اتصل بنا
 

السودان: أثر حادثة مصنع الشفا

كاتب سوداني

نيسان ـ نشر في 2026-08-18 الساعة 14:01

نيسان ـ ليس ثمة ما هو أكثر تعبيرا عن الأجواء العامة في تسعينيات القرن الماضي في السودان، من القصة التي تقول إن السفير الروسي كان حاضرا في أحد الاحتفالات السياسية الرسمية، حينما بدأ المحتفلون بترديد نشيد جهادي حماسي يقولون في إحدى فقراته: «أمريكا روسيا قد دنا عذابها/ عليّ إن لاقيتها ضرابها». السفير المنزعج، الذي كان يفهم العربية، التفت حينها إلى المسؤول الذي يجاوره قائلا: كلاهما؟
المفارقة الطريفة، التي كانت تلفت إليها القصة، هي أن النظام، وإن كانت له مشكلة آنذاك مع أمريكا، فإنه لم تكن له أي مشكلة مع روسيا.
ربما تكون تلك مجرد نكتة، إلا أن هناك حقيقة لا يمكن إنكارها هي أن ذلك النشيد كان يردد فعلا، وأن قيادات وأذرع النظام، كانت تغلب عليها الديماغوجية والانفصال عن الواقع. لم تكن تلك الأذرع تمتلك الحساسية الكافية، التي تجعلها تفرق بين العدو والصديق، أو بين مراتب وأولويات العداء. العقل الكسول، الذي قام على الخطب الحماسية، التي كانت تبشر بغزو العالم، ليتسلم مقاليد الدولة، لم يكن يريد أن يفهم منطق السياسة، ولا أن يمتلك الحصافة، التي تجعله يغير بعض المفردات الجهادية، التي كانت مقبولة في فترة سابقة مثل «لا شرقية ولا غربية».
أجواء التسعينيات كانت شديدة القتامة. داخليا كانت «الحركة الإسلامية» بقيادة زعيمها حسن الترابي مزهوة بنجاح انقلابها وسيطرتها على الخرطوم. هذا الزهو كان ممتزجا بشعور عميق بالارتياب والخشية من محاولات الآخرين ومساعيهم لانتزاع السلطة. تسبب كل هذا في حالة من تعميم التشدد وقمع الحريات والقسوة المفرطة في التعامل مع المعارضين. إحساس المؤامرة سيطر على السياسة الخارجية أيضا، فكان يُنظر لأغلب الدول المجاورة بعين الشك، ما جعل العلاقة تتدهور مع معظمها، كما كان يُنظر أيضا بكثير من العداء لدول مؤثرة. كانت الحصيلة هي الوقوع ضمن حالة معقدة من العزلة والحصار.
الأناشيد، التي كانت تردد في المسيرات والتظاهرات المنظمة، لم تكن عبثية المعنى، بل كانت تعبر فعلا عما يؤمن به فريق المتحمسين الأيديولوجيين للنظام. عبارة «فلترق كل الدماء» على سبيل المثال، كانت تعبّر عن التجاهل التام لصوت العقل، فتدعو إلى خوض المعارك مع الكل، حتى إن كانت النتيجة محسومة، وحتى إن أدى الأمر لهلاك الجميع. من جانبه كان الإعلام الدعائي المسيطر عليه من قبل هذا الفريق يخلط بشكل متعمد بين الحض على الشجاعة والحفاظ المطلوب على الكرامة وبين التهور المميت. المؤسف كان أن الخيارات المتهورة، التي كانت تتخذها قلة مهووسة، لم تكن عواقبها تقع على أصحابها فقط، بل على جميع المواطنين، الذين لن يلبثوا أن يجدوا أنفسهم تحت طائلة العقاب الدولي.
العقل الكسول، الذي قام على الخطب الحماسية، التي كانت تبشر بغزو العالم، ليتسلم مقاليد الدولة، لم يكن يريد فهم منطق السياسة، ولا الحصافة، التي تجعله يغير بعض المفردات الجهادية، التي كانت مقبولة سابقا مثل «لا شرقية ولا غربية»
السودان، الذي كان يعاني اقتصاديا، والذي كان يخوض حربا مهلكة ضد المتمردين الجنوبيين، كانت قيادته الروحية، ممثلة في حسن الترابي، تسعى في الوقت ذاته لاستضافة شخصيات قومية وإسلامية كثير منها مغضوب عليها أو معارض لحكوماتها. الترابي، الذي لم يكن يخفي إعجابه بالثورة الخمينية في إيران، كان يود، كما يظهر، أن يتوّج مرشدا عاما، وأن يصبح، كما هو الحال في طهران، اللاعب السياسي الأهم. الدول الإقليمية كانت تخشى ذلك، كما كانت تخشى أن يكرر الترابي الدور الفوضوي، الذي تلعبه إيران، من تحريض سياسي وسعي لـ»تصدير الثورة». كان الأمر مقلقا، لأن الترابي كان يمتلك عامل قوة ناعمة إضافية كانت تفتقده إيران، وهو خلفيته السنية.
