اتصل بنا
 

أبتون سنكلير: الاشتراكية وغابة الرأسمالية

نيسان ـ نشر في 2026-08-01 الساعة 15:01

نيسان ـ ذكر ترامب «الشيوعية» أكثر من ثمانين مرة في خطاباته في الأسابيع الماضية، محذّراً مؤيديه والشعب الأمريكي من أنها الخطر الذي يتهدد البلاد. وليست هذه أول مرة، فسبق له أثناء حملته الانتخابية في 2019 أن وصف السيناتور بيرني ساندرز، الاشتراكي الذي كان ينافس هيلاري كلينتون على الترشيح للانتخابات الرئاسية عن الحزب الديمقراطي، بأنه «شيوعي» و«مجنون». في العشرين من هذا الشهر، نشرت وزارة الخارجية، التي يتولى حقيبتها ماركو روبيو، تقريراً بمئة صفحة بعنوان «كوبا: عاصمة الشيوعية في القرن الحادي والعشرين». وكال التقرير سيلاً من الاتهامات لكوبا وثورتها التي، بحسب التقرير، لم تكن لأسباب اقتصادية أو سيادية، بل هجمة على الحضارة الغربية، كما أنها وكر ومنطلق لحركات تخريبية. وكان روبيو هذا قد كتب في سيرته الذاتية التي نشرها حين كان سيناتورا عن فلوريدا وعنوانها «ابن أمريكي» (2012)، كيف أنه قطع وعداً لجده بأنه سيُسْقط نظام كاسترو ذات يوم ويحرر كوبا! وروبيو هو الذي يقف وراء سياسة تضييق الخناق على كوبا ليكون مصيرها مثل مصير فنزويلا.
ليس الأمر جديداً، فخطاب «الرعب الأحمر» ترسانة طالما لجأ إليها الساسة الأمريكان منذ أكثر من قرن لشيطنة الحركات الاشتراكية ونزع الشرعية عن أي حراك أو فكر يقاوم الرأسمالية ويسعى إلى خلخلة أسسها وتفنيد أساطيرها. وهو خطاب ما زال يجد صداه لدى نسبة كبيرة من الأمريكيين من أجيال تجرّعت وتشبّعت بالبروبغاندا. فيسهل ربط حزمة الأفكار الاشتراكية وأي نقد للرأسمالية بالعدو الخارجي (الاتحاد السوفيتي سابقاً والصين حالياً) وبالتالي فإن من يعتنقها ويروج لها هو عدوٌ داخلي وخطر محدق.
الخطر الداخلي الذي يستدعي اللجوء إلى لازمة الخطر الشيوعي هو انتصارات الاشتراكيين الديمقراطيين في الانتخابات في أكثر من مدينة وولاية وتزايد شعبيتهم بين شرائح الشباب
والخطر الداخلي الذي يستدعي اللجوء إلى لازمة الخطر الشيوعي هو انتصارات الاشتراكيين الديمقراطيين في الانتخابات في أكثر من مدينة وولاية في الأشهر الأخيرة وتزايد شعبيتهم بين شرائح الشباب وغيرهم من المتذمرين من وضع اقتصادي متدهور. والمفارقة أنه ليس خطراً في نظر الجمهوريين واليمين وعليهم فحسب، بل حتى للقيادات التقليدية في الحزب الديمقراطي، وشرائح الوسط واليمين. في حوار على الراديو مع رئيسة تجمّع الاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك (وصل مجموع الأعضاء في المدينة إلى 15 ألفاً) سألها المذيع «هل هناك شيوعيون في صفوفكم؟» وكان جوابها ذكياً إذ قالت: هناك طيف من التوجهات والميول في صفوف جمهورنا».
