اتصل بنا
 

التخطيط المالي الشخصي.. مستقبلنا الآمن

نيسان ـ الغد ـ نشر في 2016-01-13 الساعة 10:03

التخطيط المالي الشخصي.. مستقبلنا الآمن
نيسان ـ

التخطيط المالي Financial Planning هو عملية التخطيط للمستقبل وإيجاد مخصص (مبلغ من المال) لمواجهة الحاجات المالية المستقبلية.
الهدف من ذلك تأمين المبلغ المناسب في الزمان وللشخص المناسب لتحقيق أهدافه وغاياته المالية. مثال على ذلك الادخار لسنوات عدة لتكوين مبلغ كاف عند التقاعد. او قد يعي الأهل ضرورة تكوين مبلغ من المال يؤول إلى العائلة في حال حدث مكروه مثل الوفاة.
وبنفس الضرورة يكون الشخص الثري بحاجة لاتخاذ إجراءات وتدابير للمحافظة على ثروته وتنميتها حسب حاجاته وإمكانياته وصفاته الشخصية، بالإضافة الى سهولة نقل هذه الثروة الى الاجيال القادمة وعدم تناقصها سواء عن طريق الضرائب أو إخضاعها لقوانين محددة تؤدي الى تآكل الثروة.
إن أبسط الخطط المالية تهدف إلى تزويد حساب معين مبلغا معينا ليؤول إلى شخص محدد في تاريخ معين، او عند حدوث حدث معين. أما اعقد الخطط المالية تنطوي في طياتها على معرفة عميقة بالقوانين مثل الضرائب او المعرفة والإلمام بإجراءات وقواعد الاستثمار في الاسواق المالية.
تختلف ممارسات التخطيط المالي من بلد الى آخر، فبعض البلاد قوانينها تشجع التخطيط المالي، وبالتالي بعض الإجراءات والتدابير المالية تؤدي إلى مزايا ومنافع ضريبية للفرد. بالمقابل، في دول أخرى لا يوجد ميزات تذكر لمثل هذا العمل. ففي الأردن مثلا يتمتع المقترضون لأغراض سكنية بإعفاءات ضريبية، وكذلك مساهمة الفرد بالضمان الاجتماعي.
إن الحاجة ملحة وضرورية لاتباع التخطيط وخاصة في حياتنا المالية، فالكثير منا يريد تأمين الأفضل لأولاده وعائلته، ولكن تحقيق هذا الهدف قد يكون معرضا لخطر وفاة رب الأسرة في سن مبكر دون وجود أموال خاصة.
عدا ذلك، الكثير منا لا يريد أن يكون عبئا على أولاده وعائلاتهم في سن متقدمة ويريد استقلالية مالية عند تقدم عمره، ولكن أيضا هذا الهدف لن يتحقق إذا لم تتخذ تدابير مالية في عمر باكر لمواجهة الظروف عند التقاعد.
ليس الأمر ملحا للفرد الموظف فقط، فصاحب العمل أو الطبيب والصيدلي والمحامي يعيش بنفس الظروف والمخاطر، ولضمان استمرارية عيش عائلته بنفس الظروف والمزايا التي يوفرها هو لهم يجب أن يتخذ قرارات وإجراءات مالية وهو قادر قبل الوصول الى التقاعد او قبل المرض او الوفاة.
لذلك التخطيط المالي مهم للأفراد والاعمال لتحقيق الأهداف المالية في الحياة. فالتخطيط المالي له اثر في تحقيق سعادة الانسان، وفي بعض البلاد له اثر ايجابي وقانوني على الضرائب المدفوعة من الافراد والاعمال.
حاجاتنا للتخطيط المالي:
تختلف الحاجة للتخطيط المالي من شخص الى آخر، وبعض الاشخاص لديهم عدة حاجات مالية وتختلف حسب البيئة التي نعيشها وننحدر منها. وتندرج حاجاتنا المالية ضمن نوعين (1) حاجتنا لتوفر المال لمواجهة حدث معروف مسبقا .Predictable Event
(2) حاجتنا لتوفر المال لمواجهة حدث غير معروف مسبقا ولا يمكن التنبؤ به Unpredictable Event.
