اتصل بنا
 

التعذيب والأبد بين عهدين سوريين

نيسان ـ نشر في 2026-08-20 الساعة 14:24

نيسان ـ لم تعرف سوريا المستقلة زمناً خلا من سوء معاملة أجهزة الدولة الأمنية لعموم الناس. كانت الفلقة في مخافر الشرطة أمراً روتينياً، ولطالما كانت عتبة لجوء الأجهزة المختصة بالإكراه إلى العنف الجسدي، وصولاً إلى التعذيب، منخفضة. لكن سوريا صارت دولة تعذيب في الحقبة الأسدية، منذ سبعينيات القرن العشرين، وأكثر في ثمانينياته. حينها، أخذ يحدث شيئان بالتوازي: ارتفعت الأجهزة الأمنية التي كان التعذيب طبيعتها الثانية إلى مرتبة المؤسسة السياسية الأساسية في البلد، ثم أخذ «الأبد» يصير الشكل المسيطر للزمانية السورية. أخذت سوريا تعيش في حاضر مؤبد، ظاهره عظمة القائد، سيد سوريا وملكها ومالكها، وباطنه أجهزة التأبيد العنيفة ذاتها. خلف هذا التحول في «الوجود والزمان» السوريين أزمة وطنية واجتماعية عنيفة، تفجرت في أواخر السبعينيات، وعولجت بمزيد من العنف، طفرة في التعذيب والقتل بالتعذيب والإعدامات والمجازر والسنين الطوال في السجون.
هل هناك علاقة بين التعذيب والأبد؟ العلاقة بنيوية. من جهة يبدو أنه لا يمكن تحقيق الأبد بغير التعذيب، أو إنتاج الخوف وتوزيعه الواسع في المجتمع بُغية استئصال روح المنازعة الاجتماعية والسياسية منه. الأبد ليس دواماً تلقائياً، ليس استمراراً بسيطاً لشيء قديم. إنه بنية سياسية محروسة بالتعذيب وأخوته (الإعدام، المجزرة، الاعتقال المديد…). ومن جهة أخرى يبدو أن إداريي التعذيب لا يحمون أنفسهم إلا بالمزيد منه، بأن يدوم نظامهم إلى ما لا نهاية. ذلك أنه إن لم نقتلهم فسوف يقتلوننا. كان هذا المنطق الضمني لدولة التعذيب الأسدية.
ولقد وقعت ثورة وحرب وآلام هائلة، وتقلبات لا تصدق، قبل أن تسقط تلك الدولة.
ولهذه الاعتبارات كان أوجب مبدأين دستوريين، بل فوق دستوريين، في سوريا ما بعد الأسدية، هما تحريم التعذيب وتجريم الحكم الأبدي. هذه مضامين جوهرية للثورة السورية، غُيِّبت مثل أشياء كثيرة خلال عشرين شهراً ونيف من حكم أحمد الشرع وصحبه. قبل أيام توفي بعد تعذيبه، في مخفر بلدته الحفة، الشاب محمد غميرة، وبحسب معلومات متداولة فإنه واحد من 12 شخصاً على الأقل قتلوا بالتعذيب أو تحت التعذيب بعد سقوط الحكم الأسدي، ويحتمل أن عدد الضحايا الحقيقي أكبر من ذلك. وفي غير مرة سابقة جرى تعهد بمحاسبة المسؤولين، ثم لم يُعلم ماذا جرى بعدها. هذه المرة كذلك تعهد وزير الداخلية بالمحاسبة وشكل لجنة تحقيق، لكن اللجان وسائل مجربة لدفن القضايا، وليس هناك أي ضمانات بتعامل جدي مع هذه القضية المحددة بعد أن تهدأ الضجة الكبيرة التي أعقبت مقتل غميرة.
هل هناك علاقة بين تكوين الحكم الحالي والتعذيب؟ هناك أكثر من اعتبار يرجح هذه العلاقة ويرشحها لأن تصير علاقة بنيوية بدورها. أولها ما يعرضه الحكم من نزعات استئثارية وحصرية، تستبعد قطاعات واسعة من الجمهور السوري، لمصلحة فريق ذي لون إيديولوجي واحد ومخيلة سياسية يحضر فيها التعذيب والإيذاء الجسدي كشكل مقبول للحكم، مشفوعاً بتاريخ سياسي قريب يعج بمثل هذه الممارسات. الاستئثار يحمي نفسه بالقوة، ويرجح للقوة أن تأخذ شكلا تعذيبياً لسهولة ذلك وقلة كلفته النسبية على قوم يجمعون بين تواضع الكفاءات وقلة الإلفة بالسياسة التعددية والتفاوض الاجتماعي والاعتراف بأنداد. وثانيها ما يحتاجه الاستئثار من ضمان فرص بقائه عبر التأبيد، وما قد يقتضيه هذا من تعذيب وترهيب، ومؤشرات اليوم الخطابية والمؤسسية ترجح بقوة نية الأبد. وثالثها ولوغ بدم سوريين مدنيين ونهب أملاك وإذلال واسع تكرر مرتين في العام الأول من الحكم الحالي تقطع طريق الرجعة المحتمل إلى زمن بلا تعذيب، مع انتشار لخطابات كراهية طائفية لا يبدو أن أحداً من أصحابها قد حوسب أو جرت مساءلته. ورابعها أن مجمل إجراءات العهد خلال ما يقترب من عامين تفتقر إلى الروح التأسيسية، وتعطي للقريب والبعيد انطباعاً بالشكلية والابتذال، فلا تخلف وراءها أثراً تربوياً وأخلاقياً عاماً؛ بالعكس توحي بأن المهم الحقيقي هو الوصول إلى السلطة (وهو ما تحقق)، وإحكام القبضة عليها (وهو ما يجب أن يتحقق). ضربٌ هنا، تعذيبٌ هناك، قتلٌ هنالك، هذا تحقيق للمراد، ربما بصورة خشنة ومحرجة، لكنه ليس خروجاً عليه ولا نقيضاً له.
