحدهما متفائل لأنه لا يحب سماع الأخبار السيئة، والآخر متفائل لأنه يرى، بعد تحليل طويل، أن المؤشرات العميقة تتحرك في اتجاه إيجابي، وأن ما يبدو فوضى على السطح يخفي تحولاً بنيوياً أكثر عمقاً.
الفارق بينهما هو الفارق بين من يتمنى.. ومن يستنتج!
لكن قوة الإمكان الاستراتيجي، لا تقف عند قراءة الاتجاهات أو ترجيح الاحتمالات. ذلك إنه يغير طريقة النظر إلى التحديات نفسها.
فالاستراتيجي، هنا، لا يسأل فقط: ما حجم الأزمة؟ وإنما يسأل أيضاً: أين تكمن الفرصة التي ولّدتها هذه الأزمة؟ وما الإمكانات الجديدة التي لم تكن موجودة قبلها؟ وما المساحات التي يمكن التحرك فيها رغم كل القيود؟
إنه ينطلق من فرضية أن كل أزمة تحمل في داخلها فرصة كامنة، وأن كل مأزق يفتح، في الوقت نفسه، باباً أو أكثر لم يُكتشف بعد. ولذلك لا يكتفي بتعداد المخاطر، لأنه، في الحقيقة، ينتقل مباشرة إلى السؤال الأهم: أين تكمن مساحة الفعل؟
وهو، بالتالي، لا يكتفي بتحليل القيود، ولا بوصف المشكلة، لأنه، بدل ذلك، يبحث عن الرافعات، ويوسّع فضاء التفكير حتى تظهر حلول لم تكن مرئيةً في البداية.
ولهذا فإن الإمكان الاستراتيجي يرفض أن يُحاصر العقل داخل ثنائية: «إما هذا.. أو ذاك». فهو يدفع صاحبه إلى البحث عن البدائل الثالثة، والرابعة، والعاشرة.. وإلى التفكير الشمولي الذي يعيد تركيب عناصر المشهد، ويستكشف العلاقات غير الظاهرة بين الوقائع، ويبحث عن حلول خارج الصندوق، ليس لأن هذه العبارة أصبحت شائعة، وإنما لأن الأزمات الكبرى كثيراً ما تحتاج إلى أفكار لا تشبه ما اعتدناه.
ومن هنا فإن المتفائل استراتيجياً ليس هو من يقلل من حجم التحديات.. وإنما هو من يرفض الاعتقاد بأن التحديات تستنفد جميع الإمكانات. إنه يرى في كل أزمة أسئلة جديدة، وفي كل انسداد احتمالاً لفتح طريق آخر، وفي كل تحول فرصة لإعادة بناء المعادلة على نحو أفضل.
وهنا نصل إلى أهم نقطة في الموضوع كله.
إن التفاؤل الاستراتيجي لا يقف عند سؤال: ماذا سيحدث؟
بل ينتقل إلى سؤال أكثر عمقاً وتأثيراً: ماذا يمكن أن نفعل حتى يحدث ما نريد؟
وهذا، في الحقيقة، هو الفارق بين التفكير الذي يكتفي بوصف المستقبل، والتفكير الذي يسعى إلى صناعته.
فالاستراتيجي الحقيقي لا يتعامل مع المستقبل بوصفه قدراً ينتظر وصوله، وإنما بوصفه فضاءً يمكن التأثير فيه، وتغيير اتجاهاته، وصناعة جزء معتبر من نتائجه. وهو لا يكتفي بتقدير الاحتمالات، لأنه يبحث دائماً عن نقطة الارتكاز التي يستطيع من خلالها تعديل تلك الاحتمالات لمصلحة وطنه ومجتمعه.
لهذا كله، لا يتعلق الأمر باختيار التفاؤل أو التشاؤم، وإنما باختيار السؤال الصحيح.
فالعقل الذي لا يرى إلا القيود، ينتهي غالباً إلى الاعتقاد بأن التاريخ قد حسم أمره. أما العقل الذي يبحث عن الإمكانات، فإنه يكتشف أن التاريخ لا يُكتب من الوقائع وحدها، وإنما من الطريقة التي يقرأ بها البشر تلك الوقائع، ومن قدرتهم على استخراج ما كان كامناً فيها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لما نسميه الإمكان الاستراتيجي. فهو ليس تفاؤلاً بالمستقبل، وإنما إيمان بأن المستقبل نفسه يظل مفتوحاً على احتمالات متعددة، وأن وظيفة السياسة ليست انتظار الاحتمال الأكثر ترجيحاً، بل توسيع مساحة الاحتمال الذي يخدم المصلحة الوطنية.
لهذا تكتسب الفكرة أهميتها في الدول التي تعيش لحظات انتقالية كبرى، كما هو حال سوريا اليوم. ففي مثل هذه اللحظات، لا يكون أخطر ما يواجه الدولة كثرة أزماتها، وإنما ضيق الخيال السياسي الذي يعجز عن رؤية ما ولدته تلك الأزمات نفسها من إمكانات جديدة.
وذلك، فيما يبدو، هو الفارق الأكبر، بين من يقرأ التحول.. ومن يصنعه!
كاتب سوري

نيسان ـ نشر في 2026-07-30 الساعة 12:52


رأي: وائل مرزا كاتب من سوريا

الكلمات الأكثر بحثاً