ولمواجهة الأحداث المعروف حدوثها مسبقا او الممكن التنبؤ بها يجب تجميع وادخار المال لمواجهة هذا الهدف ولفترة محددة تنقضي بتحقق الحدث. مثال ذلك معرفتنا لموعد سداد قرض حصلنا عليه وبالتالي فنحن كمقترضين نعلم موعد تسديد الدفعات المستحقة علينا سواء من خلال رواتبنا او من خلال ادخارنا لبعض الاموال لمواجهة هذا الظرف.
كذلك الأمر، ان الأهل يعلمون متى سينضم ابناؤهم الى المدارس والجامعات، وعليه يبدؤون بالادخار وتجميع المال منذ فترة وصولا الى وقت دفع الرسوم المدرسية او الجامعية او لوضع ميزانية ومخصص لدفع المبلغ في وقت محدد حتى الادخار لزواج ابنائهم في المستقبل، ولكن دون تحديد موعد لهذا الحدث السعيد.
معظم الخطط المالية لمواجهة الحاجات المعروفة مسبقا تكون مصممة للاستفادة منها والحصول على المال خلال فترة حياة هذا الشخص.
هذا يتطلب استثمارا Investment سواء من الدخل الشهري او المساهمة في احد المنتجات المالية للحصول على مبلغ محدد ومعروف مسبقا في الوقت المحدد. معظم هذه الحاجات المعروفة تستوجب الاستثمار متوسط او طويل الاجل، ولكل فترة معاييرها وظروفها تختلف من برنامج إلى آخر ومن شخص الى آخر.
حتى نكون عمليين وواقعين بعيدا عن التنظيير، ولكثرة التغييرات والتقلبات في عالمنا الحديث، يجب ان تتميز خططنا المالية بالمرونة، فالمرونة مهمة جدا لنتمكن من مواجهة المتغيرات سواء الاجتماعية مثل ان ترزق العائلة بطفل او حتى حدوث حالة وفاة او طلاق، حتى المرونة لمواجهة التغييرات الاقتصادية مثل ارتفاع معدل التضخم فوق المعدلات الطبيعة نتيجة لطفرة في العقار او السوق المالي، فبالتالي يجب تعديل مساهمتنا الدورية او دفعاتنا في الاستثمار لتحقيق هدف معين. او حتى في حال فقد الفرد المستثمر وظيفته وأصبح عاطلا عن العمل فيجب تعديل جدول الدفعات لمواجهة هذا الظرف الطارئ.
أما الحاجات التي لا يمكن التنبؤ بها، فهي كثيرة قد تحدث او لا تحدث منها المرض والإعاقة أو وفاة الأهل قبل نضوج الأبناء او البطالة، هذه الحالات لا يمكن لأي شخص ان يتنبأ بأنه سيكون ضحيتها ومتى سيكون ضحيتها، ولكن عند حدوثها سيكون الاثر المالي على الفرد او عائلته سلبيا، وبالتالي هناك حاجة كبيرة للفرد ان يحمي نفسه وعائلته من هذه المخاطر، وأن يكون متأكدا ان فوائد خططه المالية والبرامج المتعلقة بها ذات عائد يكفي حاجات عائلته.
تعرف المنتجات المالية ومنها منتجات التأمين على الحياة والإعاقة ببرامج او منتجات او بوالص الحماية Protection Policies، اي حماية الافراد وعائلاتهم وحتى دائنيهم من آثار المرض او الوفاة بالرغم انها لا تبني استثمارا للفرد ولكن توفر حماية وكلما كان عمر الفرد صاحب هذه المنتجات اصغر كلما كانت الكلفة اقل.