استضافة بن لادن والشكوك بشأن دعم عمليات إرهابية، ثم محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك، كل تلك كانت مؤشرات على أن النظام قد بات أزمة في حد ذاته، وأنه بات خطرا على نفسه وعلى الآخرين. ما حدث في 20 أغسطس/تموز 1998 مثّل صدمة كبيرة وتحولا، حيث قامت الولايات المتحدة، التي كانت تتبع في السابق سياسة التدخل غير المباشر عبر الضغط الاقتصادي، أو تحريض الجيران أو دعم المتمردين، بتوجيه ضربة مباشرة أدت لتدمير مصنع الشفا للصناعات الدوائية بالخرطوم، بذريعة ارتباطه ببن لادن وتصنيعه أسلحة كيميائية، وأيضا بزعم تورط الخرطوم في تدمير سفارات أمريكية. تسببت الضربة غير المسبوقة، التي تزامنت مع ضربة أخرى في أفغانستان، باضطراب وارتباك كبيرين ودفعت كثيرين لمواجهة الحقيقة المتمثلة في فوارق الإمكانيات، وعبث التحدي الأحمق للقدرات الأمريكية، الذي كان من أهم مظاهره عجز الدولة عن تحديد مصدر الضربة. في هذا يروي حاتم باشات، رجل المخابرات المصري، الذي كان يعمل قنصلا في الخرطوم حينها، كيف تسببت عبارة متسرعة للترابي، لمّح فيها لتورط مصري في توجه أعداد كبيرة من الناس للسفارة. أنصار الترابي الغاضبون والمشحونون مسبقا ضد مصر قاموا برمي الطوب والحجارة على المبنى الدبلوماسي، قبل أن يتبين لاحقا أنه لم يكن لمصر يد.
رسالة الضربات كانت واضحة في البيان، الذي تلاه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. برر كلينتون تحرك بلاده ولمّح إلى أن هذه الضربات جاءت بعد تحذيرات متكررة للحكومتين في كابل والخرطوم بضرورة النأي عن دعم الإرهاب. سعت الحكومة السودانية بعد ذلك لتبرير موقفها وتأكيد أن المصنع لم يكن ينتج أي أسلحة محرمة، وأن مبناه لم يكن يحوي أي نشاط خفي أو مشبوه، وهذه هي النقطة، التي ركز عليها أغلب المتداخلين والمتطرقين للموضوع. من أهم السياسيين، الذين تناولوا هذه المسألة بإسهاب، مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية الأسبق.
في الكتاب الذي وضعه حول الموضوع، والذي أعاد نشره مؤخرا تحت عنوان: «النظام العالمي الجديد، قوة القانون أم قانون القوة» ركز إسماعيل على إيراد الحجج والبراهين، التي تشير لافتقار الهجوم، الذي اعتمدت فيه الولايات المتحدة على قوتها ومركزها الدولي من أجل تمريره وإسكات الأصوات الدولية الرافضة له، للأدلة والأسس القانونية. حجج الكتاب كانت مقنعة، لكن ما يمكن أن نراه اليوم ونحن ننظر إلى تلك الحادثة هو، أن الغرض منها كان يتعدى مسألة المصنع وتفاصيل محتوياته. كان هدف الأمريكيين هو أن يذكروا بأن المواجهة معهم لا تعني المبارزة التقليدية، وإنه يكفي أن يضغط أحدهم على مجموعة أزرار من أجل أن يتسبب في خسائر مؤلمة.
عمر البشير، وعلى الرغم من أنه كان يحب ترديد العبارات المتحدية، إلا أنه، وعلى عكس بعض رفاقه المقربين من الترابي، والذين أرادوا أن يحولوا هذا الحدث لمنصة لتعزيز المواجهة، التقط الرسالة فآثر التهدئة واللجوء لمقارعة الولايات المتحدة في حلبات السياسة والدبلوماسية.
تلك الحادثة كانت علامة فارقة في مسار العلاقة بين الخرطوم وواشنطن، بل يمكن القول إن إجراءات من قبيل عزل الترابي وفك ارتباط الحكومة به، والسعي لتعزيز التعاون الأمني مع الأمريكيين، ولاستعادة التطبيع مع المحيط، وانفتاح الحكومة على المقترحات الأمريكية، وصولا إلى الموافقة على دخول واشنطن كشريك في عملية السلام، كل ذلك كان من آثار ضربة الشفا. من الآثار المهمة كذلك انقسام صناع القرار في الخرطوم بين جناحين متصارعين، أحدهما متشدد لا يقبل أي تنازل، ولا يهمه حتى إن قادت آيديولوجيته لتدمير كل شيء، وآخر عقلاني أو براغماتي يحاول الموازنة بين مبادئه وبين قواعد العمل الدولي، التي كان يرى أن تجاهلها غير ممكن.
كاتب سوداني

نيسان ـ نشر في 2026-08-18 الساعة 14:01


رأي: د. مدى الفاتح كاتب سوداني

الكلمات الأكثر بحثاً