كيف تؤثر المساعدات على غزة تحت الحصار وحرب الإبادة؟
نيسان ـ نشر في 2026-07-30 الساعة 15:03
نيسان ـ لا يُقاس أثر الشاحنة التي تدخل غزة بعدد طرودها فقط، بل بما إذا كانت تصل في الوقت الذي يمنع الموت، وبالمكان الذي تستطيع بلوغه، وبما إذا كانت الأسرة قادرة على استخدام ما فيها وسط القصف والنزوح وانهيار الخدمات. لذلك فإن سؤال كيف تؤثر المساعدات على غزة لا يملك جواباً بسيطاً: فهي تنقذ أرواحاً وتخفف الجوع، لكنها تبقى محكومة بمعبر مغلق أو متحكم به، وبحرب تستهدف مقومات الحياة، وباحتياجات تتضاعف أسرع من وتيرة إدخال الإغاثة.
غزة لا تواجه كارثة طبيعية عابرة يمكن احتواؤها بإرسال مواد غذائية أو خيام. هي تواجه عدواناً مستمراً وحصاراً مفروضاً منذ سنوات، دمّر المنازل والبنية الصحية والمياه والصرف الصحي والطرق ومصادر الرزق. في هذا السياق، تصبح المساعدات ضرورة عاجلة، لكن تحويلها إلى بديل عن الحقوق الفلسطينية أو عن وقف العدوان يضلل جوهر القضية.
كيف تؤثر المساعدات على غزة في حياة الناس؟
الأثر الأول والأكثر مباشرة هو منع الانهيار الفوري للأسر. الغذاء الجاهز والدقيق والمياه النظيفة وحليب الأطفال والدواء تعني، في لحظات الحصار والتجويع، فرقاً حقيقياً بين البقاء والجوع والمرض. حين تفقد العائلات منازلها ومطابخها ومدخراتها، لا يعود الغذاء سلعة يمكن شراؤها بسهولة، بل يتحول إلى حق طارئ يعتمد على وصول الإمدادات وعدالة توزيعها.
وتظهر قيمة المساعدات بوضوح أكبر لدى الفئات التي تتضرر أولاً وبصمت: الأطفال، والحوامل، وكبار السن، وذوو الإعاقة، ومرضى الكلى والسكري والسرطان، والجرحى الذين يحتاجون إلى متابعة طويلة لا إلى إسعاف أولي فقط. علبة دواء للضغط أو جلسة غسيل كلى أو حليب علاجي لطفل يعاني سوء التغذية ليست تفاصيل هامشية في غزة، بل قد تكون الحد الفاصل بين النجاة وتدهور لا يمكن تداركه.
كما تسند المساعدات شبكات الصمود المجتمعي. فالمطابخ الجماعية والمخابز والنقاط الطبية ومراكز الإيواء لا تعمل بالنوايا وحدها. تحتاج إلى طحين ووقود ومياه ومستلزمات نظافة وأدوات طبية. وعندما تتوافر هذه العناصر، تستطيع العائلات النازحة الحفاظ على حد أدنى من الحياة المنظمة وسط الفوضى المفروضة عليها.
لكن أثر الإغاثة لا يتوزع بالتساوي. الوصول إلى شمال القطاع أو المناطق المحاصرة قد يكون أصعب بكثير من الوصول إلى مناطق أخرى، كما أن النزوح المتكرر يجعل تتبع الأسر وتحديد احتياجاتها مهمة معقدة. لذلك قد تصل مساعدات إلى غزة في المجمل، فيما تبقى عائلات بعينها دون غذاء كاف أو دواء أو مأوى آمن.
الغذاء والدواء والوقود: ما الذي تغيّره الإغاثة؟
الغذاء ليس مجرد سعرات حرارية. يحتاج الناس إلى غذاء متنوع يحميهم من سوء التغذية، ولا سيما الأطفال والمرضى. السلال الغذائية المحدودة قد تسد جوع يوم أو أيام، لكنها لا تعالج النقص المزمن في البروتينات والخضروات والأغذية العلاجية. وحين تُدمّر الأراضي الزراعية أو يُمنع الصيادون والمزارعون من العمل الآمن، تتراجع قدرة غزة على تأمين جزء من احتياجاتها بنفسها، فتزداد التبعية للمساعدات.