على الاشخاص ان تكون اولوياتهم توفير الحماية المالية لهم ولأفراد اسرهم قبل تخصيص المال للاستثمار لسببين بسيطين، اولهما ان المرض او الوفاة يؤديان الى تدني دخل الاسرة الى حدود الفقر والتعاسة عن طريق انخفاض او انقطاع مصدر الدخل، والسبب الثاني ان الاحداث التي لا يمكن التنبؤ بها قد تحدث اليوم مما يعجل الضرورة للتعامل مع مثل هذه الحاجة.
من المهم التنويه الى ان حاجاتنا المالية تلازمنا في مختلف مراحل حياتنا والكثير منا لديه على الاقل حاجة غير مشبعة، والكثير منا لديه حاجات لحماية نفسه وأسرته من حدوث مكروه، وكذلك الحاجة للاستثمار وتنمية أمواله وإمكانياته المالية، ولكن أولوياتنا تتغير بمرورنا بمراحل الحياة وتقدمنا بالسن.
دورة حياتنا والحاجة للتخطيط المالي
في اي مجتمع تنقسم دورة حياة الفرد الى مراحل الطفولة، شباب غير متزوج، شباب متزوج، شباب متزوج مع اطفال، متزوجون مع أولاد أكبر، ما بعد العائلة وقبل التقاعد، التقاعد.
ويختلف العمر ضمن هذه المراحل من مجتمع الى آخر، والأكثر أهمية تختلف الظروف الحياتية والأسرية، ففي بعض المجتمعات تحصل الاستقلالية المالية والفرد في مرحلة المراهقة (شباب غير متزوج) وفي مجتمعات أخرى يبقى الفرد معتمدا ماديا والى حد كبير على أهله حتى بعد زواجه وإنجابه لأطفال.
دعونا نستعرض حاجاتنا المالية خلال مرورنا بمراحل الحياة:
- مرحلة الطفولة:
هي مرحلة الاعتماد على الاهل في توفير حاجات أطفالهم بداية من الأمن والحماية والغذاء للوصول إلى تمويل تعليمهم مستقبلا، او حتى وجود دخل بسيط ناتج عن اندماج الطفل في سوق العمل. مع تقدم العمر يصبح الأولاد بحاجة الى مصروف شخصي ونقود للمدرسة والأنشطة الاجتماعية للوصول إلى تمويل دراستهم الجامعية. ان معظم هذه المتطلبات تتوفر عن طريق دخل الاهل او الاقارب، ولكن لتوفير فرص مميزة وخاصة للاولاد يجب البدء في الاستثمار في هذه الفرص منذ الصغر للوصول الى مبلغ معين متوفر في تاريخ معين أو عند تحقق حدث معين ولشخص محدد.
قليلا ما يتطلب الأطفال حاجات لحمايتهم ماليا من ظرف غير متنبأ به، ولا يوجد طفل يعيل أشخاصا، فعادة الحماية تكون للأهل ليستفيد منها الطفل في حال حدث مكروه لا سمح الله.
- رحلة الشباب غير المتزوج:
ليس في كل المجتمعات تكون مرحلة الطفولة هي نهاية الاعتمادية المالية على الأهل، فبعدها يبدأ الشباب بالاستقلالية المالية المحدودة عن الاهل وخاصة في المجتمعات الغربية؛ حيث يبدأ الطالب في المدرسة أو الجامعة بالعمل، وبالتالي الاعتماد والى حد لا بأس فيه على أنفسهم، وخاصة الاكتفاء بالمصروف اليومي عن طريق العمل في الأماكن الخدمية مثل المطاعم والفنادق وغيرها من الاماكن التي يكون العمل بها يناسب أوقات الدراسة، بالإضافة إلى تزويد الطالب بدخل جيد، وكذلك توسيع أفقه وإدراكه لضرورة العمل وأهميته وكذلك طبيعة النظرة إلى العمل والابتعاد عن ثقافة العيب.
في بعض الأحيان يكون هذا الشاب هو المعيل للأسرة، وبالتالي هناك الحاجة الى برامج ومنتجات الحماية في حال حدوث مكروه مثل التأمين على الحياة، وذلك لإبقاء العائلة والمعتمدين على دخل هذا الفرد في مأمن عن الحاجة الى الآخرين، وتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم.