وفي المجمل، هناك ارتباط متين بين التكوين الأهلي للحكم اليوم (وفي الحقبة الأسدية) والتعذيب. تحريم التعذيب ارتبط بحكم القانون ومبدأ المواطنة والمساواة الحقوقية، وأمة المواطنين، لا بالطوائف والعشائر والتصورات الدينية للأمة. الخيال السياسي الأهلي، إن جاز التعبير، مفعم بقصص الضرب و»التعفيس» وتكسير الرأس وكسر العين و»مين ربك ولاك» و»عوّي ولاك». هذه قصص يرويها أبطالها لأشباههم بسرور، أو حتى بفخر. أين القصة التي تُروى في عدم الضرب؟ في حسن المعاملة؟ في اللطف؟
لا يمكن تحقيق الأبد بغير التعذيب، أو إنتاج الخوف وتوزيعه الواسع في المجتمع بُغية استئصال روح المنازعة الاجتماعية والسياسية منه
ولا يلزم من أجل نفي العلاقة البنيوية بين التعذيب وتكوين الحكم الحالي لجان للتحقيق في ما ينتجه التعذيب من جثث، بل بالأحرى قرار رسمي قطعي بتحريم التعذيب وتجريمه: إعلان أن التعذيب حرام، على نحو ما جرى من قبل بخصوص الديمقراطية، الكلمة التي لا تزال محرمة في خطاب السلطة. وبدل لجان تشكل لقتل القضايا الخاصة بقتل الناس، هل يمكن تخيل لافتات طُرُقية تنشر في البلد، وتقول: التعذيب حرام! أو التعذيب جريمة! أو بلاغاً إلى جميع المخافر والمقرات الأمنية يقول بكلام واضح أن التعذيب محرم؟ أو استصدار قانون يقول إن ممارسة التعذيب جريمة، تحاسب بكذا سنة من السجن، وقد تصل إلى الإعدام إن تسبب التعذيب بالقتل؟ أو كلمة رئاسية تقول إن السوريين الذين عُذِّبوا وتعذبوا كثيراً لن يعذبوا أو تساء معاملتهم من قبل السلطات العمومية بعد اليوم؟
ليس محتماً أن يكون مستقبل سوريا هو ماضيها بمظهر مختلف، استبدال جلادين بجلادين، لكن مع استمرار نظام الجلد والعلاقات السياسية القائمة على التعذيب والخوف. قبل كل شيء يلزم رفع كلفة التعذيب على القائمين به. السخط الواسع الذي عبر عنه على وسائل التواصل الاجتماعي أثر مقتل غميرة مؤثر، ويقتضي الأمر إيجاد آليات للمراقبة بعد الفتور المحتوم للترند خلال يومين أو ثلاثة. للتعذيب والموت تحت التعذيب وأجهزة القتل تحت التعذيب سيرة مشينة في ذاكرة السوريين القريبة والأبعد قليلاً، إلى درجة أنه حتى «طبالي» السلطة لم يقفوا هذه المرة في وجه الإدانة الواسعة للتعذيب وممارسيه، وبعضهم رفعوا الصوت ضدهما.
تجريم الأبد يبدو أعصى منالاً، ويتعارض مع ما يبدو من طبيعة السلطة في مجالنا من العالم، أن تكون مطلقة لا حدود لها في الزمان أو في الوصول إلى أجساد المحكومين. حدودها هي حدود قوتها فقط، لذلك تنزع لأن تكون قوية على من هم أضعف منها وضعيفة أمام من هم أقوى منها.
وخلاصة هذه المناقشة أن الأبد والتعذيب وجهان لبنية اجتماعية سياسية يتعذر التخلص من أحد وجهيها دون التخلص من الآخر. ونعلم أن الأبد هو أقل الأشياء أبدية في عالمنا العربي أو الشرق أوسطي المعاصر. الأبد الأسدي دام بالكاد جيلين، ومن غير المحتمل أن يدوم أبد ما بعد أسدي مثله. فرصه في حياة أوال مرهونة بتعذيب أقل. بتغيير جوهري للبنية.
ويتوحد حظر التعذيب والأبد في فكرة الدستور أو الحكم الدستوري، أي المقيد، الذي له حدود معلومة مقررة في نص يعلو قوانين البلاد ويسودها. اتجهت الدساتير في الحقبة الأسدية والإعلان الدستوري للحكم ما بعد الأسدي إلى ضمان وتحصين سلطة الحاكمين وليس تقييدها. أما حقوق المحكومين التي تنص عليها هذه الوثائق فتبقى بلا ضمان لأن أصحاب السلطة هم من يضعون الدساتير، وليس جمعية تأسيسية منتخبة تمثل الشعب المهدد في حقوقه وحياته إن تنزل الدستور عليه تنزيلاً من أهل السلطة. ومن يمسك بالقلم لا يكتب نفسه بين الأشقياء، يقول المثل الشامي.
الأشقياء هم من يُكتب مصيرهم في غيبتهم.
٭ كاتب سوري

نيسان ـ نشر في 2026-08-20 الساعة 14:24


رأي: ياسين الحاج صالح كاتب سوري

الكلمات الأكثر بحثاً