أما الدواء، فتأثيره يتجاوز المستشفيات. إمداد المراكز الصحية بالمضادات الحيوية والمحاليل وأدوات الجراحة والمستلزمات الخاصة بالولادة يحد من الوفيات القابلة للمنع. غير أن المنظومة الصحية لا تُنقذ بالأدوية وحدها. المستشفى يحتاج إلى كوادر مرهقة، وأجهزة تعمل، وتعقيم، ومياه، وكهرباء، ومسارات آمنة للمرضى وسيارات الإسعاف. إذا قُصف الطريق أو انقطع الوقود، تصبح الصناديق الطبية المخزنة أقل قدرة على تحويلها إلى علاج فعلي.
والوقود هو العنصر الذي يكشف هشاشة أي حديث عن مساعدات كافية. فبدونه تتوقف المولدات في المستشفيات ومحطات المياه والمخابز، وتتراجع خدمات الاتصالات والنقل والنظافة. تقليص الوقود أو التحكم في دخوله لا يعرقل خدمة واحدة فقط، بل يضرب سلسلة الحياة كلها. ولهذا لا يصح التعامل معه كسلعة ثانوية أو كامتياز مشروط، بل كحاجة إنسانية أساسية.
الخيام ومواد الإيواء بدورها تخفف التعرض للبرد والحر والخصوصية المنتهكة، لكنها لا تصنع بيتاً آمناً. الأسرة التي تعيش في خيمة على أرض مكتظة، قرب مياه ملوثة أو تحت خطر الإخلاء والقصف، لا تكون قد خرجت من الكارثة. الإيواء المؤقت ضرورة، لكنه لا يمكن أن يصبح سياسة دائمة لتطبيع اقتلاع الناس من بيوتهم.
عندما تتحول المساعدات إلى اختبار سياسي
المشكلة ليست في وجود المساعدات، بل في الشروط التي تتحكم بها. الاحتلال يملك تأثيراً مباشراً في المعابر والكميات وأنواع المواد ومسارات إدخالها، ويمكن أن يحول الاحتياجات الإنسانية إلى أدوات ضغط. التأخير في التفتيش، وتقليص عدد الشاحنات، ومنع مواد بحجة الاستخدام المزدوج، وإغلاق الطرق أو استهداف محيطها، كلها إجراءات تجعل الإغاثة أقل من الحاجة وأكثر كلفة وخطورة.
هنا تظهر مفارقة قاسية: كلما اتسع الدمار بفعل العدوان، ارتفع الاحتياج إلى المساعدات؛ وكلما تعطلت القدرة على إدخالها وتوزيعها، صار السكان أكثر عرضة للجوع والمرض. لا ينبغي أن تُستخدم هذه الحقيقة لتقديم صورة لغزة بوصفها مجرد مجتمع ينتظر الصدقات. الفلسطينيون في غزة أصحاب حق في الغذاء والعلاج والحركة والعمل والسكن الآمن، لا متلقون سلبيون لـ”منح” يمكن وقفها متى شاءت القوى المتحكمة.
كما أن المساعدات لا تعوض فقدان الدخل. آلاف الأسر كانت تعتمد على تجارة صغيرة أو زراعة أو صيد أو وظيفة أو عمل يومي. عندما تُهدم الأسواق والمصانع والورش وتتعطل الحركة، تفقد العائلة قدرتها على اتخاذ قراراتها الاقتصادية. قد تمنع السلة الغذائية الجوع، لكنها لا تعيد الاستقلال المعيشي ولا تعوض راتباً انقطع أو منزلاً دُمّر أو أرضاً صودرت.
وفي بعض الحالات، قد يخلق شح الإمدادات سوقاً سوداء وارتفاعاً حاداً في الأسعار، فتستفيد فئات قادرة على الشراء أو التخزين فيما يُدفع الفقراء إلى مزيد من الهشاشة. لذلك تتطلب الاستجابة الفاعلة رقابة شفافة، وتوزيعاً يستند إلى الحاجة، وحماية لمسارات الإغاثة من الفوضى والاستغلال. إلا أن تحميل المؤسسات المحلية وحدها مسؤولية هذا الخلل يتجاهل أصل المشكلة: بيئة حرب وحصار تُفكك أي نظام مدني قادر على العمل بصورة طبيعية.
ما الذي يجعل المساعدات ذات أثر حقيقي؟
لا يكفي إعلان وصول المساعدات أو احتساب أعداد الشاحنات. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الكميات تلبي حاجة السكان، وهل تدخل بصورة منتظمة، وهل تصل إلى كل المناطق، وهل تشمل المواد التي تطلبها المستشفيات والبلديات والأسر فعلاً. قافلة متقطعة لا تستطيع معالجة انقطاع مزمن في الغذاء والماء والدواء.
