اتصل بنا
 

حرب الممرات المائية: سؤال الخيارات والبديل

كاتب سوداني

نيسان ـ نشر في 2026-08-11 الساعة 13:59

نيسان ـ سأل مقال كنت قد نشرته في «القدس العربي» عقب توقيع مذكرة التفاهم بين الجانبين الأمريكي والإيراني في 18 يونيو/ حزيران 2026 هذا السؤال: «هل نتوقع الوصول إلى اتفاق نووي إيراني جديد؟» رأيي كان، وعلى الرغم من رغبة الكثيرين فسح المجال للتفاؤل والأمل، إلا أن هناك عقبات كثيرة تجعل الوصول إلى وقف إطلاق نار دائم صعبا. أهم هذه العقبات هي وجود صقور ومتشددين في الجانبين لا يريدون للأمور أن تنتهي على هذا النحو، ويطالبون بالاستمرار حتى تحقيق النصر الواضح وإخضاع الطرف الآخر، مهما بدت هذه المهمة صعبة وغير عقلانية. ليس أدل على هذا من التصريحات الإيرانية، التي تقول بمنطق المنتصر، إن فتح مضيق هرمز يعتمد على تصحيح أمريكا لسلوكها وقبولها بشروط إيران، وعلى رأسها سحب القوات والتعويض والرفع الكامل للحصار.
الذي حدث هو أن الاشتباكات، التي توقفت، لم تلبث أن تجددت من خلال شن القوات الأمريكية ضربات واسعة داخل إيران لترد الأخيرة بهجمات على مواقع في دول عربية. هذه التطورات المزعجة حملت السعودية، إحدى أهم الدول المتضررة، على الرد بهجوم نوعي، وبمشاركة أمريكية، على مواقع لميليشيا مدعومة من إيران في العراق.
نظريا كان يجب أن يكون الطرفان في لحظة هدنة تمهد للوصول إلى رفع الحصار، وإلى اتفاق نهائي حول المضيق بعد فترة ستين يوما، إلا أن تجربة الانهيار المتكرر للهُدن كانت توضح أن الطرفين غير جادين في الوصول لتهدئة، فقد رأينا كيف تتمسك إيران باستراتيجيتها القائمة على توسيع نطاق الفوضى، على الرغم من المزايا والمكاسب، التي وعدت بها في وثيقة الهدنة السابقة، وكيف أنها تابعت تهديد حركة الملاحة عبر استهداف السفن العابرة. من جانب آخر رأينا أيضا الأمريكيين، الذين كان قسم كبير من صناع القرار منهم معترضين على الاتفاق، وهم يلوحون مجددا بتفجير المنشآت المدنية الإيرانية. المثير للانتباه هو أن هذا التوسيع الإيراني الأخير للفوضى، الذي يبرر مهاجمة دول عربية، لم يضع تل أبيب على رأس أهدافه، بل بدا «العدو التقليدي»، المهدد منذ عقود بأن يلقى في البحر، آمنا في وقت كانت تتهدد فيه دول جارة بعضها لم يتسبب لإيران بأي أذى. كان التقرير، الذي نشر في بداية التصعيد الأخير في قناة 13 الإسرائيلية لافتا في هذه النقطة، حيث كان قد ذهب إلى أنه لا مخاوف من استهداف الكيان في الوقت الحالي. قد يفهم هذا كخطوة إيرانية في سبيل منع الإسرائيليين من دخول الحرب، وهو ما كان سيضيف تحديا مختلفا، لكن المفارقة كانت في منطق هجمات طهران، على دول عربية بحجة أنها حليفة للأمريكيين. الضربات، التي وجهها كل طرف للآخر كانت موجعة. صحيح أن الولايات المتحدة نجحت في استهداف مقرات عسكرية واستراتيجية داخل إيران، إلا أنها خسرت في سبيل ذلك بالمقابل، ليس فقط الكثير من الأموال، بل أرواح بعض الجنود أيضا، ما كان يتناقض مع الخطاب الدعائي لترامب حول الاستقرار والازدهار. لا تثير كل هذه الأحداث قلق دول ومواطني المنطقة فقط، بل يمتد القلق لكل دول العالم، بسبب الموقع الحيوي المرتبط بإمدادات الطاقة، والذي يتحكم في أحد أهم المضائق البحرية في العالم. مضيق هرمز، الذي يصدّر من خلاله ما يعادل خمس إنتاج العالم من النفط، يبدو اليوم أشبه بعقدة. الولايات المتحدة تركز على أنه ممر عالمي لا يمكن احتكاره، وهو موقف توافقها فيه دول كثيرة مستفيدة من انسياب حركة التجارة والنقل، على رأسها دول الاتحاد الأوروبي، التي تدعو لحرية حركة الملاحة رافضة فرض تصاريح، أو رسوم عبور، أو مرور في المضيق ومعترضة على استخدام الممرات المائية كسلاح. الحقيقة هي أن أغلب الدول ترفض تعامل إيران مع المضيق كحيز تابع لها، أو كممر يتطلب المرور فيه التنسيق المسبق.