كذلك من برامج الحماية برامج حماية الدخل ضد الإعاقة الناتجة عن حادث؛ حيث يضمن هذا البرنامج حدا معينا من الدخل ولفترة معينة حسب الاتفاق قد تصل الى طيلة فترة حياة الفرد في حال حدثت الإعاقة الناتجة عن حادث.
بالإضافة إلى برامج الحماية، يمكن الاستثمار في البرامج الاستثمارية مثل التقاعد أو الانتساب الى برامج ادخارية طويلة لتحقيق أهداف مالية خاصة. المهم أنه لا يوجد وقت معين أو عمر معين للبدء في التفكير في المستقبل، فكلما كان الاستثمار في عمر مبكر كلما كان العائد والفائدة اكبر.
المهم في هذه المرحلة معرفة مقدار الالتزام للانتساب في هذه البرامج، حيث في الغالب دخل الفرد في هذه المرحلة بسيط ومحدود، وبالتالي يجب مراجعة أولويات الفرد وأهدافه قبل الانتساب والالتزام في مثل هذه البرامج، فقد تكون هناك خطط للزواج أو لشراء سيارة او حتى لمتابعة الدراسات العليا، وبالتالي يجب تكريس الموارد حسب الاولويات مع العلم ان التفضيل في تكريس الموارد للخطط طويلة الاجل وليس قصيرة الأجل.
- مرحلة الشباب المتزوج: سرعان ما تتغير حاجة الشباب عند تكوين علاقة طويلة الأمد (الزواج)، فعند الزواج تبدأ المسؤولية المشتركة في تمويل نفقات الحياة والعائلة على الطرفين، وكذلك تحقيق الأهداف والطموحات ومنها المالية.
في الوقت الحاضر أصبح من الضرورة مشاركة الزوجة في المسؤوليات المالية، ولكن الأمر ليس دائما حيث نرى أن المسؤوليات المالية وتمويل الأسرة تقع على عاتق الزوج في أغلب الاحيان، اما مسؤولية التربية والاهتمام بالعائلة تقع على عاتق الزوجة.
ففي حال كان الزوجان يعملان يكون لديهم دخلان لمواجهة مصاريف الحياة وثقلها المادي، فمن هنا وكون أن الاعتماد على دخلي الزوجين معا، سيكون هناك أثر سلبي كبير في حال تم فقدان احد الدخول او الرواتب من العائلة. فتأتي الحاجة الى حماية دخل كل فرد قد يتوقف سواء نتيجة مرض أو إعاقة أو وفاة أو حتى فقدان أحد الزوجين للعمل لا سمح الله.
أيضا بالرغم من توفير الضمان الاجتماعي أو التقاعد عن طريق الوظيفة، إلا أنه يجب دراسة هل هذا المبلغ في ذلك الوقت كاف لسد احتياجاتنا كأسرة، او حتى يكفي الزيادة في التضخم، وبالتالي القيمة الشرائية للدخل عن طريق التقاعد كافية في ذلك الوقت. كلها تساؤلات مهمة يجب بحثها بعناية وقد لا تكون على رأس أولوياتنا المالية ولكن جديرة بالدراسة والتخطيط.
من اهم الخطوات المالية للعائلة الشابة هي تكوين حساب طوارئ يمكن الرجوع إليه في اي وقت لمواجهة الظروف الطارئة. أيضا يمكن استخدامه لتحقيق بعض الأهداف مثل قضاء إجازة او تجديد السيارة. وعند تراكم هذا الحساب يمكن للعائلة الاستثمار لتحقيق أهداف طويلة مثل التقاعد، فعند عدم وجود مثل هذا الحساب قد تتأثر الاستثمارات طويلة الأجل بحاجة او امر طارئ من شأنه تحويل الموارد من استثمارية الى مصروف لمواجهة امر طارئ، وبالتالي خسارة الاستثمار او جزء منه، وعليه من المهم تكوين حساب للطوارئ ومن ثم الاستثمار لتحقيق اهدافنا المالية.
