من 'تركيا بلا الإرهاب' إلى 'منطقة بلا الإرهاب'
توران قشلاقجي
كاتب تركي
نيسان ـ نشر في 2026-08-06 الساعة 12:43
نيسان ـ ثمة محطات فارقة في تاريخ الأمم، لا تقتصر دلالتها على دخول قانون جديد حيّز التنفيذ، بل تؤذن أيضا ببدء مرحلة جديدة بكل ما تحمله من تحولات. ويُعدّ القانون الإطاري الخاص بمبادرة «تركيا بلا الإرهاب ومنطقة بلا الإرهاب»، الذي طرح للنقاش في البرلمان التركي، أحد هذه المنعطفات التاريخية. فبعد أكثر من أربعة عقود استنزف فيها الإرهاب طاقات تركيا، وخلّف المآسي في آلاف الأسر، وشكّل أحد أبرز العوائق أمام مسيرة التنمية، تُطرح اليوم، وللمرة الأولى، مقاربة تستند إلى إطار قانوني بهدف التوصل إلى حل دائم لهذه القضية. ومن ثم، ينبغي النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مجرد سياسة أمنية، بل بوصفها إحدى أهم المبادرات المجتمعية التي تواكب رؤية «قرن تركيا».
كما أظهرت التطورات التي شهدها العام الأخير، أن هذه العملية ليست مجرد خطاب، فقد كان إعلان تنظيم «بي كي كي» (PKK) قراره بحل نفسه، وإعلانه للرأي العام إرادته في إلقاء السلاح، وإعلانه سحب عناصره المسلحة من داخل الحدود التركية، من أبرز تطورات المرحلة الجديدة. وفي المقابل، لم تتعامل الدولة التركية مع العملية من منظور أمني فحسب، بل استمعت، عبر اللجنة التي شُكلت في إطار البرلمان التركي، إلى مختلف شرائح المجتمع، من أسر الشهداء والمحاربين القدامى إلى الأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني. كما أظهرت هذه العملية، التي أُديرت بمساهمة المؤسسات الأمنية والوزارات المعنية، الإرادة المشتركة لجميع مؤسسات الدولة.
ويختلف النهج المطروح اليوم إلى حد كبير، عن النماذج المماثلة في العالم. فعلى خلاف نموذج التفاوض الذي شهدته إسبانيا مع منظمة «إيتا» (ETA) أو بريطانيا مع الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA)، تعتمد تركيا أولا على الصمت الكامل للسلاح، وحل التنظيم لنفسه، والتثبت من ذلك من قبل مؤسسات الدولة. ولا تُطرح الترتيبات القانونية إلا بعد إنجاز هذه المرحلة. وبهذا يظهر نموذج لا يوجّه فيه السلاح السياسة، بل يبني فيه القانون السلام. ويستند هذا النهج، الذي بات يُشار إليه في الأدبيات الدولية خلال السنوات الأخيرة باسم «النموذج التركي»، إلى مفهوم يقوم على الحفاظ في آن واحد على سلطة الدولة وثقة المجتمع.
تركيا اليوم لا تُصدر قانونا جديدا فحسب، بل تفتح صفحة تاريخية سترسم ملامح القرن الثاني للجمهورية.. ولا شك في أن هذه العملية تتطلب الحذر والصبر والإصرار
هدف «تركيا بلا الإرهاب» لا يقتصر في الواقع على حدود البلاد، فالرؤية التي تطرحها أنقرة تستتبع بطبيعة الحال مفهوم «منطقة بلا الإرهاب». ذلك أن تحقيق أمن دائم في تركيا سينعكس بصورة مباشرة على استقرار العراق، وإعادة إعمار سوريا، ومستقبل الشرق الأوسط برمته. ومع تراجع تأثير الإرهاب، ستصبح خطوط الطاقة أكثر أمنا، وستنتعش الممرات التجارية من جديد، وستتعزز بيئة الاستثمار، وستتحول المدن التي ارتبط اسمها لسنوات بالنزاعات إلى مراكز للإنتاج والتنمية مرة أخرى. ولا يمكن توقع أن تتحقق مثل هذه التحولات الكبرى من دون صعوبات. وليس من المستغرب أن تحاول بعض الجهات الخارجية التي تستفيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وبعض الأوساط الداخلية التي تقدم حساباتها السياسية أو الأيديولوجية، عرقلة هذه العملية. ومن المتوقع خلال المرحلة المقبلة أن تبرز تحديات مهمة، ليس فقط في المجال الأمني، بل أيضا على جبهة حروب المعلومات وحملات التضليل، ولذلك، تكتسب محافظة المجتمع على رصانته، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، ومراعاة الأساس القانوني للعملية، أهمية كبيرة. كما يشكل القانون الإطاري المقدم إلى البرلمان الأساس المؤسسي لهذه العملية. وينص المقترح على اعتبار تسليم التنظيم جميع أسلحته وإنهاء بنيته التنظيمية شرطا أساسيا. وستتقدم العملية بناء على رصد المؤسسات الأمنية وتأكيد مجلس الأمن القومي، فيما سيتم تشغيل آليات قانونية مرتبطة بشروط صارمة بالنسبة لبعض الجرائم المحددة. وفي المقابل، تُستثنى جرائم القتل العمد والجرائم الجسيمة من نطاق هذه الآليات، في محاولة للحفاظ على التوازن بين ضمير المجتمع وسيادة القانون.
