روليت عاطفي
نيسان ـ نشر في 2026-08-09 الساعة 11:15
نيسان ـ ربما لم يسبق للإنسان، منذ بدأ يدوّن تاريخه، أن عاش هذا الكم المهول من المشاعر في هذا القدر الضئيل من الزمن. ففي خمس دقائق قد نحزن على طفل يبكي بحرقة على والدته، ونغار من ثراء غريب لشاب، ونضحك من نكتة، ونندهش من اكتشاف جديد، ونغضب من جدال عقيم، ثم نغلق الهاتف كما لو أننا لم نعش شيئا.
ليست المشكلة أن تلك المشاعر كانت زائفة بقدر ما هي لم تُمنح الوقت الكافي لتصبح تجربة. لقد برقت كلها في داخلنا، ولم تمطر. ولعل أخطر ما اخترعته الشاشات أنها بدأت تعيد تشكيل الإيقاع الذي تشعر به أرواحنا.
نحسب أن مقاطع الفيديو القصيرة أضعفت قدرتنا على التركيز، فنلقي عليها اللوم كلما عجزنا عن قراءة صفحة أو متابعة محاضرة. غير أن ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. فالعقل لا يفقد انتباهه وحده، وإنما يفقد قدرته على تنظيم مشاعره. كل مقطع يوقظ انفعالا جديدا، وكل تمريرة تطلب من الدماغ أن يبدّل حالته النفسية في لحظة؛ حماسة، فحزنا، فدهشة، فحسدا، فضحكا، فغضبا. وكأننا نجلس أمام «روليت» عاطفية لا تتوقف عن الدوران، بينما يواصل الدماغ إفراز مواده الكيميائية، مستعدا للاستجابة لأحداث لا وجود لها خارج الشاشة.
الحزن يحتاج فسحة ليحزن، والفرح يحتاج وقتا ليكتمل، والدهشة تحتاج سكونا كي تتحول إلى معرفة. أما حين تتلاحق الانفعالات بلا انقطاع، فإن الدماغ يتخلى عن معالجتها بعمق، ويختار طريقا أقصر: التبلد. لهذا يغلق كثيرون هواتفهم وهم يشعرون بفراغ غريب؛ لا لأنهم لم يشعروا بشيء، بل لأنهم شعروا بأكثر مما يستطيع القلب أن يحتمله في هذا الزمن القصير.
ولا يقف الأمر عند حدود العاطفة. فالعقل البشري لم يُخلق ليقفز بين عشرات العوالم في دقائق معدودة. إنه يحتاج إلى قدر من الاستقرار حتى يحول المعلومة إلى معرفة، والانتباه إلى ذاكرة. وقد بينت دراسات حديثة أن مشاهدة المحتوى المتصل تتيح للدماغ بناء روابط معرفية أمتن، بينما تؤدي المقاطع المجزأة، رغم احتفاظها بالمعلومات نفسها، إلى إضعاف تكوين الذاكرة، لأن الجهد كله يُستهلك في ملاحقة التغيرات السريعة، لا في فهم المعنى. وهكذا تنشغل الحواس بالحركة، بينما يبقى العقل جائعا إلى الفكرة.
ومع الأيام يتسلل هذا الإيقاع إلى حياتنا كلها. تصبح القراءة بطيئة، والحوار طويلا، والتأمل مملا، وحتى الصمت يبدو عبئا ثقيلا. نعتاد الإثارة السريعة حتى يغدو كل ما يحتاج إلى صبر فاقدا لجاذبيته. والأسوأ أننا نظن أن المشكلة في العالم، بينما هي في الطريقة التي أعادت بها الشاشات برمجة علاقتنا به.
التقنية ليست خصما للإنسان، فقد كانت دائما امتدادا لعبقريته. غير أن كل اختراع عظيم يختبر قدرتنا على استخدامه قبل أن يختبر قدرته على تغييرنا. وربما لم يعد السؤال اليوم: كم ساعة نقضيها أمام «الريلز»؟ بل: كم شعورا فقدنا القدرة على عيشه حتى نهايته؟ فالمشاعر التي لا تجد وقتا لتنضج لا تموت، وإنما تتراكم في أعماقنا كضجيج صامت، حتى يأتي يوم نصبح فيه قادرين على مشاهدة كل شيء.. وعاجزين عن أن نهتز لشيء.
