اتصل بنا
 

الملكاوي أمام تركة عمّان .. المهمة تبدأ من استعادة ثقة العمّانيين

نيسان ـ نشر في 2026-08-15 الساعة 10:46

نيسان ـ نبارك للمهندس أحمد الملكاوي موقعه الجديد، لكننا، بكل صراحة، لا نحسده على التركة.
فأمين عمّان الجديد لا يرث مجرد مؤسسة ضخمة بموظفيها وموازناتها ومشاريعها وآلياتها، بل يرث قبل كل ذلك علاقة متعبة بين كثير من العمّانيين وأمانتهم.
وهذه ربما تكون أصعب ملفات الأمانة وأكثرها إلحاحاً.
صحيح أن هناك إنجازات .
لكن المدن لا تُدار بالتقارير وحدها، ولا تقاس جودة الحياة فيها بعدد المشاريع التي افتُتحت أو العطاءات التي أُحيلت.أو الافتخار بنسبة الجباية من المواطنين .
المدينة تُقاس بما يراه المواطن عندما يخرج من بيته.
وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
ماذا يرى العمّاني في الشارع؟ وماذا يشعر عندما يدخل إحدى دوائر الأمانة؟ وكيف يعامل عندما يطلب رخصة أو يعترض على قرار أو يحاول حل مشكلة؟
لقد أصبحت طريقة تعامل بعض موظفي الأمانة مع المواطنين ملفاً لا يجوز تجميله أو تجاهله. فهناك شكاوى وانطباعات متراكمة لدى مواطنين وتجار وأصحاب محال وباعة بأنهم لا يعاملون دائماً بوصفهم شركاء في المدينة، وإنما أحياناً بلغة فوقية وبقدر من التعالي والغرور وكأن الموظف صاحب سلطة على المواطن لا موظفاً في خدمته.
وهنا يجب أن تبدأ الثورة الحقيقية داخل الأمانة.
فالموظف الذي يجلس خلف المكتب ليس صاحب فضل على المواطن، والمفتش الذي يدخل محلاً تجارياً ليس خصماً للتاجر، والمراقب الذي يتعامل مع بائع ليس في مواجهة مع عدو.
القانون يجب أن يطبق، والمخالفة يجب أن تسجل عندما تستحق، والفوضى يجب أن تضبط.
لكن هيبة القانون لا تحتاج إلى إهانة الناس، واحترام النظام لا يتناقض مع احترام كرامة المواطن.
والتاجر الذي يدفع الضرائب والرسوم ويوظف الناس ليس عبئاً على المدينة. والبائع الذي يبحث عن رزقه ليس رقماً في محضر ضبط. وصاحب المحل ليس متهماً حتى يثبت العكس.
هذه ثقافة إدارية تحتاج إلى مراجعة، لأن المواطن قد ينسى كم استغرقت معاملته، لكنه لا ينسى كيف عومل.
ثم نصل إلى الملف الذي لا يحتاج إلى دراسات ولا مؤشرات معقدة حتى نحكم عليه: نظافة عمّان.
النظافة ليست مشروعاً تجميلياً. إنها أبسط حقوق المدينة.
الأمانة أعلنت هذا العام دخول نموذج جديد لجمع ونقل النفايات بالشراكة عبر شركة رؤية عمّان للمعالجة وإعادة التدوير وثلاث شركات خاصة، وقالت إن التشغيل سيتوسع تدريجياً، وإن النموذج الجديد سيحقق وفراً مالياً كبيراً ويرفع كفاءة الخدمة.
جميل.
لكن المواطن لا يعيش داخل البيان الصحفي.
المواطن يرى الحاوية
ويرى الشارع ويشم الرائحة.
ومن حقه أن يسأل: من هي الشركات التي أصبحت مسؤولة عن أجزاء من هذه الخدمة؟ ما التزاماتها؟ ما مؤشرات أدائها؟ من يراقبها؟ وماذا يحدث إذا تراجعت النظافة بدلاً من أن تتحسن؟
ليس المطلوب التشكيك في أي شركة أو عقد، فالعطاءات والمشتريات في الأمانة تخضع لإطار معلن، والأمانة تنشر عطاءاتها ومناقصاتها على موقعه المطلوب شيء أبسط وأكثر أهمية: أن يعرف المواطن ماذا اشترت مدينته بأمواله، وممن اشترته، وكيف تقيس جودة ما حصلت عليه.
فالخصخصة أو الشراكة مع القطاع الخاص ليست إنجازاً بحد ذاتها. الإنجاز أن تصبح الخدمة أفضل وأقل كلفة وأكثر خضوعاً للمساءلة.
