اتصل بنا
 

لم يعد الجيش يحمي المستوطن فقط.. الآن يسلّمه الضحية

نيسان ـ نشر في 2026-08-19 الساعة 16:25

لم يعد الجيش يحمي المستوطن فقط..
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
ثمة فارق هائل بين جيش يغض الطرف عن عنف المستوطنين، وجيش يعتقل الفلسطيني ثم يسلمه مكبلا إليهم، وإذا صحت الشهادات الفلسطينية عما جرى في قرية بيت إمرين الليلة الماضية، فنحن لسنا أمام اعتداء جديد يضاف إلى سجل طويل من عنف المستوطنين في الضفة الغربية، بل أمام لحظة تكشف تحولا أخطر: لم يعد الجيش يحمي المستوطن فقط، بل بات يسلّمه الضحية.
وهنا تحديدا تكمن خطورة ما حدث. فبحسب شهادات فلسطينية، احتجز جيش الاحتلال أحد عشر شابا من أبناء بيت إمرين عقب مواجهات مع مستوطنين، ثم جرى تكبيلهم وتسليمهم إلى مستوطنين اعتدوا عليهم بالضرب والتعذيب طوال الليل وحتى ساعات الصباح، ما أدى إلى إصابات بالغة، بينها، وفق الروايات نفسها، فقدان أحد الشبان بصره.
إذا كانت التفاصيل على هذا النحو، فلا معنى بعد الآن للحديث عن «تقاعس» جيش الاحتلال عن حماية الفلسطينيين من المستوطنين، التقاعس يعني أن هناك معتديا وجيشا يقف جانبا ولا يمنعه، أما أن يعتقل الجيش الفلسطيني ويقيده ثم يضعه بين أيدي من يريد الاعتداء عليه، فهذه معادلة أخرى تماما.
هنا لا يتغاضى الجيش عن المليشيا، بل يسلّمها الضحية.
وهذه ليست مسألة لغوية، الفارق بين الحالتين سياسي وأمني واستراتيجي؛ لأن المستوطن في الحالة الثانية، لا يعود مجرد متطرف مسلح يحظى بالحماية، بل يصبح جزءا من توزيع للأدوار يؤدي فيه ما لا تريد المؤسسة العسكرية أن تفعله باسمها مباشرة.
وإذا كان ما جرى في بيت إمرين يعكس نمطا يتجاوز هذه الواقعة، فنحن أمام انتقال بالغ الخطورة: من حماية الاستيطان إلى تداخل وظيفي بين الجيش ومليشيات المستوطنين، تتراجع معه الحدود بين المؤسسة العسكرية والجماعات المسلحة التي تتحرك في الضفة.
الأمر في تقديري أكبر من الرغبة في الانتقام من أحد عشر شابا، هناك رسالة يراد لها أن تصل إلى كل قرية فلسطينية وكل صاحب أرض يفكر في التصدي لاعتداءات المستوطنين: لن يكون ثمن دفاعك عن أرضك الاعتقال وحده، بل قد تجد نفسك مكبلا بين أيدي من حاولت منعهم من الاعتداء عليها.
إنه ردع بالإذلال والخوف لا بالقانون، وثمة عقل إسرائيلي يتصرف اليوم وكأن نافذة تاريخية فُتحت أمامه لتكرار شيء من منطق 1948 و1967: اقتناص لحظة اختلال المنطقة وانشغال العالم لفرض وقائع على الأرض يصعب التراجع عنها لاحقا.
إنهم يتصرفون وكأن الفرصة سانحة، وأنها ربما لن تعود، وهذا هو ما يجعل بيت إمرين أكبر من بيت إمرين.
فالمستوطن الذي يشعر بأن خلفه جيشا يحميه شيء، والمستوطن الذي يشعر بأن الجيش قد يعتقل خصمه ويقيده ويضعه بين يديه شيء آخر تماما. في الحالة الأولى لدينا اعتداء محمي وفي الثانية نقترب من منظومة تتداخل فيها أدوار الجيش والمليشيا.
والتاريخ يخبرنا أن أخطر المراحل تبدأ عندما تستخدم السلطة جماعات موازية لتنفيذ ما يصعب عليها أن تمارسه بصورتها الرسمية، وحين يصبح العنف خارج القانون امتدادا غير معلن للقوة الرسمية. عندها لا تعود المشكلة في حدود ما فعلته المليشيا بالأمس، بل فيما ستعتقد أن بمقدورها فعله غدا.
لهذا أنظر إلى أجساد الشبان الأحد عشر في بيت إمرين باعتبارها أكثر من شاهد على ليلة عنف، الوجوه التي حملت آثار الضرب، والشاب الذي تقول الروايات إنه فقد بصره، قد تكون صورة مبكرة لطبيعة المرحلة التي يراد للضفة أن تدخلها.
إذا صحت روايات بيت إمرين، فقد رأينا في ليلة واحدة شيئا ينبغي ألا يمر كخبر عابر: جيش يعتقل، ومستوطن يعاقب، وفلسطيني يدفع الثمن بين الاثنين. وهنا تصبح المسألة أكبر من قرية، وأخطر من اعتداء.
فحين يتوقف المستوطن عن السير خلف الجيش، ويبدأ بالسير معه، نكون أمام مرحلة أخرى تماما، والسؤال عندها لن يكون ماذا يريدون من الضفة فقط، بل إلى أين يريدون دفع المنطقة كلها.

نيسان ـ نشر في 2026-08-19 الساعة 16:25

الكلمات الأكثر بحثاً