ليست المشكلة أن تلك المشاعر كانت زائفة بقدر ما هي لم تُمنح الوقت الكافي لتصبح تجربة. لقد برقت كلها في داخلنا، ولم تمطر. ولعل أخطر ما اخترعته الشاشات أنها بدأت تعيد تشكيل الإيقاع الذي تشعر به أرواحنا.
نحسب أن مقاطع الفيديو القصيرة أضعفت قدرتنا على التركيز، فنلقي عليها اللوم كلما عجزنا عن قراءة صفحة أو متابعة محاضرة. غير أن ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. فالعقل لا يفقد انتباهه وحده، وإنما يفقد قدرته على تنظيم مشاعره. كل مقطع يوقظ انفعالا جديدا، وكل تمريرة تطلب من الدماغ أن يبدّل حالته النفسية في لحظة؛ حماسة، فحزنا، فدهشة، فحسدا، فضحكا، فغضبا. وكأننا نجلس أمام «روليت» عاطفية لا تتوقف عن الدوران، بينما يواصل الدماغ إفراز مواده الكيميائية، مستعدا للاستجابة لأحداث لا وجود لها خارج الشاشة.
الحزن يحتاج فسحة ليحزن، والفرح يحتاج وقتا ليكتمل، والدهشة تحتاج سكونا كي تتحول إلى معرفة. أما حين تتلاحق الانفعالات بلا انقطاع، فإن الدماغ يتخلى عن معالجتها بعمق، ويختار طريقا أقصر: التبلد. لهذا يغلق كثيرون هواتفهم وهم يشعرون بفراغ غريب؛ لا لأنهم لم يشعروا بشيء، بل لأنهم شعروا بأكثر مما يستطيع القلب أن يحتمله في هذا الزمن القصير.
ولا يقف الأمر عند حدود العاطفة. فالعقل البشري لم يُخلق ليقفز بين عشرات العوالم في دقائق معدودة. إنه يحتاج إلى قدر من الاستقرار حتى يحول المعلومة إلى معرفة، والانتباه إلى ذاكرة. وقد بينت دراسات حديثة أن مشاهدة المحتوى المتصل تتيح للدماغ بناء روابط معرفية أمتن، بينما تؤدي المقاطع المجزأة، رغم احتفاظها بالمعلومات نفسها، إلى إضعاف تكوين الذاكرة، لأن الجهد كله يُستهلك في ملاحقة التغيرات السريعة، لا في فهم المعنى. وهكذا تنشغل الحواس بالحركة، بينما يبقى العقل جائعا إلى الفكرة.
ومع الأيام يتسلل هذا الإيقاع إلى حياتنا كلها. تصبح القراءة بطيئة، والحوار طويلا، والتأمل مملا، وحتى الصمت يبدو عبئا ثقيلا. نعتاد الإثارة السريعة حتى يغدو كل ما يحتاج إلى صبر فاقدا لجاذبيته. والأسوأ أننا نظن أن المشكلة في العالم، بينما هي في الطريقة التي أعادت بها الشاشات برمجة علاقتنا به.
التقنية ليست خصما للإنسان، فقد كانت دائما امتدادا لعبقريته. غير أن كل اختراع عظيم يختبر قدرتنا على استخدامه قبل أن يختبر قدرته على تغييرنا. وربما لم يعد السؤال اليوم: كم ساعة نقضيها أمام «الريلز»؟ بل: كم شعورا فقدنا القدرة على عيشه حتى نهايته؟ فالمشاعر التي لا تجد وقتا لتنضج لا تموت، وإنما تتراكم في أعماقنا كضجيج صامت، حتى يأتي يوم نصبح فيه قادرين على مشاهدة كل شيء.. وعاجزين عن أن نهتز لشيء.
نيسان ـ نشر في 2026-08-09 الساعة 11:15
رأي:


