نزع سلاح حماس
نيسان ـ نشر في 2026-08-09 الساعة 11:01
نيسان ـ «الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ» [الأنفال: 56].
نستحضر اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993، والتي شكّلت لحظة فارقة تمثّلت في اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية و«إسرائيل». غير أن مضمون الاتفاق لم يتجاوز ذلك، إذ تم إرجاء البت في القضايا الجوهرية إلى مرحلة لاحقة أُطلق عليها آنذاك مسمى «مفاوضات الوضع النهائي»، وتضمنت خمس قضايا محورية: ترسيم الحدود، ووضع مدينة القدس، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ومصير المستوطنات، فضلًا عن الترتيبات الأمنية.
كان يُفترض أن تحسم هذه الملفات الشائكة في مرحلة لاحقة من المسار التفاوضي، غير أن هذا الأمر لم يتحقق. فقد انهارت قمة كامب ديفيد عام 2000، لأن الصهاينة لا يريدون أن يقدموا شيئا، وكان من نتائج هذا الفشل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
ولم يتبقَّ من ذلك الحدث التاريخي في الذاكرة سوى مشهدا أيقونيًّا: أبو عمار وهو يصافح إسحق رابين بابتسامة، في مقابل ملامح متجهِّمة بدت على وجه الأخير، بينما توسّط الرئيس الأمريكي كلينتون هذا المشهد. وقد شكّلت هذه الصورة اختزالًا رمزيًّا للحظة بدت آنذاك حافلة بالوعود والآمال، قبل أن تكشف مجريات السنوات التالية عن هشاشة الأسس التي قام عليها ذلك التفاؤل.
في الثلاثين من الشهر الماضي، غرد الرئيس الأمريكي بأن «مجلس السلام» الذي يترأسه قد توصّل إلى ما وصفه بـ«اتفاق تاريخي» يقضي بنزع سلاح حركة حماس وسائر الفصائل المسلحة الأخرى. غير أنه، وحتى كتابة هذه السطور، لم يترجم هذا الإعلان إلى أي خطوة فعلية على أرض الواقع؛ إذ أكد غازي حمد، القيادي في حركة حماس، أن الحركة لن تُقْدِم على تسليم سلاحها قبل أن ينسحب الكيان الصهيوني بالكامل من قطاع غزة. في المقابل، شدد مسؤولو الكيان على موقف معاكس تمامًا، مفاده أن أي انسحاب من القطاع لن يكون واردًا قبل أن تبادر حماس إلى تسليم سلاحها.
وهكذا نجد أنفسنا أمام معضلة سياسية عرّفها عالم السياسة الأمريكي جيمس فيرون بمصطلح «مشكلة الالتزام». وتكمن جوهر هذه المعضلة في أن طرفي أي نزاع قد يتوافقان من حيث المبدأ على تسوية معينة، غير أن كلًّا منهما يظل حذرًا من المبادرة بتنفيذ التزامه أولًا، خشية أن يستغل الطرف الآخر هذه الخطوة ويتنصّل من تعهداته لاحقًا.
ولتقريب هذا المفهوم، يمكن تصوّر شخصين مسلّحين يتفقان على إلقاء أسلحتهما بشكل متزامن. يطلب أحدهما من الآخر أن يبادر بإلقاء سلاحه أولًا، على أن يحذو هو حذوه لاحقًا، فيرد عليه الطرف الآخر بالمطلب ذاته. غير أنه إذا ما أقدم أحدهما بالفعل على إلقاء سلاحه، فإنه يضع نفسه في موقع أضعف، الأمر الذي قد يدفع الطرف الآخر إلى استغلال هذا التفوق النسبي والتراجع عن التزامه بالاحتفاظ بسلاحه. ونتيجة لهذا التخوف المتبادل، يمتنع كلا الطرفين عن المبادرة بإلقاء سلاحه، حتى وإن كان كلاهما يفضّل، من حيث المبدأ، إنهاء حالة النزاع القائمة بينهما.
وفيما يتعلق بحالة حماس والكيان الصهيوني، فإن تنفيذ الاتفاق المطروح يستند إلى خطوتين رئيسيتين: قيام حماس بنزع سلاحها، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة. غير أن جوهر المعضلة يكمن تحديدًا في تحديد أولوية تنفيذ هاتين الخطوتين وترتيبهما الزمني؛ فحركة حماس تتخوف من أن تُقدم على نزع سلاحها أولًا، ثم يمتنع الكيان المحتل عن تنفيذ التزامه بالانسحاب، فتجد نفسها بذلك قد تخلّت عن أهم أوراق القوة والضغط التي تملكها. وفي المقابل، يتحجج الكيان بذلك فيرفض الانسحاب أولًا، لتمتنع حماس بعد ذلك عن نزع سلاحها. وبهذا، يجد كل طرف نفسه في موقف يطالب فيه الآخر بالمبادرة إلى التنفيذ أولًا، تمهيدًا لالتزامه هو بتنفيذ ما عليه لاحقًا.
ومن دون التوصل إلى اتفاق واضح ومحكم يحدد بدقة التسلسل الزمني لخطوات التنفيذ، ويربط كل خطوة بما يقابلها من التزامات متبادلة، ويكفل ضمانات فعلية راسخة لا تحتمل التأويل أو التشكيك، سيظل هذا الاتفاق مجرد إطار نظري، لا يتجاوز في واقعه حدود البيانات السياسية والتصريحات الإعلامية. ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا في ضوء السجل الحافل بعدم التزام الكيان المحتل بما يوقّعه من مواثيق واتفاقيات على نحو متكرر، إضافة إلى أن الطرف الذي يفترض أن يضطلع بدور الوسيط، ليس محايدًا في واقع الأمر، بل يُعد طرفًا مشاركًا بشكل مباشر بحرب الإبادة الجارية. وحتى تاريخ إعداد هذا المقال، لم تُرسَ بعد أي من هذه الضمانات المطلوبة، ولم يُترجم أي من هذه التعهدات إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع.
نستحضر اتفاقية أوسلو الموقعة عام 1993، والتي شكّلت لحظة فارقة تمثّلت في اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية و«إسرائيل». غير أن مضمون الاتفاق لم يتجاوز ذلك، إذ تم إرجاء البت في القضايا الجوهرية إلى مرحلة لاحقة أُطلق عليها آنذاك مسمى «مفاوضات الوضع النهائي»، وتضمنت خمس قضايا محورية: ترسيم الحدود، ووضع مدينة القدس، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ومصير المستوطنات، فضلًا عن الترتيبات الأمنية.
كان يُفترض أن تحسم هذه الملفات الشائكة في مرحلة لاحقة من المسار التفاوضي، غير أن هذا الأمر لم يتحقق. فقد انهارت قمة كامب ديفيد عام 2000، لأن الصهاينة لا يريدون أن يقدموا شيئا، وكان من نتائج هذا الفشل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
ولم يتبقَّ من ذلك الحدث التاريخي في الذاكرة سوى مشهدا أيقونيًّا: أبو عمار وهو يصافح إسحق رابين بابتسامة، في مقابل ملامح متجهِّمة بدت على وجه الأخير، بينما توسّط الرئيس الأمريكي كلينتون هذا المشهد. وقد شكّلت هذه الصورة اختزالًا رمزيًّا للحظة بدت آنذاك حافلة بالوعود والآمال، قبل أن تكشف مجريات السنوات التالية عن هشاشة الأسس التي قام عليها ذلك التفاؤل.
في الثلاثين من الشهر الماضي، غرد الرئيس الأمريكي بأن «مجلس السلام» الذي يترأسه قد توصّل إلى ما وصفه بـ«اتفاق تاريخي» يقضي بنزع سلاح حركة حماس وسائر الفصائل المسلحة الأخرى. غير أنه، وحتى كتابة هذه السطور، لم يترجم هذا الإعلان إلى أي خطوة فعلية على أرض الواقع؛ إذ أكد غازي حمد، القيادي في حركة حماس، أن الحركة لن تُقْدِم على تسليم سلاحها قبل أن ينسحب الكيان الصهيوني بالكامل من قطاع غزة. في المقابل، شدد مسؤولو الكيان على موقف معاكس تمامًا، مفاده أن أي انسحاب من القطاع لن يكون واردًا قبل أن تبادر حماس إلى تسليم سلاحها.
وهكذا نجد أنفسنا أمام معضلة سياسية عرّفها عالم السياسة الأمريكي جيمس فيرون بمصطلح «مشكلة الالتزام». وتكمن جوهر هذه المعضلة في أن طرفي أي نزاع قد يتوافقان من حيث المبدأ على تسوية معينة، غير أن كلًّا منهما يظل حذرًا من المبادرة بتنفيذ التزامه أولًا، خشية أن يستغل الطرف الآخر هذه الخطوة ويتنصّل من تعهداته لاحقًا.
ولتقريب هذا المفهوم، يمكن تصوّر شخصين مسلّحين يتفقان على إلقاء أسلحتهما بشكل متزامن. يطلب أحدهما من الآخر أن يبادر بإلقاء سلاحه أولًا، على أن يحذو هو حذوه لاحقًا، فيرد عليه الطرف الآخر بالمطلب ذاته. غير أنه إذا ما أقدم أحدهما بالفعل على إلقاء سلاحه، فإنه يضع نفسه في موقع أضعف، الأمر الذي قد يدفع الطرف الآخر إلى استغلال هذا التفوق النسبي والتراجع عن التزامه بالاحتفاظ بسلاحه. ونتيجة لهذا التخوف المتبادل، يمتنع كلا الطرفين عن المبادرة بإلقاء سلاحه، حتى وإن كان كلاهما يفضّل، من حيث المبدأ، إنهاء حالة النزاع القائمة بينهما.
وفيما يتعلق بحالة حماس والكيان الصهيوني، فإن تنفيذ الاتفاق المطروح يستند إلى خطوتين رئيسيتين: قيام حماس بنزع سلاحها، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة. غير أن جوهر المعضلة يكمن تحديدًا في تحديد أولوية تنفيذ هاتين الخطوتين وترتيبهما الزمني؛ فحركة حماس تتخوف من أن تُقدم على نزع سلاحها أولًا، ثم يمتنع الكيان المحتل عن تنفيذ التزامه بالانسحاب، فتجد نفسها بذلك قد تخلّت عن أهم أوراق القوة والضغط التي تملكها. وفي المقابل، يتحجج الكيان بذلك فيرفض الانسحاب أولًا، لتمتنع حماس بعد ذلك عن نزع سلاحها. وبهذا، يجد كل طرف نفسه في موقف يطالب فيه الآخر بالمبادرة إلى التنفيذ أولًا، تمهيدًا لالتزامه هو بتنفيذ ما عليه لاحقًا.
ومن دون التوصل إلى اتفاق واضح ومحكم يحدد بدقة التسلسل الزمني لخطوات التنفيذ، ويربط كل خطوة بما يقابلها من التزامات متبادلة، ويكفل ضمانات فعلية راسخة لا تحتمل التأويل أو التشكيك، سيظل هذا الاتفاق مجرد إطار نظري، لا يتجاوز في واقعه حدود البيانات السياسية والتصريحات الإعلامية. ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا في ضوء السجل الحافل بعدم التزام الكيان المحتل بما يوقّعه من مواثيق واتفاقيات على نحو متكرر، إضافة إلى أن الطرف الذي يفترض أن يضطلع بدور الوسيط، ليس محايدًا في واقع الأمر، بل يُعد طرفًا مشاركًا بشكل مباشر بحرب الإبادة الجارية. وحتى تاريخ إعداد هذا المقال، لم تُرسَ بعد أي من هذه الضمانات المطلوبة، ولم يُترجم أي من هذه التعهدات إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع.
نيسان ـ نشر في 2026-08-09 الساعة 11:01
رأي: اسماعيل الشريف