تزداد فاعلية الإغاثة عندما تقترن بفتح المعابر دون عوائق، وضمان سلامة العاملين الإنسانيين، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، وتأمين الوقود، وإتاحة دخول المعدات الثقيلة ومواد البناء وإزالة الركام. فالمجتمع لا يتعافى من الدمار عبر الطرود وحدها، بل باستعادة قدرته على إنتاج الطعام وتشغيل المدارس والمرافق الصحية وإيواء الناس في مساكن لائقة.
هناك أيضاً فرق بين الإغاثة التي تُفرض من أعلى والإغاثة التي تنصت إلى الناس. العائلات تعرف ما ينقصها، والطواقم الفلسطينية المحلية تعرف الأحياء والمسارات والفئات الأكثر هشاشة. إشراكها في التخطيط والتوزيع يحسن الدقة ويصون الكرامة، ويمنع هدر مواد قد لا تناسب الواقع على الأرض. إن التعامل مع الفلسطينيين كشركاء في إدارة الاستجابة، لا كأرقام في جداول المانحين، شرط أساسي لأي عمل إنساني محترم.
الإغاثة لا تلغي المسؤولية عن العدوان
تقديم الطعام للنازحين واجب عاجل، لكنه لا يمحو المسؤولية عن تهجيرهم. إرسال مستلزمات طبية ضرورة، لكنه لا يبرر استهداف المستشفيات أو تعطيلها. بناء خيمة لعائلة حق مؤقت في الحماية، لكنه لا يعوض حقها في العودة إلى منزلها وإعادة إعمار ما هُدم. هذه ليست صياغات سياسية زائدة عن الحاجة، بل هي الفاصل بين الاستجابة التي تحمي الإنسان والاستجابة التي تتعايش مع استمرار انتهاك حقوقه.
الحديث الجاد عن غزة يجب أن يربط المساعدات بوقف العدوان، ورفع الحصار، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن التدمير والتجويع. فكلما فُصلت الإغاثة عن هذه المطالب، بدا وكأن المطلوب من العالم هو إدارة الكارثة لا إنهاؤها.
ما يحتاجه أهل غزة اليوم هو وصول فوري وكافٍ ومستدام لكل مقومات الحياة، مع حماية حقهم في البقاء على أرضهم بكرامة. والموقف الذي يستحق أن يُبنى عليه ليس الاكتفاء بالسؤال عن حجم المساعدات، بل الإصرار على إزالة الأسباب التي تجعل المساعدات شرطاً يومياً للنجاة.
غزة لا تواجه كارثة طبيعية عابرة يمكن احتواؤها بإرسال مواد غذائية أو خيام. هي تواجه عدواناً مستمراً وحصاراً مفروضاً منذ سنوات، دمّر المنازل والبنية الصحية والمياه والصرف الصحي والطرق ومصادر الرزق. في هذا السياق، تصبح المساعدات ضرورة عاجلة، لكن تحويلها إلى بديل عن الحقوق الفلسطينية أو عن وقف العدوان يضلل جوهر القضية.
كيف تؤثر المساعدات على غزة في حياة الناس؟
الأثر الأول والأكثر مباشرة هو منع الانهيار الفوري للأسر. الغذاء الجاهز والدقيق والمياه النظيفة وحليب الأطفال والدواء تعني، في لحظات الحصار والتجويع، فرقاً حقيقياً بين البقاء والجوع والمرض. حين تفقد العائلات منازلها ومطابخها ومدخراتها، لا يعود الغذاء سلعة يمكن شراؤها بسهولة، بل يتحول إلى حق طارئ يعتمد على وصول الإمدادات وعدالة توزيعها.
وتظهر قيمة المساعدات بوضوح أكبر لدى الفئات التي تتضرر أولاً وبصمت: الأطفال، والحوامل، وكبار السن، وذوو الإعاقة، ومرضى الكلى والسكري والسرطان، والجرحى الذين يحتاجون إلى متابعة طويلة لا إلى إسعاف أولي فقط. علبة دواء للضغط أو جلسة غسيل كلى أو حليب علاجي لطفل يعاني سوء التغذية ليست تفاصيل هامشية في غزة، بل قد تكون الحد الفاصل بين النجاة وتدهور لا يمكن تداركه.