وفي أول تعليق له على هذه الخطوة، أكد رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش في منشور عبر منصة «إكس»، أن تقديم قانون إطاري بشأن «تركيا بلا إرهاب» إلى البرلمان «شكّل نموذجا ديمقراطيا فريدا جمع بين حكمة الدولة ورؤية الأمة»، مشددا على أن «مشروع القانون الإطاري خطوة مهمة من شأنها تحصين البلاد داخليا وزيادة توطيد وحدتنا وأخوتنا». ولن يكون أكبر مكاسب هذه العملية مجرد صمت السلاح. فالمكسب الحقيقي يتمثل في تعزيز روابط الأخوة بين الأتراك والأكراد، وترسيخ علاقة الثقة بين الدولة والمواطن، وإعادة الأمل إلى المدن، التي عاشت لسنوات تحت ظلال الإرهاب. ذلك أن النصر الحقيقي لا يكمن فقط في جعل الحدود أكثر أمنا، بل في أن يبدأ الناس باستعادة ثقتهم بعضهم ببعض.
وخلاصة القول؛ إن تركيا اليوم لا تُصدر قانونا جديدا فحسب، بل تفتح صفحة تاريخية سترسم ملامح القرن الثاني للجمهورية. ولا شك في أن هذه العملية تتطلب الحذر والصبر والإصرار. لكن عند نجاحها، لن تكون تركيا وحدها هي الرابحة، بل ستنعم شعوب المنطقة بأسرها، من العراق إلى سوريا، بمستقبل أكثر أمنا وازدهارا واستقرارا. ولعل أعظم انتصار طال انتظاره سيكون بناء منطقة ينشأ فيها الأطفال، لا على أصوات الرصاص، بل على أنغام السلام والأخوة.
كاتب تركي
كما أظهرت التطورات التي شهدها العام الأخير، أن هذه العملية ليست مجرد خطاب، فقد كان إعلان تنظيم «بي كي كي» (PKK) قراره بحل نفسه، وإعلانه للرأي العام إرادته في إلقاء السلاح، وإعلانه سحب عناصره المسلحة من داخل الحدود التركية، من أبرز تطورات المرحلة الجديدة. وفي المقابل، لم تتعامل الدولة التركية مع العملية من منظور أمني فحسب، بل استمعت، عبر اللجنة التي شُكلت في إطار البرلمان التركي، إلى مختلف شرائح المجتمع، من أسر الشهداء والمحاربين القدامى إلى الأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني. كما أظهرت هذه العملية، التي أُديرت بمساهمة المؤسسات الأمنية والوزارات المعنية، الإرادة المشتركة لجميع مؤسسات الدولة.
ويختلف النهج المطروح اليوم إلى حد كبير، عن النماذج المماثلة في العالم. فعلى خلاف نموذج التفاوض الذي شهدته إسبانيا مع منظمة «إيتا» (ETA) أو بريطانيا مع الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA)، تعتمد تركيا أولا على الصمت الكامل للسلاح، وحل التنظيم لنفسه، والتثبت من ذلك من قبل مؤسسات الدولة. ولا تُطرح الترتيبات القانونية إلا بعد إنجاز هذه المرحلة. وبهذا يظهر نموذج لا يوجّه فيه السلاح السياسة، بل يبني فيه القانون السلام. ويستند هذا النهج، الذي بات يُشار إليه في الأدبيات الدولية خلال السنوات الأخيرة باسم «النموذج التركي»، إلى مفهوم يقوم على الحفاظ في آن واحد على سلطة الدولة وثقة المجتمع.
