اتصل بنا
 

ليس كل ما دون الحرب استسلاما

نيسان ـ نشر في 2026-08-05 الساعة 18:28

ليس كل ما دون الحرب استسلاما
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
لو كانت البيانات السياسية قادرة على وقف جرافة، لما بقي حجر واحد مهددا في القدس، ولو كانت الإدانات وحدها تكفي لردع الاحتلال، لما احتاج العرب إلى عقد اجتماع جديد كلما فرضت إسرائيل واقعا جديدا على الأرض.
المشكلة ليست في الاجتماعات العربية، ولا في البيانات التي تصدر عنها، فهي تعبر عن موقف سياسي مطلوب، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في اختزال الخيارات بين إصدار بيان جديد أو الذهاب إلى حرب شاملة، وكأن السياسة لا تعرف مساحة ثالثة.
اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمّان، ضمن اللجنة الوزارية الخاصة بالقدس، أعاد التأكيد على رفض الإجراءات الإسرائيلية ودعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، لكنه أعاد أيضا طرح السؤال ذاته: ماذا بعد؟.
الإجابة تبدأ من إدراكنا أن حكومة اليمين الإسرائيلي لا تقيس المواقف العربية بعدد البيانات، بل بحجم الكلفة التي يمكن أن تتحملها إذا واصلت سياساتها، وهي تدرك أنها تتحرك في لحظة دولية مواتية؛ غطاء أمريكي واسع، ومجتمع دولي منشغل بأزماته، ومنطقة عربية مثقلة بملفاتها الداخلية. لذلك لم تعد تسعى إلى إدارة الصراع، بل إلى إعادة تشكيله عبر فرض وقائع دائمة في القدس والضفة الغربية.
وفي المقابل، ما يزال الخطاب العربي يتحرك داخل الأدوات ذاتها التي استهلكها الزمن، مع أن الدول لا تغير سياساتها تحت تأثير الخطب، بل عندما تشعر بأن استمرارها سيترتب عليه ثمن سياسي أو اقتصادي أو استراتيجي.
العالم العربي لا تنقصه أدوات التأثير. فهو يمتلك ثقلا اقتصاديا، ونفوذا في أسواق الطاقة، وشبكة واسعة من العلاقات التجارية والاستثمارية، إضافة إلى أوراق سياسية وقانونية ودبلوماسية، لكن هذه الإمكانات لا تتحول إلى قوة ما لم تقترن بإرادة تستخدمها في الوقت المناسب.
ولا يعني ذلك أن البديل هو الحرب، فالحرب ليست الخيار الوحيد، كما أن البيانات ليست الخيار الوحيد. فالسياسة وجدت أصلا لتجنب الحروب عبر استخدام أدوات الضغط قبل الوصول إليها، أما الدبلوماسية التي لا تستند إلى عناصر قوة، فإنها تتحول مع الوقت إلى مجرد لغة احتجاج.
القدس لا تحتاج إلى بيان جديد بقدر ما تحتاج إلى أن يدرك الاحتلال أن استمرار مشروعه ستكون له كلفة حقيقية فعندما ترتفع كلفة الاحتلال، تستعيد الدبلوماسية معناها، وتصبح الاجتماعات وسيلة لصناعة الأثر، لا مناسبة لتكرار المواقف.
ليس كل ما دون الحرب استسلاما، كما أن ليس كل بيان سياسة. وبين هذين الحدين مساحة واسعة اسمها الإرادة السياسية، وهي المساحة التي ما زال العالم العربي مطالبا بأن يملأها إذا أراد أن يحول مواقفه إلى نتائج.

نيسان ـ نشر في 2026-08-05 الساعة 18:28

الكلمات الأكثر بحثاً