أما إذا كان أحد الزوجين يعمل، تكون الاولويات هنا مختلفة، فوفاة الطرف المعيل للأسرة يحرم باقي الاسرة من الدخل، وبالتالي هناك حاجة ملحة لتأمين حياة الفرد العامل، والمبلغ المؤمن يجب ان يسد احتياجات الأسرة وإبقائها ضمن مستوى حياة معين ولطيلة فترة حياة الطرف الآخر.
بالإضافة الى ذلك، ان موت الفرد غير العامل، له تأثير سلبي على العائلة من خلال إيجاد بديل للقيام بواجبات الفرد غير العامل من تربية الأولاد والمهام المنزلية، وهذا يترتب عليه مصروف إضافي مثل استقدام مربية أو خادمة. لذلك يجب التأمين على حياة الفرد الآخر غير العامل لإبقاء معظم الميزات للعائلة كما هي.
- مرحلة الشباب المتزوج بوجود أطفال:
إن الأولاد من نعم الله التي لا يمكن ان تقدر بثمن ولا يمكن استبدالهم بأموال الدنيا، ولكن يجب التفكير فيهم وفي مستقبلهم، ولهذا ان وجود اطفال بدون استعداد عقلي وعاطفي ومالي سيغير كل شيء في حياة الاهل، وان كل فم يجب إطعامه وكل عقل يجب تنميته بحاجة الى موارد مالية لذلك.
في بعض الاحيان قد تضطر الام الى ترك عملها وملازمة أطفالها مما له اثر في انخفاض دخل الاسرة، ويقلل من الموارد المتاحة لاستخدامها في التخطيط المالي للأسرة. من هنا تزداد الحاجة للاشتراك في المنتجات الوقائية، فيجب حماية دخل الأسرة الوحيد وذلك لمواجهة اي ظرف مثل المرض والإعاقة، بالإضافة الى ضرورة الاشتراك في تأمين على الحياة لتغطية مصاريف الاسرة في حال حدوث مكروه لرب الاسرة، وكذلك المحافظة على مستوى معيشي معين للأسرة وكاف لبلوغ الاطفال السن للاستقلالية المالية وإكمال تعليمهم.
أيضا من المهم حماية الأم غير العاملة؛ حيث التأمين على حياتها من شأنه تعويض الأسرة وإيجاد بديل عن طريق طلب المساعدة من محترفين او جهات رعاية وتربية الأطفال مثل الحاضنات والمدارس والتي بالمقابل تحتاج الى اموال لتغطية نفقاتها.
نحن نعلم ان الامكانيات المتاحة للأهل في بداية تكوينهم للأسرة تكون محدودة، ولكن وبالرغم من ذلك يجب البدء في توفير الدفعات الادخارية ولو كانت بسيطة، ومع الوقت وعند تحسن الاوضاع يتم تعديل البرامج الادخارية هذه لتناسب حاجات وإمكانيات العائلة حين تتحسن الاحوال والموارد، وبالتالي تكريسها في عملية التخطيط المالي.
- مرحلة العائلة مع وجود أولاد كبار: مع تقدم سن الاولاد تزداد تكاليف التربية والتعليم والمصروف اليومي لهم، ولحسن الحظ يكون الاهل قد تقدموا اكثر في اعمالهم ووظائفهم، وبالتالي تحسنت ظروف العمل والظروف المادية وقد تستطيع الام العودة الى العمل لأن اطفالها قد كبروا وبالتالي زيادة دخل الاسرة.
تتغير الحاجات المالية مع تغيير الدخل، فتصبح الحاجة للاستثمار اكبر مع ضرورة الابقاء على الحاجات الوقائية مثل التأمين الصحي، فهناك الحاجة لشراء منزل او سيارة للعائلة، او كذلك الحاجة للاستثمار في برامج تقاعدية من شأنها توفير الطمأنينة عند الشيخوخة.