تعيد محاولات الاشتراكيين اقتحام المعترك السياسي ونضالهم ضد سطوة رأس المال في وضع اقتصادي شديد التأزم، تعيد إلى الأذهان ترشّح الكاتب الاشتراكي الشهير أبتون سنكلير (1878- 1968) لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا في ثلاثينيات القرن الماضي أثناء سنين الكساد الاقتصادي. ولم تكن تلك أول محاولة له إذ كان قد حاول الترشح لعدة مناصب قبلها للكونغرس ولمجلس الشيوخ ولمنصب حاكم كاليفورنيا، لكنه ترشح كاشتراكي وخسرها. في 1934 ترشّح على قائمة الحزب الديمقراطي وقاد حملة تدعو لإنهاء الفقر في كاليفورنيا وحاز على شعبية لافتة في صفوف الديمقراطيين دفعت بالحزب إلى اليسار. لكنه خسر مرة أخرى إثر حملة شرسة شنها ضده تحالف قوى اليمين المحافظ ومالكو الجرائد ومنتجون من هوليوود وكانت التهمة هي: الشيوعية. وعرضت الإعلانات المدفوعة التي تهاجمه قبل الأفلام في السينما. وقال سنكلير في كتيّب نشره عن تلك التجربة بعدها «إن الشعب الأمريكي سيتقبّل الاشتراكية، لكنه لن يتقبّل المصطلح.»
مع أن سنكلير أخفق في المعترك السياسي إلا أنه كان قد حاز على مكانة مرموقة لإسهاماته الأدبية والصحافية الغزيرة وكانت كتاباته قد تركت أثراً عميقاً في المجتمع الأمريكي وساهمت في تغيير القوانين وحتى إنشاء وكالات فدرالية. في 1905 أمضى سنكلير، بتكليف من مجلة اشتراكية معروفة، سبعة أسابيع في منطقة ذبح المواشي في مدينة شيكاغو يتقصّى استغلال العمال المهاجرين وظروف عملهم القاسية والمزرية فيها. وكان هدفه فضح الفساد الحكومي وتواطؤ وجشع الشركات الكبرى ووحشية رأس المال. ونشر بعد تلك التجربة ما كتبه مسلسلاً في مجلة اشتراكية، ثم ظهرت السلسلة بعدها بسنة كرواية بعنوان «الغابة».
نجحت الرواية وحظيت بشعبية وامتدحها جاك لندن (1876-1916) في مراجعة وضعتها في مصاف كلاسيكيات الأدب البروليتاري. ولكن المفارقة هي أن ردود فعل القراء ركّزت على انعدام معايير النظافة وعلى القذارة في أماكن الذبح والتي وصفها سنكلير بدقة وبالتالي اللحوم التي يأكلونها. وغض الناس النظر عن استغلال الشركات للعمال ومحنتهم ومعاناتهم حتى أن سنكلير أشار إلى تلك المفارقة قائلاً «كنت أهدف إلى قلب الناس، لكنني أصبت بطنهم بالخطأ.»
لكن الضجة والجدل الذي أثارته الرواية ساهم في حث الرئيس الأمريكي روزفلت على التوقيع على قوانين فدرالية تضمن سلامة ونظافة اللحوم وتنظم فحصها في 1906 وأدت فيما بعد إلى تأسيس وكالة إدارة الغذاء والدواء. وهذه المكتسبات وغيرها من القوانين التي تحمي المستهلكين هي التي تحاول الأوليغارشية اليوم إلغاءها لتعود الغابة كما كانت.
ولا يمكن أن نختم دون الإشارة إلى رواية أخرى من روائع سنكلير هي «نفط!» التي نشرها في 1926-1927مسلسلة في الجريدة الرسمية للحزب الشيوعي الأمريكي «ذا ديلي وركر». رواية ملحمية عن العالم الذي يخلقه اقتصاد النفط في كاليفورنيا وشبكات الفساد وعلاقات الاستغلال. وهي الرواية التي اقتبس بول توماس آندرسون جزءاً منها في فيلمه الرائع «سيكون هناك دم» (2007).

نيسان ـ نشر في 2026-08-01 الساعة 15:01


رأي: سنان أنطون

الكلمات الأكثر بحثاً