كيف تسرق البيروقراطية سنوات من عمر التنمية
نيسان ـ نشر في 2026-08-01 الساعة 10:54
نيسان ـ ما زلت أذكر ذلك الموقف، رغم مرور سنوات طويلة عليه، لأنه لم يكن مجرد حادثة إدارية، بل درساً لن أنساه في معنى البيروقراطية.
عندما كنت أعمل في وزارة التربية والتعليم، احتجت إلى آلة حاسبة أستخدمها في عملي اليومي. كتبت مذكرة رسمية وفق الأصول، وأرسلتها عبر السلم الإداري، ثم انشغلت بعملي ونسيت الموضوع تماماً.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، عاد الملف إلى مكتبي.
فتحته، فإذا بالمذكرة قد قطعت رحلة طويلة بين الإدارات والمكاتب، تحمل على هوامشها عشرات التواقيع والملاحظات والآراء. كل موظف كتب تعليقاً، وكل مسؤول أضاف توقيعه، حتى بدا الملف وكأنه إنجاز إداري قائم بذاته. أما القرار النهائي، بعد كل تلك الدورة الطويلة، فلم يكن سوى كلمة واحدة: “مرفوض”.
لم أحزن لأن الطلب رُفض، بل لأن مؤسسة كاملة استهلكت ثلاثة أشهر من وقتها، وعشرات الساعات من عمل موظفيها، من أجل قرار كان يمكن اتخاذه خلال دقائق.
في تلك اللحظة أدركت أن البيروقراطية لا تستهلك الورق، بل تستهلك الزمن، وأن أخطر ما يمكن أن تخسره الدول ليس المال، وإنما الوقت الذي لا يمكن استعادته.
قد تبدو هذه الحادثة بسيطة، لكنها تختصر أزمة أكبر بكثير. فإذا كانت آلة حاسبة احتاجت إلى كل هذا الوقت، فكم يحتاج مشروع استثماري؟ وكم من مصنع تأخر افتتاحه؟ وكم من شركة غادرت إلى دولة أخرى لأن قراراً ظل ينتظر توقيعاً بعد توقيع؟ وكم فرصة عمل ضاعت لأن معاملة بقيت حبيسة الأدراج حتى فقدت قيمتها؟
إن التنمية لا تتعثر دائماً بسبب نقص الموارد، بل كثيراً ما تتعثر بسبب فائض الإجراءات. فالاقتصادات لا تخسر فقط عندما تغادرها الاستثمارات، بل تخسر أيضاً عندما يصبح الروتين أقوى من القرار، والإجراء أهم من النتيجة، والتوقيع أهم من الإنجاز.
لقد تغير العالم بصورة لم يسبق لها مثيل. وأصبحت سرعة القرار أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية. فالدول اليوم لا تتنافس فقط على جذب الاستثمار، وإنما على سرعة مؤسساتها، وكفاءة إداراتها، وقدرتها على اختصار الطريق أمام المستثمر والمواطن معاً. ولم يعد السؤال الذي يطرحه المستثمر: كم تبلغ الحوافز؟ بل: كم يوماً سأنتظر حتى أبدأ العمل؟
وفي المقابل، ما زالت بعض الإدارات تنظر إلى كثرة الإجراءات باعتبارها دليلاً على الانضباط، وإلى تعدد التواقيع بوصفه ضمانة للحوكمة، بينما أثبتت التجارب العالمية أن الإدارة الرشيدة لا تُقاس بعدد الملفات التي تنتقل بين المكاتب، وإنما بسرعة الإنجاز، ووضوح المسؤولية، وجودة الخدمة.
والأخطر أن البيروقراطية لا تقتل الاستثمار وحده، بل تقتل روح المبادرة أيضاً. فهي تجعل صاحب الفكرة يقضي وقتاً أطول في ملاحقة الإجراءات مما يقضيه في تطوير مشروعه، وتدفع الموظف إلى تجنب القرار بدلاً من تحمله، لأن ثقافة الخوف من الخطأ أصبحت، في بعض الأحيان، أقوى من ثقافة الإنجاز.
