الشرق الأوسط… خانات استراتيجية جديدة
نيسان ـ نشر في 2026-08-04 الساعة 14:20
نيسان ـ وضعت الحرب الأمريكية الإيرانية الشرق الأوسط أمام لحظة استراتيجية فارقة تتجاوز في تداعياتها حدود المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، وتمتد إلى إعادة طرح السؤال القديم الجديد بشأن طبيعة النظام الأمني الذي تحتاج إليه المنطقة. فكل جولة جديدة من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران تؤكد أن الاعتماد على القوى الخارجية لتوفير الأمن والاستقرار لم يعد خيارًا مضمون النتائج، بل أصبح في أحيان كثيرة مصدرًا إضافيًا للمخاطر وعدم اليقين. كما تكشف هذه الحرب أن استمرار دول الشرق الأوسط في التعويل على المظلات الأمنية الخارجية، وعلى رأسها المظلة الأمريكية، لا يوفر أمنًا مستدامًا، وإنما يربط أمن المنطقة بحسابات قوى دولية تتغير أولوياتها باستمرار ولا تتطابق بالضرورة مع المصالح العربية والإقليمية.
لقد بنت دول عديدة في الشرق الأوسط سياساتها الأمنية طوال العقود الماضية على فرضية أن الولايات المتحدة هي الضامن النهائي للاستقرار الإقليمي، وأن وجودها العسكري الواسع وانتشار قواعدها وقدراتها القتالية يمثلان عامل ردع يحول دون اندلاع الحروب الكبرى. غير أن السنوات الأخيرة أثبتت أن هذه الفرضية أصبحت أقل صلاحية من أي وقت مضى. فالولايات المتحدة نفسها تغيرت أولوياتها الاستراتيجية، وأصبح التنافس مع الصين وروسيا يحتل موقع الصدارة في أجندتها، بينما تراجع الشرق الأوسط نسبيًا في سلم الاهتمامات، وإن ظل يحتفظ بأهمية كبيرة تتعلق بالطاقة وأمن إسرائيل وحرية الملاحة.
وفي الوقت ذاته، لم تعد التدخلات العسكرية الأمريكية تحقق الاستقرار الذي وعدت به. فمن العراق إلى أفغانستان، ومن سوريا إلى المواجهات البحرية في الخليج والبحر الأحمر، تكشف التجارب المتراكمة أن استخدام القوة العسكرية، حتى حين يحقق أهدافًا تكتيكية، لا ينتج بالضرورة نظامًا إقليميًا أكثر استقرارًا. بل إن الإفراط في توظيف القوة يؤدي غالبًا إلى توسيع دوائر الصراع وإنتاج تهديدات جديدة تتجاوز في خطورتها التهديدات الأصلية.
واليوم تعيد الحرب الأمريكية الإيرانية إنتاج هذا المشهد. فكل ضربة عسكرية تحمل في طياتها احتمالات الرد والتصعيد، وكل عملية انتقامية تفتح الباب أمام عمليات مضادة، بما يجعل أمن المنطقة رهينة لديناميكيات عسكرية يصعب التحكم فيها. ولا يقتصر الأمر على أطراف الحرب المباشرين، وإنما تمتد التداعيات إلى جميع دول الشرق الأوسط، سواء عبر تهديد الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، أو عبر استهداف المنشآت الحيوية، أو من خلال اضطراب أسواق الطاقة، أو عبر تنشيط شبكات الوكلاء والتنظيمات المسلحة المرتبطة بهذا الطرف أو ذاك.
