اتصل بنا
 

هل تتحول سوريا إلى ساحة تجاذب تركي – إسرائيلي؟

كاتب وباحث فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-08-20 الساعة 14:24

نيسان ـ في بيان نشره في ساعة متأخّرة يوم الثلاثاء الماضي، أعلن مكتب بنيامين نتنياهو عن مسؤولية إسرائيل عن القصف الجوّي لمطار أبو الظهور العسكري الواقع في الريف الشرقي لإدلب. وجاء في البيان الإسرائيلي الرسمي، أن «إسرائيل وسوريا اتفقتا على المحافظة على الوضع القائم في المجال الأمني، الذي كانت (سوريا) على وشك أن تخرقه بسماحها لانتشار جنود أتراك في قاعدة جوّية قرب حلب. لقد حُذّرت سوريا مرارا وتكرارا أن مثل هذا الانتشار يشكل تهديدا لأمن إسرائيل. لقد اختارت سوريا تجاهل هذه التهديدات. إسرائيل لن تتساهل مع تهديد أمنها، وسترحّب بالعودة إلى الوضع القائم (المتفق عليه)».
سارعت سوريا إلى نفي الادعاء بوجود اتفاق بصدد «وضع أمني قائم»، وقال مصدر دبلوماسي سوري، إنّ إسرائيل هاجمت المطار، على الرغم من إبلاغها بعدم وجود قوّة أجنبية فيه. الإعلام الإسرائيلي يتحدّث عن تفاهمات صامتة وليس عن اتفاق رسمي، ولكن من المؤكّد أن إسرائيل حذّرت وأن سوريا نفت وجود جنود غير سوريين في الموقع. والبيان الإسرائيلي الرسمي يستعمل تعبير «على وشك»، بمعنى أنّه لم يحدث انتشار، بل إنّه كان قاب قوسين أو أدنى. وادعى مسؤولون إسرائيليون أن توقيت الهجوم الجوّي يتعلق بالانتهاء من ترميم المطار، الذي لم يستعمل منذ عام 2013، ووجود معلومات عن أن تركيا كانت «على وشك» نصب معدّات حربية ونشر قوّات عسكرية في القاعدة الجوّية، التي كانت مهجورة وقامت تركيا وسوريا بتجهيزها للاستعمال المجدد.
بحكم الجغرافيا ليس لتركيا حدود مع إسرائيل، ولكنّها قد تقترب منها عبر الأراضي السورية، وهذا ما تخشاه إسرائيل على المدى البعيد
وتندرج الغارة الإسرائيلية على ما كان على وشك أن يكون تهديدا، ضمن سياسة الأمن الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، التي نقلت مركز الثقل من الاتكاء على الردع إلى الاعتماد على المنع. فالردع بالنسبة للنخب السياسية والأمنية في إسرائيل يتعلّق بالنوايا، والنوايا قابلة للتغيير، أما المنع فيعني تدمير القدرات وإزالة التهديدات بدل المراهنة على عدم استعمالها من قبل «أعداء إسرائيل». لكن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي الجديد يذهب أبعد من ذلك ويعتمد مبدأ «القضاء على القدرات وهي في طور النشوء»، وعدم الانتظار حتى تصبح واقعا. إن معادلة الهجوم لتدمير تهديد آخذ في التشكّل هي استراتيجية أمنية إسرائيلية عامّة، لا تتعلّق بوضع معيّن، بل هو بوصلة إسرائيل في المرحلة الحالية والمقبلة. وهذا مبدأ في غاية الخطورة ويهدد أمن دول وشعوب المنطقة، لأنّه محكوم بمعايير وحسابات إسرائيل، التي تقرر ما تراه «تهديدا يتشكّل» وتتحرّك لتدميره، ما يفضي إلى انفلات عدواني بجميع الاتجاهات «المفتوحة»، والاتجاهات المغلقة هي الفيتو الأمريكي وأراضي دول قوية مثل مصر وتركيا. «التهديد» لأمن إسرائيل، الذي تطرّق إليه بيان رئاسة الوزراء الإسرائيلية هو «المسّ بحرية الطيران الحربي الإسرائيلي في الأجواء السورية». لكن بعد أن دمّرت إسرائيل سلاح الطيران السوري بما فيه الطائرات والرادارات والدفاعات الجوية، إلى جانب تحطيم بقية قدرات الجيش السوري، لم تعد هناك طائرات لاستعمال المطار المرمّم. الادعاء الإسرائيلي هو أن تركيا كانت «على وشك» تحويل المطار إلى قاعدة عسكرية تركية تشمل طائرات ورادارات ودفاعات جوّية، تعرقل حركة الطائرات الإسرائيلية، بالأخص تلك المتجهة عبر كردستان العراق إلى قصف مواقع في غرب إيران. تركيا نفت وسوريا نفت، وقد يكون قصف مدرجات الأسفلت في المطار رسالة تذكير وتحذير لكلا البلدين، بغض النظر عن مدى صحة «الخطر» الذي تدعيه إسرائيل.
