اتصل بنا
 

رجالات البلد ينشغلون بالرصيف ويتركون الطريق

نيسان ـ نشر في 2026-08-06 الساعة 17:18

رجالات البلد ينشغلون بالرصيف ويتركون الطريق
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
أجد صعوبة متزايدة في فهم المشهد العام. أقرأ الأخبار، وأتابع تصريحات المسؤولين، وأراقب ما تنشره المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، ثم أعود إلى السؤال نفسه: متى انشغلنا بالتفاصيل إلى هذا الحد، ومن الذي أقنع رجالات الدولة بأن النجاح يقاس بعدد الفعاليات والصور والمنشورات، لا بحجم القضايا التي يواجهونها؟.
لا أتحدث هنا عن التقليل من قيمة العمل الخدمي، ولا من أهمية أن تفتتح وزارة مشروعا، أو تنجز بلدية طريقا، أو تطلق مؤسسة مبادرة اجتماعية، فهذه جميعها واجبات مطلوبة، وهي جزء من العمل العام، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأنشطة إلى العنوان الرئيسي، بينما تتراجع الأسئلة الكبرى إلى الهامش، وكأن الدولة لم تعد معنية إلا بإدارة يومها، لا بصناعة غدها.
المقلق أن هذا المنهج لم يعد يقتصر على مؤسسة أو وزارتين، بل أصبح أقرب إلى ثقافة عامة، فبدلا من أن ينشغل بعض رجالات الدولة بملفات المياه والطاقة، والبطالة، والتعليم، والتحولات الإقليمية، والتغيرات الاقتصادية التي تعيد رسم خرائط النفوذ في العالم، أصبح كثير من الجهد يبذل في تسويق الجولات الميدانية، واللقاءات البروتوكولية وورش العمل وتوزيع الشهادات، وكأن الصورة أصبحت بديلا عن الرؤية.
ولأن الإعلام مرآة لأولويات من يديرون الشأن العام، فقد انسحب هذا المنطق إليه أيضا، أتذكر سنوات عملي في صحيفة العرب اليوم، حين كانت الأخبار الخدمية تنشر في صفحات المجتمع أو الأخبار المحلية، بينما كانت الصفحات الأولى مخصصة لما يصنع الرأي العام ويؤثر في مستقبل الدولة، أما اليوم، فقد اختلت البوصلة؛ فبات افتتاح رصيف، أو استقبال وفد أو إطلاق فعالية، ينافس في حضوره قضايا تمس الأمن الوطني، والتحولات الإقليمية، والاقتصاد، ومستقبل الأجيال.
المشكلة ليست في الخبر الصغير، بل في المكان الذي منحناه له، وفي الرسالة التي أوصلناها للناس، فعندما تتقدم الهوامش على المتن، يصبح الانشغال بالتفاصيل بديلا عن التفكير في الاتجاه العام.
إن وظيفة رجالات الدولة ليست إدارة المناسبات، وإنما إدارة التحولات، وليست مهمتهم إنتاج أخبار يومية، بل بناء سياسات تتجاوز عمر الحكومة والمسؤول، وتبقى جزءا من مسار الدولة لعقود مقبلة. فالدول لا تنهض لأنها أتقنت تنظيم الفعاليات، وإنما لأنها أحسنت قراءة المستقبل، واستثمرت وقتها في معالجة الأسئلة الصعبة قبل أن تتحول إلى أزمات.
أخشى أن نكون قد وقعنا في وهم خطير؛ أن كثرة الحركة تعني بالضرورة وجود إنجاز، وأن ازدحام الصفحات والصور دليل على نجاح الإدارة، والحقيقة أن أكثر المراحل حيوية في تاريخ الدول لم تكن تلك التي شهدت أكبر عدد من المؤتمرات بل تلك التي شهدت أكبر عدد من الأفكار والقرارات بعيدة المدى.
فالأمم لا تضيع لأنها أهملت التفاصيل بل لأنها _في لحظة ما_ سمحت للتفاصيل أن تسرق منها المستقبل.

نيسان ـ نشر في 2026-08-06 الساعة 17:18

الكلمات الأكثر بحثاً