والأخطر من ذلك أن الحرب تكشف حدود الالتزام الأمريكي بأمن الحلفاء. فالولايات المتحدة، شأنها شأن أي قوة كبرى، تتحرك وفقًا لحساباتها الوطنية أولًا، وليس وفقًا لأولويات شركائها الإقليميين. وقد تتخذ قرارات بالتصعيد أو التهدئة أو الانسحاب انطلاقًا من اعتبارات السياسة الداخلية أو المنافسة الدولية أو الحسابات الانتخابية، دون أن يكون لاستقرار الشرق الأوسط الوزن الحاسم في هذه القرارات. ومن ثم يصبح ربط الأمن الإقليمي بالإرادة السياسية الأمريكية وحدها مخاطرة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
ولا يعني ذلك بالطبع التقليل من أهمية العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة أو الدعوة إلى القطيعة معها، فواشنطن ستظل لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط لسنوات طويلة، وستظل شريكًا مهمًا لكثير من الدول العربية في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والتدريب والاستخبارات. غير أن المطلوب هو إعادة تعريف طبيعة هذه العلاقة بحيث تصبح عنصرًا مساعدًا ضمن منظومة أمنية إقليمية أوسع، لا أن تكون هي الركيزة الوحيدة التي يقوم عليها أمن المنطقة.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى الانتقال من منطق الأمن القائم على التحالفات الثنائية مع القوى الخارجية إلى منطق الأمن الجماعي الإقليمي. فالتجارب الدولية تؤكد أن أكثر المناطق استقرارًا هي تلك التي نجحت في بناء مؤسسات وآليات جماعية لإدارة الأزمات ومنع الصراعات وتسوية النزاعات، وليس تلك التي اعتمدت بصورة دائمة على تدخلات القوى الكبرى. ولعل التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية تقدم مثالًا واضحًا على ذلك، إذ انتقل الأوروبيون تدريجيًا من الصراعات العسكرية المتكررة إلى منظومة أمنية وسياسية تقوم على الحوار والمؤسسات والقواعد المشتركة.
هذه الحرب، رغم ما تحمله من أخطار، قد تكون أيضًا فرصة تاريخية لإعادة التفكير في مستقبل الأمن الإقليمي على أسس أكثر استدامة واستقلالًا
ولا يمكن بالطبع استنساخ هذه التجربة في الشرق الأوسط بحكم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية، غير أن المبادئ العامة التي قامت عليها تظل قابلة للتطوير بما يتناسب مع خصوصيات المنطقة. فالأمن الجماعي لا يعني إزالة الخلافات أو إنهاء التنافس بين الدول، وإنما يعني إدارة هذه الخلافات عبر مؤسسات وقواعد وآليات تمنع تحولها إلى حروب مفتوحة.
ويبدأ ذلك بإطلاق حوار أمني إقليمي تشارك فيه جميع الدول المعنية، العربية وغير العربية، على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، والالتزام بحماية الملاحة الدولية، وعدم دعم الميليشيات والجماعات المسلحة العابرة للحدود. كما ينبغي أن يتضمن هذا الحوار إجراءات لبناء الثقة، مثل تبادل المعلومات العسكرية، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة لإدارة الأزمات، ووضع آليات للإنذار المبكر، والاتفاق على قواعد للسلوك في البحار والمجالات الجوية.
وفي هذا السياق، تستطيع الدول العربية، وفي مقدمتها مصر والسعودية والأردن ودول الخليج، أن تقود مبادرة جادة لإطلاق عملية أمن جماعي شرق أوسطية تستفيد من الخبرات الدولية، لكنها تنطلق من احتياجات المنطقة نفسها. فهذه الدول تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي ما يؤهلها للقيام بهذا الدور، كما أن مصلحتها المباشرة تقتضي الحد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات عسكرية جديدة.
أما مصر، فإن موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وخبرتها الطويلة في الوساطة وإدارة الأزمات يمنحانها دورًا محوريًا في الدفع نحو هذا التحول. فالقاهرة تدرك أن أمن البحر الأحمر وقناة السويس والخليج العربي يرتبط بصورة وثيقة بأمنها القومي، كما تدرك أن استمرار الحروب الإقليمية يستنزف الموارد ويقوض فرص التنمية ويزيد من أخطار الإرهاب والهجرة غير النظامية والاضطرابات الاقتصادية. ومن ثم فإن مصلحة مصر تقتضي دعم كل جهد يستهدف بناء ترتيبات أمن جماعي مستقرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.
