اتصل بنا
 

اتفاق غزة بين ضرورات الواقع ومخاطر إعادة إنتاج الصراع

نيسان ـ نشر في 2026-08-05 الساعة 10:20

نيسان ـ يمثل الاتفاق المتعلق بقطاع غزة محطة مفصلية في مسار الحرب، لكنه لا يمكن اعتباره نهاية للصراع أو تسوية نهائية، بل هو انعكاس لتحولات فرضتها الوقائع الميدانية والسياسية بعد حرب قاسية خلفت دماراً واسعاً وأزمة إنسانية غير مسبوقة. فبينما تسعى إسرائيل إلى توظيف الاتفاق لتحقيق أهدافها الأمنية والسياسية، تسعى القوى الفلسطينية إلى تحويله إلى مدخل لوقف نزيف الدم، وإنهاء العدوان، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار واستعادة الأفق السياسي للقضية الفلسطينية.
منذ بداية الحرب، رفعت الحكومة الإسرائيلية سقف أهدافها إلى ما وصفته بـ»النصر الكامل»، معلنة أن غايتها القضاء على القدرات العسكرية والإدارية لحركة حماس وإعادة صياغة الواقع الأمني والسياسي في قطاع غزة. غير أن طول أمد الحرب، وما رافقه من خسائر بشرية ومادية، كشف عن تعقيدات الميدان واستحالة تحقيق أهداف سياسية كبرى بالقوة العسكرية وحدها، في ظل تصاعد الضغوط الدولية والانتقادات الداخلية الإسرائيلية.
في المقابل، وجدت المقاومة الفلسطينية نفسها أمام ظروف استثنائية فرضتها طبيعة الحرب وحجم الدمار، حيث تعرضت البنية المدنية والعسكرية في قطاع غزة لاستنزاف كبير، وتغيرت البيئة التي كانت تسمح بإدارة نمط مقاومة أكثر تنظيماً. لذلك فإن المرونة التي أبدتها الفصائل الفلسطينية في بعض الملفات، ومنها موضوع السلاح، لا يمكن قراءتها بمعزل عن حسابات الواقع، وإنما باعتبارها محاولة لإدارة مرحلة شديدة التعقيد بما يحفظ الثوابت الوطنية ويمنع استمرار الحرب المفتوحة.
ويبقى ملف السلاح هو الأكثر حساسية في أي ترتيبات مستقبلية؛ لأن الخلاف الحقيقي لا يتعلق فقط بالسلاح كأداة، بل بالسؤال السياسي الأعمق: من يدير الأمن الفلسطيني؟ وهل ستكون المرحلة المقبلة مدخلاً لبناء نظام سياسي فلسطيني موحد يستند إلى الشرعية الوطنية، أم أنها ستتحول إلى صيغة لإدارة القطاع تحت وصاية خارجية؟
إن نجاح أي اتفاق مرتبط بقدرته على معالجة جذور الصراع، وليس فقط تنظيم ترتيبات أمنية مؤقتة؛ فالتجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي تتجاهل الاحتلال والاستيطان وغياب الحل السياسي العادل تبقى معرضة للانهيار، لأن الأمن وحده لا يصنع سلاماً، ولا يمكن اختزال القضية الفلسطينية في ترتيبات إنسانية أو إدارية.
أما على الجانب الإسرائيلي، فإن حكومة بنيامين نتنياهو تواجه معادلة داخلية معقدة؛ فالتيار اليميني المتطرف يعتبر أي اتفاق لا يحقق إنهاء المقاومة وفق رؤيته الخاصة تراجعاً، بينما يدرك جزء من المؤسسة السياسية والعسكرية أن استمرار الحرب له أثمان استراتيجية متزايدة. ومن هنا فإن خطر محاولة تفريغ الاتفاق من مضمونه أو البحث عن ذرائع للعودة إلى التصعيد يبقى قائماً، خصوصاً مع استمرار خطاب بعض القوى الإسرائيلية الداعي إلى التهجير وإعادة الاستيطان في قطاع غزة.
إن مستقبل غزة لا يمكن أن يحدد فقط عبر الترتيبات الأمنية، بل عبر رؤية سياسية شاملة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، وتضع حداً للانقسام الداخلي، وتؤسس لشراكة سياسية قائمة على وحدة الشعب والأرض والقرار. فإعادة الإعمار ليست مجرد عملية اقتصادية، وإنما هي جزء من معركة سياسية تتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره.

نيسان ـ نشر في 2026-08-05 الساعة 10:20


رأي: علي ابو حبلة

الكلمات الأكثر بحثاً