الاتجاه للبحث عن خيارات وبدائل مرشح للتطور، وبات من المتوقع في ظل التوترات وحالة انعدام اليقين الحالية أن تقل أهمية مضيق هرمز، بعد أن تنجح الدول المتضررة في اكتشاف مسارات بديلة
في الوقت ذاته، وبسبب ما شكلته الأزمة الحالية من انعدام في الاستقرار وشكوك حول المستقبل، فإن دولا كثيرة، في داخل الإقليم وخارجه، بدأت تفكر في مسارات وطرق بديلة تستطيع بها استيراد وتصدير المواد النفطية، بما يتجاوز مضيق هرمز.
في هذا تبدو بعض الدول أفضل حظا من غيرها، كدولة الإمارات وإيران نفسها، اللتان تمتلكان موانئ وإطلالات على خليج عمان.
هذا الاتجاه للبحث عن خيارات وبدائل مرشح للتطور، بل بات من المتوقع في ظل التوترات وحالة انعدام اليقين الحالية أن تقل أهمية مضيق هرمز، بعد أن تنجح الدول المتضررة في اكتشاف مسارات بديلة. هذه القضية مهمة، لأنها تذكرنا مرة أخرى بأهمية التنسيق الإقليمي والتكامل، الذي يمكن عبره تجاوز الأزمات وتحقيق فوائد متبادلة. هذه الأفكار عبرت عنها تركيا في مقترح سابق حمل عنوان «البحار الأربعة»، وهو مشروع يسعى لربط الخليج العربي ببحر قزوين والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. تفعيل هذا المشروع الطموح سوف يكون مفيدا لتركيا وسوريا، اللتين ستكونان في القلب منه، ولكنه سيفيد أيضا جميع الدول المعنية.
اللافت في كل هذه الأفكار هو القناعة، التي بدأت تتولد عند أطراف كثيرة، والتي مفادها، أنه يجب عدم الرهان على استمرار التهدئة، لأنه لا يوجد ما يضمن أن تنتهي العمليات العسكرية بشكل نهائي.
نجد اليوم أن دولا مهمة كالصين باتت تجد نفسها مضطرة للبحث عن مصادر غير خليجية للنفط والغاز المسال، فيما تبحث دول المصدر عن خيارات وطرق أكثر أمانا لتصدير الطاقة في زمن صعب لم يعد فيه مضيق هرمز وحده مهددا، ولا حتى مضيق باب المندب، المهم للمنطقة وللسعودية، ولكن حتى البحر الأبيض المتوسط، الذي لم يعد آمنا بعد وصول الخطر إلى دمياط.
اتفاقية الدفاع المشترك، التي تم توقيعها الجمعة الماضية، والتي تهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي بين كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، يمكن النظر إليها في إطار التصدي للتحديات الأمنية، التي تشهدها المنطقة، التي باتت مهددة ما بين طهران وشبكة حلفائها الإقليميين من جهة وتل أبيب، التي لا تخفي رغبتها في التوسع ومد نفوذها من جهة أخرى. ما يزال الوقت مبكرا على إجراء تقييم كامل للاتفاقية، التي تشبه بـ»ناتو» صغير، بسبب ما ورد فيها من اعتبار أن أي هجوم على إحدى دولها يعد هجوما على الجميع. ما يمكن قوله هو إن للاتفاق نواحي إيجابية كثيرة منها أنه مهد الطريق للتنسيق الدفاعي الإقليمي في منطقة كانت دولها معروفة بالخلاف والتباين. المؤكد أيضا هو إن أي خطوة لخلق تنسيق بين هذه الدول المهمة، ولو على سبيل التدريب والمناورات المشتركة، ونقل التكنولوجيا، سوف تكون مفيدة بلا شك، وسوف تفتح الباب لتقليل الاعتماد على الحليف الأمريكي، الذي لم يعد تدخّله مضمونا لنجدة أي صديق أو حليف.
أما بشأن الطاقة، وحتى يتم ضمان تأمين عمليات النقل والتصدير، أو إيجاد بدائل مناسبة، فإن أسعار البترول سوف تستمر بين كل فترة وأخرى في التصاعد، ما ينتج تضخما وزيادة في أسعار السلع والفوائد في أغلب أنحاء العالم. يتزامن كل ذلك بالضرورة مع صعود قيمة الدولار الأمريكي بكل ما لذلك من آثار على الاقتصاد العالمي.
كاتب سوداني

نيسان ـ نشر في 2026-08-11 الساعة 13:59


رأي: د. مدى الفاتح كاتب سوداني

الكلمات الأكثر بحثاً