وفي المقابل، ينبغي لإيران أيضًا أن تدرك أن استمرار الاعتماد على سياسات الردع غير التقليدي، وتوظيف الوكلاء المسلحين، وتصدير الأزمات إلى الجوار العربي، لن يؤدي إلا إلى زيادة عزلتها الإقليمية وتعميق انعدام الثقة بها. كما ينبغي لإسرائيل أن تدرك أن التفوق العسكري وحده لا يصنع سلامًا دائمًا، وأن استمرار سياسات القوة والاحتلال والحروب الوقائية يفاقم مناخ عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.
إن الحرب الأمريكية الإيرانية لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها مواجهة بين دولتين، وإنما باعتبارها إنذارًا استراتيجيًا لجميع دول الشرق الأوسط بأن النموذج الأمني القائم منذ عقود وصل إلى حدوده القصوى. فلا الولايات المتحدة قادرة أو راغبة في تحمل أعباء الأمن الإقليمي وحدها، ولا القوى الإقليمية تستطيع فرض استقرار دائم عبر موازين القوة العسكرية، ولا يمكن للأسواق والاقتصادات الوطنية أن تتحمل دورات متكررة من التصعيد وعدم اليقين.
ومن هنا فإن الخيار الواقعي ليس استبدال قوة خارجية بأخرى، ولا الانحياز الكامل لهذا المحور أو ذاك، وإنما بناء منظومة أمن جماعي إقليمي تكون الدول العربية طرفًا رئيسيًا في صياغتها وقيادتها، وتقوم على التوازن بين الردع والدبلوماسية، وبين حماية المصالح الوطنية والعمل المشترك، وبين الشراكات الدولية والاعتماد المتزايد على القدرات الذاتية. فهذه الحرب، رغم ما تحمله من أخطار، قد تكون أيضًا فرصة تاريخية لإعادة التفكير في مستقبل الأمن الإقليمي على أسس أكثر استدامة واستقلالًا. وإذا أحسنت دول الشرق الأوسط استثمار دروسها، فإنها قد تضع اللبنات الأولى لنظام أمني جديد يقلل من احتمالات الحروب، ويمنح شعوب المنطقة ما تستحقه من استقرار وتنمية وسلام.
٭ كاتب مصري
لقد بنت دول عديدة في الشرق الأوسط سياساتها الأمنية طوال العقود الماضية على فرضية أن الولايات المتحدة هي الضامن النهائي للاستقرار الإقليمي، وأن وجودها العسكري الواسع وانتشار قواعدها وقدراتها القتالية يمثلان عامل ردع يحول دون اندلاع الحروب الكبرى. غير أن السنوات الأخيرة أثبتت أن هذه الفرضية أصبحت أقل صلاحية من أي وقت مضى. فالولايات المتحدة نفسها تغيرت أولوياتها الاستراتيجية، وأصبح التنافس مع الصين وروسيا يحتل موقع الصدارة في أجندتها، بينما تراجع الشرق الأوسط نسبيًا في سلم الاهتمامات، وإن ظل يحتفظ بأهمية كبيرة تتعلق بالطاقة وأمن إسرائيل وحرية الملاحة.
وفي الوقت ذاته، لم تعد التدخلات العسكرية الأمريكية تحقق الاستقرار الذي وعدت به. فمن العراق إلى أفغانستان، ومن سوريا إلى المواجهات البحرية في الخليج والبحر الأحمر، تكشف التجارب المتراكمة أن استخدام القوة العسكرية، حتى حين يحقق أهدافًا تكتيكية، لا ينتج بالضرورة نظامًا إقليميًا أكثر استقرارًا. بل إن الإفراط في توظيف القوة يؤدي غالبًا إلى توسيع دوائر الصراع وإنتاج تهديدات جديدة تتجاوز في خطورتها التهديدات الأصلية.