- مرحلة العائلة المتقدمة وما قبل التقاعد:
هنا كبر الاولاد وأنهوا تعليمهم وأصبحوا مستقلين ماليا واجتماعيا، وبالتالي تنخفض كلفة حمايتهم ماليا والتأمين على حياة معيليهم (الأهل). أما الاهل في هذه المرحلة قد وصلوا الى افضل مراحل حياتهم ماديا قبل التقاعد وسيقطفون ثمار استثماراتهم لمدة 15 الى 20 عاما وهم شباب، او حتى قد يكونون حصلوا على ميراث من اهلهم، كلها امور تساعد وتحسن الوضع المالي للعائلة.
في هذه المرحلة يجب تكثيف الادخار والاستثمار للمساعدة في تحسين الدخل التقاعدي او الدخل في مرحلة التقاعد. بالرغم من هذا يجب الابقاء على الحاجات والاستثمارات الوقائية لمواجهة اي حدث من شأنه التأثير سلبا على طمأنينة العائلة واستقرارها المادي.
- مرحلة التقاعد:
معظم الناس يسعون لبقائهم في بنفس المستوى المعيشي بعد التقاعد، لكن للأسف قليل منا يحقق ذلك حيث دخل الفرد بعد التقاعد يتناقص بفعل طريقة الاحتساب وكذلك بفعل التضخم.
تتولد 3 فئات من الناس عند التقاعد؛ الفئة الأولى والتي هي الأقل حظا والتي لا توجد لديها مدخرات وذات دخل تقاعدي منخفض. الفئة الثانية والتي تتمتع بدخل تقاعدي متدن مع وجود بعض المدخرات. اما الفئة الثالثة وهي الاكثر حظا فتتمتع بدخل كاف مع وجود مدخرات جيدة. ان كل فئة من هذه الفئات لها حاجات مالية مختلفة، فمثلا الفئة قليلة الحظ للأسف ليس هناك الكثير لفعله سواء محاولة معرفة المزايا التي تقدمها الحكومة والجهات الرسمية لهم وإرشادهم لها. أما الفئة الثانية ذات الدخل المتدني وبعض المدخرات، فيجب توجيه المدخرات لتوليد دخل إضافي يساعد في مواجهة مصاريف الحياة. يجدر الإشارة هنا إلى ضرورة دراسة المخاطر واحتسابها وضرورة تشغيل المدخرات في استثمارات قليلة المخاطر للمحافظة على مدخرات وممتلكات هذه الفئة.
أما الفئة الثالثة والأكثر حظا، فتستطيع تشغيل مدخراتها وممتلكاتها في استثمارات تراكم ثروتهم وعن طريق استخدام استشارات إدارة الثروات Wealth Management Advisory حيث بإمكانهم استثمار هذه الاموال باستثمارات ذات مخاطر عالية، والتي عادة تصاحب عوائد عالية بعد اتباع الحيطة والحذر والدراسة واستخدام الخبرات والاستشاريين الماليين المحترفين والمعتمدين.
نرى من خلال نموذج دورة حياتنا أن الجميع لديه حاجات استثمارية وحاجات وقائية تتغير حسب المرحلة التي نمر بها، ففي مرحلة الشباب تكون حاجاتنا لشراء بيت او حتى تمويل الزواج، لنمر الى مرحلة الزواج مع الاولاد التي تغير الكثير من اولوياتنا من تأمين تعليم الاولاد وتأمين التقاعد في شيخوختنا. مع وصولنا لمرحلة التقاعد نبحث في افضل السبل لتعظيم ثروتنا او حتى سبل مواجهة قلة مواردنا المالية. ان تعرفنا على هذه المراحل يساعدنا في اتخاذ القرار الصحيح الذي يلائم أوضاعنا وأهدافنا وأولوياتنا والوصول الى الافضل، آخذين بعين الاعتبار الظروف المحيطة والمؤثرة في كل مرحلة من حياتنا.