تعارض إسرائيل بشدّة الجهود التركية لإعادة تأهيل الجيش السوري، وكذلك ما تسمّيه «حلول تركيا مكان إيران في سوريا»، بما قد يعنيه ذلك من وجود عسكري وتوظيف قدرات الجيش التركي المعروفة في خلق وضع جيو استراتيجي جديد ليس في مصلحة إسرائيل. بالمجمل تنظر إسرائيل بقلق شديد إلى تمدد نفوذ تركيا وإلى شراكاتها الاستراتيجية مع دول عربية وإسلامية، وهي مرعوبة من إمكانية نشر قوات ودفاعات جوية تركية في سوريا وتخشى أيضا أن يقوم الرئيس رجب الطيب أردوغان بالسعي إلى ضم سوريا إلى اتفاق مكّة الثلاثي، الذي يشمل كلا من السعودية وباكستان وتركيا، وقد تنضم إليه مصر لاحقا. في ربيع 2025، توصلت إسرائيل وتركيا إلى اتفاق «منع الاحتكاك» في سوريا، وشمل الاتفاق إنشاء «خط ساخن» بين الجيشين لتفادي المواجهة بالخطأ، أو سوء التقدير وتبادل المعلومات الضرورية للتنسيق المسبق لتفادي الصدام. ووفق الاتفاق «تقبل» إسرائيل بالوجود العسكري التركي البري شمال سوريا، لكنّها ترى في نشر رادارات ودفاعات جوية «خطّا أحمر». يبدو أن إسرائيل لم تبلغ تركيا (ولا سوريا) سلفا بالغارة، ووفق ما قاله المبعوث الخاص توم براك فإنّه كان من المحتمل أن يحدث صدام عسكري، لأن الجيش التركي شاهد طائرات حربية تقترب من حدوده من دون سابق انذار، وكان الصدام «على الحافّة». واقترح براك إنشاء آلية تنسيق أمني ثلاثية جديدة تشمل إسرائيل وتركيا وسوريا لمنع حدوث الصدامات الميدانية المسلّحة، بعد أن كادت اتفاقية منع الاحتكاك الثنائية أن تفشل في تفادي الارتطام الحربي غير المقصود بين تركيا وإسرائيل.
بحكم الجغرافيا ليس لتركيا حدود مع إسرائيل، ولكنّها قد تقترب منها عبر الأراضي السورية، وهذا ما تخشاه إسرائيل على المدى البعيد. أمّا على المدى القريب فإن ما يقلق الأجهزة الأمنية الإسرائيلية فهو: أوّلا، أن يستعمل سلاح الجو التركي تلك القواعد التي أجّرها الأسد لإيران في عدّة مواقع في انحاء سوريا. وصرّح مصدر عسكري إسرائيلي «لن نسمح بتحويل سوريا إلى ساحة ألعاب تركية»؛ ثانيا، القلق من سلاح البحرية التركي، الذي يشمل 60 سفينة حربية، وحاملات طائرات وأكثر من 12 غوّاصة، وتشير مصادر إسرائيلية بأصابع الاتهام إلى وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بأنّه يُكثر من زيارة سوريا ويقود خطّا متطرّفا وتتهمه إسرائيل حتى بتوجيه السفن التركية للاقتراب أكثر فأكثر من سفن سلاح البحرية الإسرائيلي.
تسعى إسرائيل إلى تحجيم الدور التركي الإقليمي، تبعا لاستراتيجية «الدولة المهينة»، التي لا تخشى أحدا ويخشاها الجميع. ويفترض هذا التوجّه تفوّقا استراتيجيا وعدم نشوء قوى إقليمية منافسة وموازنة، فما بالك بتحالف يشمل دولا بوزن تركيا وباكستان والسعودية وربما مصر. وإسرائيل لا تخشى الدفاعات الجوية التركية في سوريا فحسب، بل ترى في تركيا خصما إقليميا يجب تخريب نفوذه ومنعه من الاقتراب من حدودها ومن جبهاتها القريبة والبعيدة. وتخوض إسرائيل حملة شرسة ضد تركيا باتجاهين: الأوّل، منع توسيع التموضع التركي في سوريا جوّا وبحرا وبرا؛ والثاني، السعي لمحاصرة تركيا في واشنطن لثني الإدارة عن تزويدها بأسلحة متطوّرة وبالأخص طائرات الشبح إف.35. الطامة الكبرى بالنسبة لإسرائيل هي العلاقة المميّزة بين أردوغان وترامب، التي تحد من قدرة إسرائيل على النيل من تركيا.
يجب ألا يترك العالم العربي سوريا فريسة للعدوان الإسرائيلي والمطامع الأمريكية والحسابات التركية. فتركيا تستغل العجز العربي والدعم الأمريكي لتعزيز تأثيرها في سوريا. قد يكون دورها إيجابيا وبنّاء للدولة وللشعب في سوريا شرط ألا تنفرد وحدها في «التأثير»، وأن يكون هناك دور عربي وازن ومؤازر يحفظ لسوريا التوازنات اللازمة لأمنها ولاستقلالها. من حق سوريا أن تبسط سيادتها الكاملة على أراضيها بأكملها، بلا وجود لقوّات أجنبية، بالأخص الاحتلال الإسرائيلي العدواني والاستعماري. وأيضا من حقّها ومن واجبها أن تطلب إخلاء القوات الأمريكية والتركية من أرضها. من الخطأ النظر إلى قصف مطار أبو الظهور على أنّه مشكلة تركية فحسب، فهو مشكلة عربية أساسا. لكن المأساة أنّه ليس هناك وجود فعلي لمفهوم «أمن قومي عربي» يحسب له حساب. ولو كان موجودا لهب العرب لحماية سوريا بالتفاهم مع تركيا على قاعدة حسن الجوار واحترام السيادة ومن منطلق السعي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي سوريا ولحفظ سيادة سوريا على أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية.
كاتب وباحث فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-08-20 الساعة 14:24


رأي: جمال زحالقة كاتب وباحث فلسطيني

الكلمات الأكثر بحثاً