واليوم تعيد الحرب الأمريكية الإيرانية إنتاج هذا المشهد. فكل ضربة عسكرية تحمل في طياتها احتمالات الرد والتصعيد، وكل عملية انتقامية تفتح الباب أمام عمليات مضادة، بما يجعل أمن المنطقة رهينة لديناميكيات عسكرية يصعب التحكم فيها. ولا يقتصر الأمر على أطراف الحرب المباشرين، وإنما تمتد التداعيات إلى جميع دول الشرق الأوسط، سواء عبر تهديد الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، أو عبر استهداف المنشآت الحيوية، أو من خلال اضطراب أسواق الطاقة، أو عبر تنشيط شبكات الوكلاء والتنظيمات المسلحة المرتبطة بهذا الطرف أو ذاك.
والأخطر من ذلك أن الحرب تكشف حدود الالتزام الأمريكي بأمن الحلفاء. فالولايات المتحدة، شأنها شأن أي قوة كبرى، تتحرك وفقًا لحساباتها الوطنية أولًا، وليس وفقًا لأولويات شركائها الإقليميين. وقد تتخذ قرارات بالتصعيد أو التهدئة أو الانسحاب انطلاقًا من اعتبارات السياسة الداخلية أو المنافسة الدولية أو الحسابات الانتخابية، دون أن يكون لاستقرار الشرق الأوسط الوزن الحاسم في هذه القرارات. ومن ثم يصبح ربط الأمن الإقليمي بالإرادة السياسية الأمريكية وحدها مخاطرة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
ولا يعني ذلك بالطبع التقليل من أهمية العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة أو الدعوة إلى القطيعة معها، فواشنطن ستظل لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط لسنوات طويلة، وستظل شريكًا مهمًا لكثير من الدول العربية في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والتدريب والاستخبارات. غير أن المطلوب هو إعادة تعريف طبيعة هذه العلاقة بحيث تصبح عنصرًا مساعدًا ضمن منظومة أمنية إقليمية أوسع، لا أن تكون هي الركيزة الوحيدة التي يقوم عليها أمن المنطقة.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى الانتقال من منطق الأمن القائم على التحالفات الثنائية مع القوى الخارجية إلى منطق الأمن الجماعي الإقليمي. فالتجارب الدولية تؤكد أن أكثر المناطق استقرارًا هي تلك التي نجحت في بناء مؤسسات وآليات جماعية لإدارة الأزمات ومنع الصراعات وتسوية النزاعات، وليس تلك التي اعتمدت بصورة دائمة على تدخلات القوى الكبرى. ولعل التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية تقدم مثالًا واضحًا على ذلك، إذ انتقل الأوروبيون تدريجيًا من الصراعات العسكرية المتكررة إلى منظومة أمنية وسياسية تقوم على الحوار والمؤسسات والقواعد المشتركة.
هذه الحرب، رغم ما تحمله من أخطار، قد تكون أيضًا فرصة تاريخية لإعادة التفكير في مستقبل الأمن الإقليمي على أسس أكثر استدامة واستقلالًا
ولا يمكن بالطبع استنساخ هذه التجربة في الشرق الأوسط بحكم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية، غير أن المبادئ العامة التي قامت عليها تظل قابلة للتطوير بما يتناسب مع خصوصيات المنطقة. فالأمن الجماعي لا يعني إزالة الخلافات أو إنهاء التنافس بين الدول، وإنما يعني إدارة هذه الخلافات عبر مؤسسات وقواعد وآليات تمنع تحولها إلى حروب مفتوحة.
