اتصل بنا
 

اتفاق مكة للدفاع: منعطف استراتيجي يقلق الغرب

نيسان ـ نشر في 2026-08-11 الساعة 13:59

نيسان ـ وقّعت السعودية وتركيا وباكستان يوم 7 أغسطس/آب اتفاقية دفاع مشترك تحت اسم «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، ويمكن اعتبارها، في حال تفعيلها والالتزام ببنودها، من أبرز المنعطفات في تاريخ الأمة الإسلامية خلال القرون الأخيرة. وتأتي هذه الاتفاقية بعد سلسلة من النكسات التي تعرضت لها الدول الإسلامية، وبعد أخطاء في كيفية التعاطي معها.
تنص الاتفاقية على الدفاع المشترك، بحيث يتم اعتبار أي هجوم على دولة من الدول الثلاث، هجوما على الدول الثلاث مجتمعة. وتبقى هذه النقطة هي الأهم في الاتفاقية. وارتباطا بذلك، تراهن الاتفاقية على تعزيز الردع المشترك، من خلال رفع مستوى التنسيق والقدرات الدفاعية بين الدول الثلاث. كما تشمل التعاون الدفاعي والتنسيق بين القوات المسلحة. ويبقى الأساسي أن الاتفاقية تؤكد أنها ليست تكتلا طائفيا وليست موجهة ضد أي دولة بعينها. وتأتي هذه الاتفاقية بعد سلسلة من النكسات، ولا سيما تلك التي تعرضت لها الدول العربية. ويمكن تلخيص هذه النكسات في عجز عدد من الدول، ومنها السعودية، عن تأمين أمنها القومي بصورة مستقلة عن الولايات المتحدة، سواء في مواجهة أطراف أخرى أو في مجال التسليح.
هناك وعي لدى الدول الموقعة على اتفاق مكة للدفاع المشترك بأنها مستهدفة من جانب إسرائيل، بدعم من التيار الإنجيلي المساند لها داخل أمريكا، ومن تيارات سياسية وسط أوروبا
على الرغم من استثمار السعودية، على مدى عقود، في ترسانة ضخمة من الأسلحة وإقامة شراكات أمنية وعسكرية واسعة مع القوى الغربية، فإن التحولات المتسارعة في المنطقة دفعتها إلى إعادة النظر في مفهوم أمنها القومي، والبحث عن خيارات أكثر تنوعا واستقلالية. فقد أظهرت الأزمات الإقليمية المتلاحقة أن امتلاك السلاح وحده لا يكفي لبناء منظومة ردع متكاملة، وأن الاعتماد المفرط على شريك خارجي قد لا يوفر بالضرورة الاستجابة المطلوبة أمام جميع التهديدات والتحولات.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التقارب الدفاعي مع تركيا وباكستان باعتباره توجها نحو تنويع الشراكات الاستراتيجية وبناء قدرات مشتركة تستند إلى مصالح الدول الثلاث وإمكاناتها الذاتية. فتركيا تمتلك قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، وباكستان تتمتع بخبرة عسكرية وقدرات استراتيجية كبيرة، في حين تمتلك السعودية الإمكانات المالية والاستثمارية اللازمة لدعم مشاريع دفاعية طويلة الأمد. وبهذا المعنى، لا تقتصر أهمية الاتفاقية على مبدأ الدفاع المشترك، بل تمتد إلى ما قد تفتحه من مجال لبناء قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي في صناعة القرار الدفاعي والأمني.
*في المقام الأول، هناك وعي لدى الدول الموقعة على اتفاق مكة للدفاع المشترك بأنها مستهدفة من جانب إسرائيل، بدعم من التيار الإنجيلي المساند لها داخل الولايات المتحدة، وكذلك من تيارات سياسية في وسط أوروبا. وتعتبر هذه التيارات، أن منطقة الشرق الأوسط، وحتى شمال افريقيا، يجب أن تبقى رهينة الحروب والمشاكل الاجتماعية، من دون امتلاك منظومة دفاع مشتركة قادرة على حماية مصالحها. كما تنظر هذه التيارات إلى العالم الإسلامي، خاصة العربي منه، من منظور صراع الحضارات والثقافات والأديان، وتسعى إلى إبقاء حزام ضعيف في جنوب أوروبا يكون فاصلا مع القوى الكبرى، خاصة الصين. ويكفي، في هذا السياق، العودة إلى تصريحات عدد من المسؤولين الغربيين، والاطلاع على وثائق كُشف عنها، تتعلق بأنشطة أجهزة الاستخبارات الغربية، لفهم حجم الاعتراض على تطور الصناعات العسكرية في هذه الدول، والإصرار على حرمانها من امتلاك التكنولوجيا النووية، بما في ذلك الاستخدامات السلمية.