التخطيط المالي الشخصي في الأردن
يحظى التخطيط المالي الشخصي في الدول المتطورة باهتمام كبير من المستهلك والحكومات والجهات التشريعية، وتخضع ممارسة التخطيط المالي الشخصي لقوانين وتشريعات عديدة هدفها بالنهاية حماية الفرد والمواطن وبناء مستقبل مالي وأسلوب حياة يضمن تحقيق الأهداف وفق الأولويات والإمكانيات.
أما التخطيط المالي الشخصي في الأردن، فهو ضعيف كثيرا - إن لم يكن شبه معدوم - وينقصه الكثير من أسس الممارسة والتنظيم والتأهيل والدعم وأسباب كثيرة سنناقشها لاحقا. وبالرغم من أن القطاعات الاقتصادية والمالية في الأردن منظمة وتخضع لقوانين وتشريعات، إلا أن التخطيط المالي الشخصي يفتقر لمثل هذا الاهتمام والممارسة والدعم، مما أدى وما زال يؤدي الى كوارث مالية على صعيد الأفراد وانعكاسها على مستوى الاقتصاد الوطني.
في الاردن، تأتي ممارسة التخطيط المالي الشخصي عن خلال طريقتين: الأولى عن طريق بعض البنوك من خلال بيع منتجات استثمارية او تأمينية او ما يعرف بالتأمين المصرفي. والثانية من خلال شركات التأمين عند بيع منتجات التأمين على الحياة او التعليم او التقاعد. وبالرغم من أن هاتين الجهتين (البنوك وشركات التأمين) منظمتان وخاضعتان للرقابة سواء من البنك المركزي او من وزارة الصناعة والتجارة بما يخص التأمين، الا ان ممارسة مهنة التخطيط المالي الشخصي غائبة وتفتقر للتنظيم، فهي لا تتعدى كونها جهودا بيعية لبعض المنتجات الاستثمارية او التأمينية بعيدا عن ممارسة صحيحة وغير منحازة لمنتج أو خدمة أو مؤسسة معينة.
من الجدير بالذكر أن بعض الجهات او المؤسسات العالمية تروج لمنتجات استثمارية مالية خاصة بها لاستقطاب اموال من المواطن الاردني ليتم تحويلها الى الخارج واستثمارها في اسواق عالمية، مما قد ينتج من جديد كوارث مالية جديدة مثل عمليات البورصات العالمية السابقة وغيرها مما يستدعى التحرك مجددا للحد من هذه الممارسات.
ماذا ينقص صناعة التخطيط المالي الشخصي في الاردن؟
ينقص التخطيط المالي الشخصي في الاردن عوامل كثيرة وجودها يجعل منه صناعة أو قطاعا ماليا مهما يحقق الكثير من الايجابيات على مستوى الفرد والاقتصاد الوطني، ومن النتائج الايجابية التي ستتحقق في حال وجدت ممارسة تخطيط مالي شخصي صحيحة هي: نشر وترويج ثقافة الاستثمار في عدة قطاعات منها الاسواق المالية والعقارات والمعادن، نشر وترويج ثقافة الادخار لكافة فئات المجتمع ولجميع الأعمار، نشر وترويج مفاهيم مالية جديدة لها فائدة في بناء الثروات والمحافظة عليها وتمريرها للأجيال القادمة، بناء مهارات حياتية مهمة مثل ادارة الاموال (المصروفات والإيرادات) والتخطيط وبناء الموازنات وتحديد الأهداف وترتيب الأولويات وغيرها من المهارات التي من شأنها تحسين حياتنا وبناء ثقافتنا المالية، خلق فئة من المحترفين المهنيين المختصين بالتمويل الشخصي والتخطيط المالي الذين يقدمون النصيحة للفرد بناء على حاجاته ورغباته بعد تأهيلهم بتقديم النصيحة المالية وإخضاعهم لاشتراطات المهنة وممارستها الصحيحة، وضع أسس واشتراطات لممارسة التخطيط المالي الشخصي، مثل: ميثاق الأخلاق ومعايير السلوك المهني، أسس تقديم النصائح والإجراءات المتبعة لفهم العميل وتكوين صورة عنه نستطيع من خلالها تقديم ما يناسبه من خدمات ومنتجات.
أما عن العوامل الواجب وجودها لتحقيق الفوائد المذكورة مسبقا فهي ما يلي:
أولا: ضرورة تطوير واعتماد مؤهلات مهنية يجب على المستشار المالي ان يحصل عليها كحد ادنى عند ممارسته وتقديمه للاستشارات المالية للأفراد. إن وجود مثل هذه المؤهلات مهم جدا من حيث ضمان وجود كادر مؤهل يفهم المهنة والقطاع والمنتجات والعملاء وكيفية التعامل معهم. هذه المؤهلات في الدول الغربية هي اشتراطات للممارسة المهنية، ولا يستطيع اي شخص تقديم اي نصيحة بدون الحصول عليها.
ثانيا: خلق وتطوير ميثاق الاخلاق ومعايير السلوك المهني الذي من شأنه تنظيم عملية التعامل مع العملاء، وتقديم النصائح لهم بكل حيادية وعدم وجود مصالح خاصة. إن وجود مثل هذا الميثاق من شأنه تحديد الحقوق والمسؤوليات لكل طرف مما يضمن حفظ حقوق جميع الاطراف.
ثالثا: بناء وترويج الثقافة المالية الصحيحة والمناسبة لمجتمعنا الأردني وبالأخص ثقافة التخطيط المالي والاستغناء عن العشوائية والاتكالية في التعامل مع الامور المالية.
رابعا: ضرورة وجود دعم سواء حكومي أو عن طريق الهيئات المحلية أو الدولية.
ويتجسد هذا الدعم بالأشكال التالية:
- دعم مادي لمساندة جهود بناء الثقافة والقدرات المالية للمواطنين من خلال دعم التدريب والتأهيل للأفراد، وتزويدهم بالأدوات والموارد لتمكنهم من اتباع خطوات التخطيط المالي
- تطوير وسائل وأدوات دعم مادي مباشر للأفراد أو بعض أفراد المجتمع من خلال تخفيف العبء المالي أو من خلال تخصيص نسبة من الإيرادات لذلك.
- تكوين جهات او تخصيص عمل بعض الجهات التشريعية الحالية التي تعنى بالقطاع المالي لتنظيم عمل التخطيط المالي الشخصي، وتطوير قوانينه وممارسته والإشراف عليها ومتابعتها.
- خلق جمعيات أو مجتمعات خاصة تعنى بالتخطيط المالي الشخصي تقرب جميع الاطراف وتهتم بها ويكون عملها موجها نحو بناء ممارسة صحيحة مفيدة لجميع الاطراف.
خامسا: دعم المؤسسات الخاصة العاملة بالقطاع المالي من خلال تخصيص الالتزام بما سبق، وتخصيص الاموال لتطوير ممارسة صحيحة للتخطيط المالي وبناء قدراتها وتأهيل موظفيها.
من الضروري التنويه ان البنك المركزي الاردني ومن خلال توجهه وجهوده في بناء الثقافة المالية، وتطوير استراتيجية وطنية للاشتمال المالي من شأنها المساعدة والمساهمة في تطوير صناعة او ممارسة التخطيط المالي الشخصي، والتي بالنهاية تهدف الى تحقيق نفس الاهداف، وهي تحسين مستوى القرار المالي للمواطن، والوصول الى الاموال اللازمة لتحقيق أهدافه وغاياته. هذا وبدأ بالفعل البنك المركزي الاردني بناء ونشر الثقافة المالية والتي من شأنها المساهمة في تحقيق ونشر أهداف التخطيط المالي الشخصي.

نيسان ـ الغد ـ نشر في 2016-01-13 الساعة 10:03

الكلمات الأكثر بحثاً