تركيا اليوم لا تُصدر قانونا جديدا فحسب، بل تفتح صفحة تاريخية سترسم ملامح القرن الثاني للجمهورية.. ولا شك في أن هذه العملية تتطلب الحذر والصبر والإصرار
هدف «تركيا بلا الإرهاب» لا يقتصر في الواقع على حدود البلاد، فالرؤية التي تطرحها أنقرة تستتبع بطبيعة الحال مفهوم «منطقة بلا الإرهاب». ذلك أن تحقيق أمن دائم في تركيا سينعكس بصورة مباشرة على استقرار العراق، وإعادة إعمار سوريا، ومستقبل الشرق الأوسط برمته. ومع تراجع تأثير الإرهاب، ستصبح خطوط الطاقة أكثر أمنا، وستنتعش الممرات التجارية من جديد، وستتعزز بيئة الاستثمار، وستتحول المدن التي ارتبط اسمها لسنوات بالنزاعات إلى مراكز للإنتاج والتنمية مرة أخرى. ولا يمكن توقع أن تتحقق مثل هذه التحولات الكبرى من دون صعوبات. وليس من المستغرب أن تحاول بعض الجهات الخارجية التي تستفيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وبعض الأوساط الداخلية التي تقدم حساباتها السياسية أو الأيديولوجية، عرقلة هذه العملية. ومن المتوقع خلال المرحلة المقبلة أن تبرز تحديات مهمة، ليس فقط في المجال الأمني، بل أيضا على جبهة حروب المعلومات وحملات التضليل، ولذلك، تكتسب محافظة المجتمع على رصانته، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، ومراعاة الأساس القانوني للعملية، أهمية كبيرة. كما يشكل القانون الإطاري المقدم إلى البرلمان الأساس المؤسسي لهذه العملية. وينص المقترح على اعتبار تسليم التنظيم جميع أسلحته وإنهاء بنيته التنظيمية شرطا أساسيا. وستتقدم العملية بناء على رصد المؤسسات الأمنية وتأكيد مجلس الأمن القومي، فيما سيتم تشغيل آليات قانونية مرتبطة بشروط صارمة بالنسبة لبعض الجرائم المحددة. وفي المقابل، تُستثنى جرائم القتل العمد والجرائم الجسيمة من نطاق هذه الآليات، في محاولة للحفاظ على التوازن بين ضمير المجتمع وسيادة القانون.
وفي أول تعليق له على هذه الخطوة، أكد رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش في منشور عبر منصة «إكس»، أن تقديم قانون إطاري بشأن «تركيا بلا إرهاب» إلى البرلمان «شكّل نموذجا ديمقراطيا فريدا جمع بين حكمة الدولة ورؤية الأمة»، مشددا على أن «مشروع القانون الإطاري خطوة مهمة من شأنها تحصين البلاد داخليا وزيادة توطيد وحدتنا وأخوتنا». ولن يكون أكبر مكاسب هذه العملية مجرد صمت السلاح. فالمكسب الحقيقي يتمثل في تعزيز روابط الأخوة بين الأتراك والأكراد، وترسيخ علاقة الثقة بين الدولة والمواطن، وإعادة الأمل إلى المدن، التي عاشت لسنوات تحت ظلال الإرهاب. ذلك أن النصر الحقيقي لا يكمن فقط في جعل الحدود أكثر أمنا، بل في أن يبدأ الناس باستعادة ثقتهم بعضهم ببعض.
وخلاصة القول؛ إن تركيا اليوم لا تُصدر قانونا جديدا فحسب، بل تفتح صفحة تاريخية سترسم ملامح القرن الثاني للجمهورية. ولا شك في أن هذه العملية تتطلب الحذر والصبر والإصرار. لكن عند نجاحها، لن تكون تركيا وحدها هي الرابحة، بل ستنعم شعوب المنطقة بأسرها، من العراق إلى سوريا، بمستقبل أكثر أمنا وازدهارا واستقرارا. ولعل أعظم انتصار طال انتظاره سيكون بناء منطقة ينشأ فيها الأطفال، لا على أصوات الرصاص، بل على أنغام السلام والأخوة.
كاتب تركي
نيسان ـ نشر في 2026-08-06 الساعة 12:43
رأي: توران قشلاقجي كاتب تركي


