اتصل بنا
 

التنمية الاقتصادية العربية الذاتية

كاتب بحريني

نيسان ـ نشر في 2026-08-20 الساعة 14:23

نيسان ـ يثبت يوماً بعد يوم أنه من المستحيل حل المشاكل الاقتصادية، من دون إصلاح النواقص السياسية، وحل المشاكل السياسية، من دون حل الأزمات الاقتصادية، وقد أدرك ذلك الكثيرون من كتاب الغرب ّالمقيمين حالياً لنواقص، ولتعثر مسيرة حداثتهم وديمقراطيتهم، فاشترطوا مواجهة وإصلاح الرأسمالية، خصوصاً النيوليبرالية العولمية الحالية، كمدخل أساسي لإصلاح الكثير من النواقص والأزمات السياسية والاجتماعية التي تواجهها مجتمعاتهم.
أما في بلاد العرب فقد أدرك قادة الحراكات السياسية القومية الكبرى ذلك، حال حصول الأقطار التي حكموها على استقلالها، ونعني على الأخص، تجارب الحكم بخليط من الاشتراكية والرأسمالية في إدارة اقتصاد تلك الأقطار، ما نتج عنه تحقيق الكثير من جوانب النهوض والتقدم، مثل إجراء إصلاحات زراعية عميقة أنهت عهود الأنظمة الإقطاعية الجائرة السابقة، وخطوات كبيرة للقضاء على الأمية وبناء نظام تعليمي عام مجاني، امتد من المرحلة الابتدائية إلى التعليم الجامعي، الأمر الذي فتح الأبواب لولوج أبواب العمالة الوطنية المدربة المنتجة، وتوفير أنظمة رعاية صحية مجانية عامة لمن يريدها، وسعت بكل الوسائل لتوفير الاكتفاء الذاتي في الغذاء وضرورات الحياة المعيشية الأساسية، ومولت بناء صناعة وطنية لتقليص الحاجة للاستيراد، بل للتصدير في العديد من المجالات.
من المستحيل حل المشاكل الاقتصادية، من دون إصلاح النواقص السياسية، وحل المشاكل السياسية، من دون حل الأزمات الاقتصادية
وفي ساحة الاقتصاد بالذات أدركت أنظمة الحكم تلك، أن قوى الاستعمار السابقة لم تسمح قط ببناء طبقة غنية وطنية، مالكة لفوائض مالية، فكان أن تحملت الدولة بعد الاستقلال مسؤولية إقامة الصناعات الكبيرة المعقدة، وتركت للقطاع الخاص تجارة التجزئة وإقامة الصناعات الصغيرة غير المكلفة. وهكذا بنيت دولة الرعاية الاجتماعية، المعنية بمحاربة الفقر ومساعدة المهمشين ومحدودي الدخل وتوفير الحدود الدنيا من الحاجات المعيشية الضرورية، من خلال دمج بعض مبادئ ووسائل رأسمالية الدولة والعمل بالأيديولوجية الاشتراكية، التي اجتهدت أن تكون اشتراكية عربية ذاتية، وليس اشتراكية مقلدة. ولعل أفضل إثبات على معقولية نتائج تلك الفترة ما تقوله بعض مصادر الإحصائيات المقارنة التالية: فان مقارنة النمو السنوي للناتج المحلي للفرد خلال فترة 1960 ـ 1980 مع فترة 1980 ـ إلى الآن، هبط في سوريا من 3.8 في المئة إلى أقل من واحد في المئة، وفي العراق من 6.5 في المئة إلى أقل من اثنين في المئة، وفي مصر من 3.5 في المئة، إلى أقل من اثنين في المئة. وارتفعت نسبة التضخم في مصر من معدل يقل كثيراً عن العشرة في المئة إلى معدل يزيد عن الخمس والعشرين في المئة، وفي العراق من معدل أربعة في المئة إلى معدل يزيد عن أربعمئة في المئة وفي سوريا من معدل يراوح بين 4 و 10 في المئة إلى معدل يصل إلى ستين في المئة. وأخيراً، كانت نسبة البطالة في مصر وسوريا والعراق تراوح حوالي خمسة في المئة لترتفع الآن إلى أرقام فلكية في جميع هذه الدول. فهل إن محاولات مثل تلك جربتها الدول العربية الثلاث، من خلال الاستفادة من ميزات النظام الرأسمالي، حتى لو كان رأسمالية الدولة في جزء مهم منه، وميزات النظام الاشتراكي، غير المقلد للتجربة السوفييتية، التي كان فيها الكثير من التجاوزات الماركسية والقيمية… هل أن تلك المحاولات لا تستحق إن تعاد دراستها والتعرف على أسباب فشلها آنذاك والتفكير من جديد في الخروج من تقليد الآخرين والعيش في عباءتهم الاقتصادية، التي يثبت يوماً بعد يوم أنها مليئة بالأزمات والكوارث القيمية والأخلاقية والإنسانية؟
هذه الأسئلة يجب أن نطرحها على أنفسنا كجواب على محاولات الاستعمار الغربي والصهيوني إبعادنا عن كل محاولة عربية ذاتية لبناء اقتصاد عربي تكاملي لا يقل أهمية في متانته ونجاحاته وإسهاماته عن بناء اقتصاد عالمي إنساني عادل، وإبقائنا دوماً تحت مظلاتهم وهيمنتهم الاقتصادية لتسهل عليهم ممارسة الهيمنة السياسية والأمنية والثقافية التي مارسها الاستعمار قبل الاستقلال ونجح في تدمير محاولتنا الذاتية الاقتصادية واستبدالها بالعيش في ظلال النظام العولمي النيوليبرالي الاقتصادي المتوحش، الذي بدأت ألاعيبه وأكاذيبه تكون أكبر فضيحة أخلاقية في عصرنا الذي نعيشه. هذا هو التحدي الكبير الذي نواجهه الآن في ساحة الاقتصاد والتنمية الإنسانية المستقلة.
كاتب بحريني

نيسان ـ نشر في 2026-08-20 الساعة 14:23


رأي: علي محمد فخرو كاتب بحريني

الكلمات الأكثر بحثاً