ويبدأ ذلك بإطلاق حوار أمني إقليمي تشارك فيه جميع الدول المعنية، العربية وغير العربية، على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، والالتزام بحماية الملاحة الدولية، وعدم دعم الميليشيات والجماعات المسلحة العابرة للحدود. كما ينبغي أن يتضمن هذا الحوار إجراءات لبناء الثقة، مثل تبادل المعلومات العسكرية، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة لإدارة الأزمات، ووضع آليات للإنذار المبكر، والاتفاق على قواعد للسلوك في البحار والمجالات الجوية.
وفي هذا السياق، تستطيع الدول العربية، وفي مقدمتها مصر والسعودية والأردن ودول الخليج، أن تقود مبادرة جادة لإطلاق عملية أمن جماعي شرق أوسطية تستفيد من الخبرات الدولية، لكنها تنطلق من احتياجات المنطقة نفسها. فهذه الدول تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي ما يؤهلها للقيام بهذا الدور، كما أن مصلحتها المباشرة تقتضي الحد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات عسكرية جديدة.
أما مصر، فإن موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وخبرتها الطويلة في الوساطة وإدارة الأزمات يمنحانها دورًا محوريًا في الدفع نحو هذا التحول. فالقاهرة تدرك أن أمن البحر الأحمر وقناة السويس والخليج العربي يرتبط بصورة وثيقة بأمنها القومي، كما تدرك أن استمرار الحروب الإقليمية يستنزف الموارد ويقوض فرص التنمية ويزيد من أخطار الإرهاب والهجرة غير النظامية والاضطرابات الاقتصادية. ومن ثم فإن مصلحة مصر تقتضي دعم كل جهد يستهدف بناء ترتيبات أمن جماعي مستقرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.
وفي المقابل، ينبغي لإيران أيضًا أن تدرك أن استمرار الاعتماد على سياسات الردع غير التقليدي، وتوظيف الوكلاء المسلحين، وتصدير الأزمات إلى الجوار العربي، لن يؤدي إلا إلى زيادة عزلتها الإقليمية وتعميق انعدام الثقة بها. كما ينبغي لإسرائيل أن تدرك أن التفوق العسكري وحده لا يصنع سلامًا دائمًا، وأن استمرار سياسات القوة والاحتلال والحروب الوقائية يفاقم مناخ عدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.
إن الحرب الأمريكية الإيرانية لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها مواجهة بين دولتين، وإنما باعتبارها إنذارًا استراتيجيًا لجميع دول الشرق الأوسط بأن النموذج الأمني القائم منذ عقود وصل إلى حدوده القصوى. فلا الولايات المتحدة قادرة أو راغبة في تحمل أعباء الأمن الإقليمي وحدها، ولا القوى الإقليمية تستطيع فرض استقرار دائم عبر موازين القوة العسكرية، ولا يمكن للأسواق والاقتصادات الوطنية أن تتحمل دورات متكررة من التصعيد وعدم اليقين.
ومن هنا فإن الخيار الواقعي ليس استبدال قوة خارجية بأخرى، ولا الانحياز الكامل لهذا المحور أو ذاك، وإنما بناء منظومة أمن جماعي إقليمي تكون الدول العربية طرفًا رئيسيًا في صياغتها وقيادتها، وتقوم على التوازن بين الردع والدبلوماسية، وبين حماية المصالح الوطنية والعمل المشترك، وبين الشراكات الدولية والاعتماد المتزايد على القدرات الذاتية. فهذه الحرب، رغم ما تحمله من أخطار، قد تكون أيضًا فرصة تاريخية لإعادة التفكير في مستقبل الأمن الإقليمي على أسس أكثر استدامة واستقلالًا. وإذا أحسنت دول الشرق الأوسط استثمار دروسها، فإنها قد تضع اللبنات الأولى لنظام أمني جديد يقلل من احتمالات الحروب، ويمنح شعوب المنطقة ما تستحقه من استقرار وتنمية وسلام.
٭ كاتب مصري
نيسان ـ نشر في 2026-08-04 الساعة 14:20
رأي: عمرو حمزاوي