*في المقام الثاني، تمتلك الدول الثلاث مقومات يمكن أن تؤهلها لبناء تكتل ذي وزن عسكري كبير. فقد حققت تركيا تقدما مذهلا في صناعاتها العسكرية خلال العقدين الأخيرين، بينما حققت باكستان بدورها تقدما مهما في مجال الصناعات الدفاعية، فضلًا عن امتلاكها السلاح النووي. أما السعودية، فيتمثل دورها حتى الآن أساسا في الاستثمار في الصناعات الحربية التركية والباكستانية، أو في المشاريع المشتركة. وتتمتع تركيا وباكستان بقاعدة بشرية وعلمية مهمة، تضم أعدادا كبيرة من الباحثين والمهندسين والمتخصصين في الرياضيات والفيزياء والذكاء الاصطناعي، بما يمكن أن يتيح لهما تحقيق قفزة نوعية في الصناعات العسكرية. ويكفي أن البلدين حققا تقدما مهما في مجال الصواريخ المتطورة، بما في ذلك الصواريخ فرط الصوتية، في وقت لا تزال فيه دول أوروبية عريقة في الصناعات العسكرية، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تسعى إلى تطوير قدراتها في هذا المجال. وقد عالجت في مقال سابق بعنوان «التعاون العسكري الباكستاني-التركي المقلق للغرب (القدس العربي 27 يناير 2025) قلق الغرب من تضافر جهود البلدين في الصناعة العسكرية.
*في المقام الثالث، يمكن لهذه الدول الثلاث أن توفر حماية عسكرية حقيقية للشرق الأوسط. فمن جهة، تقع الدول الثلاث في منطقة جغرافية تمثل شرايين التجارة العالمية، وتمتلك موارد وقدرات عسكرية وبشرية كبيرة. ومن جهة أخرى، فإن امتداد هذا التكتل جغرافيا من تركيا إلى باكستان يمنحه عمقا استراتيجيا كبيرا. ومن الصعب تصور خوض قوة عظمى حربا واسعة وطويلة ضد منطقة جغرافية تمتد من تركيا إلى باكستان، بما تمتلكه هذه المنطقة من قدرات عسكرية وبشرية واقتصادية وموقع استراتيجي.
*في المقام الرابع، قد يدفع هذا التكتل دولا أخرى إلى الانخراط في هذه الدينامية، خاصة دول الخليج العربي التي يمكن أن تساهم في تمويل العديد من المشاريع الدفاعية والاستراتيجية. وقد تكون قطر في مقدمة الدول المرشحة للانخراط في هذه المشاريع، وهي منخرطة في بعضها في تركيا، بينما قد تعيد الإمارات، وفق هذه القراءة، النظر في رهاناتها الاستراتيجية على إسرائيل، خصوصا بعد ما أظهرته الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران من تداعيات ودمار أصاب المنطقة، الأمر الذي يجعل الإمارات من بين الدول التي تحملت كلفة كبيرة جراء التصعيد. ويبقى الرهان الأكبر هو إقناع مصر بالانخراط في هذه الدينامية مستقبلا، بالنظر إلى وزنها السكاني والعسكري والجغرافي. ولعل أكبر منعطف استراتيجي يمكن أن يحدث لاحقا هو انضمام إيران نفسها إلى هذه المنظومة. واللافت في هذا السياق هو الترحيب الإيراني بالاتفاقية، باعتبارها، وفق الموقف الإيراني، تعكس إدراك دول المنطقة أن الولايات المتحدة لم تتمكن من توفير الأمن الذي كانت هذه الدول تراهن عليه.
الآن، تنكب أجهزة استخبارات القوى الكبرى والمتوسطة على دراسة هذه الاتفاقية العسكرية، وما إذا كانت ستشكل وعيا جديدا في العالم العربي والإسلامي نحو ولادة قطب واعٍ بمكانته بين الأمم. ولا شك في أن بعض هذه القوى بدأت تفكر في «سايكس – بيكو» بنسخة جديدة، لأن ما يقلق القوى الكبرى، خاصة في الغرب، هو احتمال ظهور تكتل عسكري قوي في الضفة الجنوبية للمتوسط حتى باكستان. هذا الاتفاق في حالة تفعيله والالتزام به يشكل أهم المنعطفات في تاريخ الأمة الإسلامية خلال القرون الأخيرة، لأنه يعني قفزة نوعية في الدفاع وصناعة السلاح، والسلاح هو الفاصل في العلاقات الدولية في غالب الأحيان كما يؤكد التاريخ وأحداثه.
كاتب مغربي

نيسان ـ نشر في 2026-08-11 الساعة 13:59


رأي: حسين مجدوبي

الكلمات الأكثر بحثاً