ولذلك فإن الإصلاح الإداري لم يعد يعني فقط تحديث الأنظمة أو رقمنة الخدمات، بل يعني إعادة النظر في الفلسفة التي تقوم عليها الإدارة العامة. فليس المطلوب نقل الروتين من الورق إلى الشاشة، بل التخلص من الروتين نفسه. فالإجراء الذي لا يضيف قيمة، والموافقة التي لا تغيّر في القرار، والتوقيع الذي لا يتحمل صاحبه مسؤولية حقيقية، ليست أدوات لحماية المؤسسات، بل قيود تؤخرها وتضعف قدرتها على المنافسة.
واليوم، ونحن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية، بل أصبح جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية. إنه يكتب، ويحلل، ويتنبأ، ويدير البيانات، ويساعد في اتخاذ القرار، وينجز في ثوانٍ ما كان يحتاج إلى أيام أو أسابيع. وقد بدأت حكومات العالم بالفعل توظيفه في الإدارة العامة، والتخطيط، والخدمات، والقضاء، والصحة، والتعليم، لأن سرعة الإنجاز أصبحت عنواناً للدولة الحديثة.
لكن ماذا سنفعل إذا بقيت البيروقراطية كما هي؟
ما جدوى امتلاك أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي إذا كانت القرارات ما تزال تدور بين المكاتب؟ وما قيمة التحول الرقمي إذا كانت الإجراءات القديمة تنتقل كما هي إلى المنصات الإلكترونية؟ فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يصنع إدارة حديثة إذا ظل أسيراً لعقلية إدارية قديمة، ولا يمكن لأي تقنية أن تنجح إذا كانت الثقافة المؤسسية ما تزال تؤمن بأن كثرة التواقيع تعني جودة العمل، وأن التأخير دليل على الحرص.
إن التحدي الحقيقي لم يعد في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات، بل في تحرير المؤسسات من البيروقراطية حتى تتمكن من الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
وفي الأردن، لا يمكن إنكار ما تحقق من خطوات مهمة في مسار التحديث الإداري والتحول الرقمي، وهي خطوات تستحق كل الدعم. لكن المرحلة المقبلة تتطلب ما هو أبعد من الرقمنة؛ إنها تتطلب إعادة هندسة الإجراءات، وإعادة تعريف المسؤولية، وبناء ثقافة مؤسسية تجعل الإنجاز هو معيار النجاح، لا عدد التواقيع ولا حجم الملفات.
وربما آن الأوان لأن يصبح زمن الإنجاز مؤشراً وطنياً يقاس كما تقاس المؤشرات الاقتصادية. لماذا لا تتنافس المؤسسات الحكومية على سرعة تقديم الخدمة، كما تتنافس على تنفيذ خططها؟ ولماذا لا يصبح احترام وقت المواطن والمستثمر جزءاً من معايير تقييم الأداء؟ فكل دقيقة نوفرها هي رسالة ثقة، وكل إجراء نختصره هو استثمار جديد، وكل قرار نتخذه في وقته هو خطوة نحو اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة.
لقد علمتني تلك المذكرة الصغيرة أن البيروقراطية لا تسرق آلة حاسبة، ولا تؤخر معاملة فحسب، بل قد تسرق سنوات من عمر التنمية.
أما اليوم، فإن المعادلة أصبحت أكثر وضوحاً: العالم يتحرك بسرعة الذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال بعض الإدارات تتحرك بسرعة المذكرة الورقية.
وبين السرعتين يتحدد مستقبل الدول.
فإما أن ننتقل من ثقافة الإجراءات إلى ثقافة النتائج، ومن إدارة التواقيع إلى إدارة الإنجاز، ومن الخوف من القرار إلى الثقة بالمسؤولية، وإما أن نبقى نراقب العالم وهو يتقدم، بينما نقف نحن في طابور الانتظار… ننتظر توقيعاً جديداً على مذكرة كان ينبغي أن تُحسم منذ اللحظة الأولى
عندما كنت أعمل في وزارة التربية والتعليم، احتجت إلى آلة حاسبة أستخدمها في عملي اليومي. كتبت مذكرة رسمية وفق الأصول، وأرسلتها عبر السلم الإداري، ثم انشغلت بعملي ونسيت الموضوع تماماً.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، عاد الملف إلى مكتبي.
فتحته، فإذا بالمذكرة قد قطعت رحلة طويلة بين الإدارات والمكاتب، تحمل على هوامشها عشرات التواقيع والملاحظات والآراء. كل موظف كتب تعليقاً، وكل مسؤول أضاف توقيعه، حتى بدا الملف وكأنه إنجاز إداري قائم بذاته. أما القرار النهائي، بعد كل تلك الدورة الطويلة، فلم يكن سوى كلمة واحدة: “مرفوض”.
لم أحزن لأن الطلب رُفض، بل لأن مؤسسة كاملة استهلكت ثلاثة أشهر من وقتها، وعشرات الساعات من عمل موظفيها، من أجل قرار كان يمكن اتخاذه خلال دقائق.
في تلك اللحظة أدركت أن البيروقراطية لا تستهلك الورق، بل تستهلك الزمن، وأن أخطر ما يمكن أن تخسره الدول ليس المال، وإنما الوقت الذي لا يمكن استعادته.
قد تبدو هذه الحادثة بسيطة، لكنها تختصر أزمة أكبر بكثير. فإذا كانت آلة حاسبة احتاجت إلى كل هذا الوقت، فكم يحتاج مشروع استثماري؟ وكم من مصنع تأخر افتتاحه؟ وكم من شركة غادرت إلى دولة أخرى لأن قراراً ظل ينتظر توقيعاً بعد توقيع؟ وكم فرصة عمل ضاعت لأن معاملة بقيت حبيسة الأدراج حتى فقدت قيمتها؟
إن التنمية لا تتعثر دائماً بسبب نقص الموارد، بل كثيراً ما تتعثر بسبب فائض الإجراءات. فالاقتصادات لا تخسر فقط عندما تغادرها الاستثمارات، بل تخسر أيضاً عندما يصبح الروتين أقوى من القرار، والإجراء أهم من النتيجة، والتوقيع أهم من الإنجاز.
لقد تغير العالم بصورة لم يسبق لها مثيل. وأصبحت سرعة القرار أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية. فالدول اليوم لا تتنافس فقط على جذب الاستثمار، وإنما على سرعة مؤسساتها، وكفاءة إداراتها، وقدرتها على اختصار الطريق أمام المستثمر والمواطن معاً. ولم يعد السؤال الذي يطرحه المستثمر: كم تبلغ الحوافز؟ بل: كم يوماً سأنتظر حتى أبدأ العمل؟
وفي المقابل، ما زالت بعض الإدارات تنظر إلى كثرة الإجراءات باعتبارها دليلاً على الانضباط، وإلى تعدد التواقيع بوصفه ضمانة للحوكمة، بينما أثبتت التجارب العالمية أن الإدارة الرشيدة لا تُقاس بعدد الملفات التي تنتقل بين المكاتب، وإنما بسرعة الإنجاز، ووضوح المسؤولية، وجودة الخدمة.
والأخطر أن البيروقراطية لا تقتل الاستثمار وحده، بل تقتل روح المبادرة أيضاً. فهي تجعل صاحب الفكرة يقضي وقتاً أطول في ملاحقة الإجراءات مما يقضيه في تطوير مشروعه، وتدفع الموظف إلى تجنب القرار بدلاً من تحمله، لأن ثقافة الخوف من الخطأ أصبحت، في بعض الأحيان، أقوى من ثقافة الإنجاز.
ولذلك فإن الإصلاح الإداري لم يعد يعني فقط تحديث الأنظمة أو رقمنة الخدمات، بل يعني إعادة النظر في الفلسفة التي تقوم عليها الإدارة العامة. فليس المطلوب نقل الروتين من الورق إلى الشاشة، بل التخلص من الروتين نفسه. فالإجراء الذي لا يضيف قيمة، والموافقة التي لا تغيّر في القرار، والتوقيع الذي لا يتحمل صاحبه مسؤولية حقيقية، ليست أدوات لحماية المؤسسات، بل قيود تؤخرها وتضعف قدرتها على المنافسة.
واليوم، ونحن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية، بل أصبح جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية. إنه يكتب، ويحلل، ويتنبأ، ويدير البيانات، ويساعد في اتخاذ القرار، وينجز في ثوانٍ ما كان يحتاج إلى أيام أو أسابيع. وقد بدأت حكومات العالم بالفعل توظيفه في الإدارة العامة، والتخطيط، والخدمات، والقضاء، والصحة، والتعليم، لأن سرعة الإنجاز أصبحت عنواناً للدولة الحديثة.
لكن ماذا سنفعل إذا بقيت البيروقراطية كما هي؟
ما جدوى امتلاك أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي إذا كانت القرارات ما تزال تدور بين المكاتب؟ وما قيمة التحول الرقمي إذا كانت الإجراءات القديمة تنتقل كما هي إلى المنصات الإلكترونية؟ فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يصنع إدارة حديثة إذا ظل أسيراً لعقلية إدارية قديمة، ولا يمكن لأي تقنية أن تنجح إذا كانت الثقافة المؤسسية ما تزال تؤمن بأن كثرة التواقيع تعني جودة العمل، وأن التأخير دليل على الحرص.
إن التحدي الحقيقي لم يعد في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات، بل في تحرير المؤسسات من البيروقراطية حتى تتمكن من الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
وفي الأردن، لا يمكن إنكار ما تحقق من خطوات مهمة في مسار التحديث الإداري والتحول الرقمي، وهي خطوات تستحق كل الدعم. لكن المرحلة المقبلة تتطلب ما هو أبعد من الرقمنة؛ إنها تتطلب إعادة هندسة الإجراءات، وإعادة تعريف المسؤولية، وبناء ثقافة مؤسسية تجعل الإنجاز هو معيار النجاح، لا عدد التواقيع ولا حجم الملفات.
وربما آن الأوان لأن يصبح زمن الإنجاز مؤشراً وطنياً يقاس كما تقاس المؤشرات الاقتصادية. لماذا لا تتنافس المؤسسات الحكومية على سرعة تقديم الخدمة، كما تتنافس على تنفيذ خططها؟ ولماذا لا يصبح احترام وقت المواطن والمستثمر جزءاً من معايير تقييم الأداء؟ فكل دقيقة نوفرها هي رسالة ثقة، وكل إجراء نختصره هو استثمار جديد، وكل قرار نتخذه في وقته هو خطوة نحو اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة.
لقد علمتني تلك المذكرة الصغيرة أن البيروقراطية لا تسرق آلة حاسبة، ولا تؤخر معاملة فحسب، بل قد تسرق سنوات من عمر التنمية.
أما اليوم، فإن المعادلة أصبحت أكثر وضوحاً: العالم يتحرك بسرعة الذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال بعض الإدارات تتحرك بسرعة المذكرة الورقية.
وبين السرعتين يتحدد مستقبل الدول.
فإما أن ننتقل من ثقافة الإجراءات إلى ثقافة النتائج، ومن إدارة التواقيع إلى إدارة الإنجاز، ومن الخوف من القرار إلى الثقة بالمسؤولية، وإما أن نبقى نراقب العالم وهو يتقدم، بينما نقف نحن في طابور الانتظار… ننتظر توقيعاً جديداً على مذكرة كان ينبغي أن تُحسم منذ اللحظة الأولى