كما تسند المساعدات شبكات الصمود المجتمعي. فالمطابخ الجماعية والمخابز والنقاط الطبية ومراكز الإيواء لا تعمل بالنوايا وحدها. تحتاج إلى طحين ووقود ومياه ومستلزمات نظافة وأدوات طبية. وعندما تتوافر هذه العناصر، تستطيع العائلات النازحة الحفاظ على حد أدنى من الحياة المنظمة وسط الفوضى المفروضة عليها.
لكن أثر الإغاثة لا يتوزع بالتساوي. الوصول إلى شمال القطاع أو المناطق المحاصرة قد يكون أصعب بكثير من الوصول إلى مناطق أخرى، كما أن النزوح المتكرر يجعل تتبع الأسر وتحديد احتياجاتها مهمة معقدة. لذلك قد تصل مساعدات إلى غزة في المجمل، فيما تبقى عائلات بعينها دون غذاء كاف أو دواء أو مأوى آمن.
الغذاء والدواء والوقود: ما الذي تغيّره الإغاثة؟
الغذاء ليس مجرد سعرات حرارية. يحتاج الناس إلى غذاء متنوع يحميهم من سوء التغذية، ولا سيما الأطفال والمرضى. السلال الغذائية المحدودة قد تسد جوع يوم أو أيام، لكنها لا تعالج النقص المزمن في البروتينات والخضروات والأغذية العلاجية. وحين تُدمّر الأراضي الزراعية أو يُمنع الصيادون والمزارعون من العمل الآمن، تتراجع قدرة غزة على تأمين جزء من احتياجاتها بنفسها، فتزداد التبعية للمساعدات.
أما الدواء، فتأثيره يتجاوز المستشفيات. إمداد المراكز الصحية بالمضادات الحيوية والمحاليل وأدوات الجراحة والمستلزمات الخاصة بالولادة يحد من الوفيات القابلة للمنع. غير أن المنظومة الصحية لا تُنقذ بالأدوية وحدها. المستشفى يحتاج إلى كوادر مرهقة، وأجهزة تعمل، وتعقيم، ومياه، وكهرباء، ومسارات آمنة للمرضى وسيارات الإسعاف. إذا قُصف الطريق أو انقطع الوقود، تصبح الصناديق الطبية المخزنة أقل قدرة على تحويلها إلى علاج فعلي.
والوقود هو العنصر الذي يكشف هشاشة أي حديث عن مساعدات كافية. فبدونه تتوقف المولدات في المستشفيات ومحطات المياه والمخابز، وتتراجع خدمات الاتصالات والنقل والنظافة. تقليص الوقود أو التحكم في دخوله لا يعرقل خدمة واحدة فقط، بل يضرب سلسلة الحياة كلها. ولهذا لا يصح التعامل معه كسلعة ثانوية أو كامتياز مشروط، بل كحاجة إنسانية أساسية.
الخيام ومواد الإيواء بدورها تخفف التعرض للبرد والحر والخصوصية المنتهكة، لكنها لا تصنع بيتاً آمناً. الأسرة التي تعيش في خيمة على أرض مكتظة، قرب مياه ملوثة أو تحت خطر الإخلاء والقصف، لا تكون قد خرجت من الكارثة. الإيواء المؤقت ضرورة، لكنه لا يمكن أن يصبح سياسة دائمة لتطبيع اقتلاع الناس من بيوتهم.
عندما تتحول المساعدات إلى اختبار سياسي
المشكلة ليست في وجود المساعدات، بل في الشروط التي تتحكم بها. الاحتلال يملك تأثيراً مباشراً في المعابر والكميات وأنواع المواد ومسارات إدخالها، ويمكن أن يحول الاحتياجات الإنسانية إلى أدوات ضغط. التأخير في التفتيش، وتقليص عدد الشاحنات، ومنع مواد بحجة الاستخدام المزدوج، وإغلاق الطرق أو استهداف محيطها، كلها إجراءات تجعل الإغاثة أقل من الحاجة وأكثر كلفة وخطورة.
هنا تظهر مفارقة قاسية: كلما اتسع الدمار بفعل العدوان، ارتفع الاحتياج إلى المساعدات؛ وكلما تعطلت القدرة على إدخالها وتوزيعها، صار السكان أكثر عرضة للجوع والمرض. لا ينبغي أن تُستخدم هذه الحقيقة لتقديم صورة لغزة بوصفها مجرد مجتمع ينتظر الصدقات. الفلسطينيون في غزة أصحاب حق في الغذاء والعلاج والحركة والعمل والسكن الآمن، لا متلقون سلبيون لـ”منح” يمكن وقفها متى شاءت القوى المتحكمة.
كما أن المساعدات لا تعوض فقدان الدخل. آلاف الأسر كانت تعتمد على تجارة صغيرة أو زراعة أو صيد أو وظيفة أو عمل يومي. عندما تُهدم الأسواق والمصانع والورش وتتعطل الحركة، تفقد العائلة قدرتها على اتخاذ قراراتها الاقتصادية. قد تمنع السلة الغذائية الجوع، لكنها لا تعيد الاستقلال المعيشي ولا تعوض راتباً انقطع أو منزلاً دُمّر أو أرضاً صودرت.
وفي بعض الحالات، قد يخلق شح الإمدادات سوقاً سوداء وارتفاعاً حاداً في الأسعار، فتستفيد فئات قادرة على الشراء أو التخزين فيما يُدفع الفقراء إلى مزيد من الهشاشة. لذلك تتطلب الاستجابة الفاعلة رقابة شفافة، وتوزيعاً يستند إلى الحاجة، وحماية لمسارات الإغاثة من الفوضى والاستغلال. إلا أن تحميل المؤسسات المحلية وحدها مسؤولية هذا الخلل يتجاهل أصل المشكلة: بيئة حرب وحصار تُفكك أي نظام مدني قادر على العمل بصورة طبيعية.
ما الذي يجعل المساعدات ذات أثر حقيقي؟
لا يكفي إعلان وصول المساعدات أو احتساب أعداد الشاحنات. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الكميات تلبي حاجة السكان، وهل تدخل بصورة منتظمة، وهل تصل إلى كل المناطق، وهل تشمل المواد التي تطلبها المستشفيات والبلديات والأسر فعلاً. قافلة متقطعة لا تستطيع معالجة انقطاع مزمن في الغذاء والماء والدواء.
تزداد فاعلية الإغاثة عندما تقترن بفتح المعابر دون عوائق، وضمان سلامة العاملين الإنسانيين، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء، وتأمين الوقود، وإتاحة دخول المعدات الثقيلة ومواد البناء وإزالة الركام. فالمجتمع لا يتعافى من الدمار عبر الطرود وحدها، بل باستعادة قدرته على إنتاج الطعام وتشغيل المدارس والمرافق الصحية وإيواء الناس في مساكن لائقة.
هناك أيضاً فرق بين الإغاثة التي تُفرض من أعلى والإغاثة التي تنصت إلى الناس. العائلات تعرف ما ينقصها، والطواقم الفلسطينية المحلية تعرف الأحياء والمسارات والفئات الأكثر هشاشة. إشراكها في التخطيط والتوزيع يحسن الدقة ويصون الكرامة، ويمنع هدر مواد قد لا تناسب الواقع على الأرض. إن التعامل مع الفلسطينيين كشركاء في إدارة الاستجابة، لا كأرقام في جداول المانحين، شرط أساسي لأي عمل إنساني محترم.
الإغاثة لا تلغي المسؤولية عن العدوان
تقديم الطعام للنازحين واجب عاجل، لكنه لا يمحو المسؤولية عن تهجيرهم. إرسال مستلزمات طبية ضرورة، لكنه لا يبرر استهداف المستشفيات أو تعطيلها. بناء خيمة لعائلة حق مؤقت في الحماية، لكنه لا يعوض حقها في العودة إلى منزلها وإعادة إعمار ما هُدم. هذه ليست صياغات سياسية زائدة عن الحاجة، بل هي الفاصل بين الاستجابة التي تحمي الإنسان والاستجابة التي تتعايش مع استمرار انتهاك حقوقه.
الحديث الجاد عن غزة يجب أن يربط المساعدات بوقف العدوان، ورفع الحصار، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن التدمير والتجويع. فكلما فُصلت الإغاثة عن هذه المطالب، بدا وكأن المطلوب من العالم هو إدارة الكارثة لا إنهاؤها.
ما يحتاجه أهل غزة اليوم هو وصول فوري وكافٍ ومستدام لكل مقومات الحياة، مع حماية حقهم في البقاء على أرضهم بكرامة. والموقف الذي يستحق أن يُبنى عليه ليس الاكتفاء بالسؤال عن حجم المساعدات، بل الإصرار على إزالة الأسباب التي تجعل المساعدات شرطاً يومياً للنجاة.