وإذا كانت الأمانة تتوقع وفراً يقارب 130 مليون دينار خلال عشر سنوات من النموذج الجديد لإدارة النفايات، فمن حق العمّاني أن يرى مقابل هذه الأرقام شوارع أنظف وحاويات أفضل وخدمة أكثر انتظام.
وسيرث الأمين الجديد أيضاً ملفاً يعرفه كل من يقود سيارة في عمّان: الحفريات، وصيانة الطرق، والأرصفة، والاختناقات، ومواقف السيارات، والتحويلات، والمخالفات.
لقد أصبح لدى بعض المواطنين شعور ساخر لكنه مؤلم بأن الأمانة تعرف أين توجد سيارته عندما يرتكب مخالفة، لكنها لا تعرف دائماً أين توجد الحفرة التي يمر فوقها كل صباح.
وهذه ليست دعوة إلى إلغاء الرقابة أو المخالفات.
بل إلى إعادة التوازن بين أمانة تجبي وأمانة تخدم.
فالمخالفة ليست إنجازاً، والرسوم ليست إنجازاً، وعدد الضبوطات ليس معياراً لجودة المدينة.
الإنجاز أن يشعر المواطن أن ما يدفعه يعود إليه خدمة.
وهنا يأتي الدور الأهم للجنة أمانة عمّان الجديدة.
فاللجنة ليست مجموعة أسماء تجتمع لتصادق على قرارات جاهزة، ولا ينبغي أن تتحول إلى محطة إدارية بين دوائر الأمانة والأمين. أمامها فرصة حقيقية لأن تكون صوت المدينة داخل الأمانة، لا صوت الأمانة أمام المدينة .
نريد لجنة تنزل إلى الأسواق قبل أن تناقش أوضاع التجار.
وتجلس مع الباعة قبل اتخاذ القرارات بحقهم.
وتستمع إلى سكان الأحياء قبل اعتماد المشاريع.
وتسأل عن عقود الخدمات والشركات الخاصة ومؤشرات الأداء والكلفة والنتائج.
وتراقب شكاوى المواطنين، لا عدد المعاملات المنجزة فقط.
ونريدها أن تسأل السؤال الذي قد يكون مزعجاً أحياناً:
هل يشعر العمّاني فعلاً بأن الخدمة تحسنت؟
فليس دور اللجنة أن تصفق للإنجاز، بل أن تسأل عنه وتحاسبه وتحمي المال العام وتفتح أبواب الأمانة أمام الناس.
وأمام المهندس الملكاوي فرصة مهمة؛ فهو يعرف المؤسسة من داخلها، ويعرف إداراتها ومشكلاتها ومكامن قوتها وضعفها. ولذلك لن يكون مقنعاً أن يقال له: نحتاج إلى وقت حتى نعرف أين المشكلة.
هو يعرفها.
والآن عليه أن يغيّرها.
وأول ما يحتاج إلى تغييره ربما ليس شارعاً ولا جسراً ولا نفقاً.
بل ثقافة المؤسسة في تعاملها مع الإنسان.
نريد أمانة لا يخشى أو يكره المواطن دخولها.
لا يشعر التاجر أمامها أنه متهم.
ولا يشعر البائع أن رزقه أقل قيمة من القرار الإداري.
ولا يشعر الموظف أن البطاقة التي يحملها تمنحه سلطة على الناس.
ونريد مدينة تكون نظافتها في شوارعها، لا في البيانات الصحفية، وإنجازاتها في حياة أهلها، لا في عروض الـ«باوربوينت».
نبارك للمهندس أحمد الملكاوي، ونبارك للجنة الأمانة الجديدة، وخاصة السيدات ريا القاضي ولارا أيوب ، لكن التهنئة تحمل معها فاتورة ثقيلة.
أمامكم مدينة جميلة أرهقتها مشكلات صغيرة حتى أصبحت كبيرة، ومؤسسة تمتلك إمكانات هائلة لكنها تحتاج قبل أي شيء إلى استعادة ثقة الناس.
لا نطلب منكم أن تعيدوا بناء عمّان من الصفر.
نطلب شيئاً قد يكون أصعب:
أعيدوا العمّاني إلى أمانته، وأعيدوا الأمانة إلى العمّاني.
وعندما يصبح المواطن محترماً في دوائرها، والتاجر شريكاً لا خصماً، والشارع نظيفاً، والخدمة بمستوى ما يدفعه الناس، والشركات المتعاقدة تحت رقابة حقيقية، واللجنة الجديدة عيناً على الأداء لا مجرد شاهد عليه…
عندها فقط تستطيع الأمانة أن تحدثنا عن الإنجاز.
فالمدينة لا تحتاج إلى من يخبرها أنها جميلة؛ تحتاج إلى من يجعل أهلها يشعرون بذلك.

نيسان ـ نشر في 2026-08-15 الساعة 10:46


رأي: د. هيفاء ابوغزالة

الكلمات الأكثر بحثاً