ربيع الفقر العربي المقبل
نيسان ـ القدس العربي ـ نشر في 2026-08-21 الساعة 10:22
نيسان ـ بلال التليدي٭ كاتب مغربيثمة ثلاث أزمات متداخلة يصعب معها تصور مستقبل إيجابي للأمن العالمي في جميع أبعاده، الأزمة الأولى هي ما نتج عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من أزمة طاقة بل أزمة تجارة عالمية بسبب إقفال المعابر البحرية، والأزمة الثانية، هي المنعطف الذي دخلت إليه الحرب الروسية الأوكرانية، وما يمكن أن يترتب عنه من أزمة غذاء عالمية، فضلا عن تعمق أزمة الطاقة في العالم، أما الأزمة الثالثة، تتعلق بالتغول الإسرائيلي في المنطقة، ومسارات الضيق التي دخلت إليها الأوضاع في كل من لبنان وفلسطين المحتلة وسوريا، بسبب إصرار تل أبيب على توظيف ورقة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وحزب الله اللبناني لخلق مبرر إضافي للاحتلال، ومنع دمشق من أي بناء أي مقدرة عسكرية، ومحاولة استدراك أنقرة هي الأخرى إلى الحرب، وما يترتب عن ذلك من طرح أزمة منظومة الأمن الإقليمي بالمنطقة برمتها.
المعطيات المناخية، وبشكل خاص توسع موجات الحرارة، وامتداد حالات الجفاف يعمق أزمة الغذاء في العالم العربي، بل يرفع إلى الواجهة تحدي الأمن المائي.
كثير من الخبراء الاستراتيجيين الذين يتابعون التحديات الأمنية في مستوياتها المتعددة، يضعون دائرة حمراء على منطقة أوروبا، بوصفها المنطقة الأكثر هشاشة، باعتبار حاجتها إلى الطاقة، ففي نهاية المطاف، لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تؤمن حاجة كل أوروبا من الطاقة، ولا تستطيع الجزائر في الحدود القصوى أن تؤمن إلا جزءا من احتياجاتها الطاقية. لكن هذه الدائرة الحمراء، التي تتبرر بأزمة طاقة تواجهها أوروبا في حالة عدم التوصل إلى حل سياسي بين إيران وواشنطن، تصير سوداء بالنسبة إلى المنطقة العربية، وذلك بسبب من تعدد زوايا التحدي الأمني. فالأمر لا يتعلق فقط بأزمة طاقة بالنسبة للدول العربية التي لا تمتلك مصادرها، وإنما يتعدى الأمر ذلك إلى أزمة غذاء تزيد حدة في الدول العربية التي لا يقوم اقتصادها على تنمية سلاسل الغذاء الداخلية.
الصورة تبدو جد قاتمة، فالدول النفطية، لا تستطيع على المدى الطويل أن تستمر في الإنفاق بتحريك صناديقها السيادية ما دام مضيق هرمز مقفلا، والخيارات البديلة له ممكنة لكن توفيرها يتطلب من جهة استثمارات كبيرة في مدى زمني أطول يمتد سنوات، ويتطلب من جهة أخرى الضمانة الأمنية، فالاستعاضة عن السفن بالاستثمار في بناء أنابيب تحول إلى البحر الأحمر مثلا، يتطلب تأمين هذه الأنابيب، وذلك فيه مخاطر كبيرة في بيئة إقليمية مضطربة في كل من اليمن والسودان، وحتى التفكير في سوريا كأحد البدائل الممكنة، صار خطا أحمر فرضته تل أبيب بسياستها العدوانية.
أما الدول العربية غير الخليجية، خاصة منها التي لا تمتلك مصادر طاقة، فالأمر يزيد تعقيدا، فكلما اتجهت الحرب الروسية الأوكرانية إلى مزيد من التعقيد باستهداف مصادر الطاقة والمساحات الزراعية، تتفاقم أزمة الغذاء في العالم وسيكون نصيب العالم العربي منها الأوفر، وكلما امتد إقفال مضيق هرمز، تزداد أزمة نقص الأسمدة، وتتفاقم معها أزمة الإنتاج الزراعي.
تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تتحدث عن أربع بؤر ساخنة في المنطقة العربية مهددة بشكل كامل بالفقر والمجاعة هي فلسطين، والسودان (وجنوب السودان) والصومال واليمن. لكن تداعيات أزمة مضيق هرمز رفعت التحدي لسقف أعلى، وتسبب في ارتفاع نسب التضخم وانخفاض نسب النمو وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إذ أضحت الدول الأكثر استيرادا للقمح مثل مصر والسعودية والجزائر في دائرة تحدي الأمن الغذائي.
تتفاقم أزمة الغذاء في العالم وسيكون نصيب العالم العربي منها الأوفر، وكلما امتد إقفال مضيق هرمز، تزداد أزمة نقص الأسمدة، وتتفاقم معها أزمة الإنتاج الزراعي
والأمر الأكثر خطورة أن تداعيات هذه الأزمات ستكون أكبر على القارة الإفريقية، وهو ما سينعكس بشكل خطير على بعض الدول العربية لاسيما في شمال إفريقيا.
تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026» الذي أصدرته منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية يشير إلى أن نحو 510 إلى 520 مليون شخص في القارة السمراء سيواجهون الجوع بحلول عام 2030 في ضوء تداعيات النزاع في الشرق الأوسط على تضخم أسعار الغذاء، مقارنة بتقدير أدنى يبلغ 503 ملايين في سيناريو ما قبل النزاعات، ويؤكد التقرير أن نزاع الشرق الأوسط لعام 2026، إلى جانب الظواهر المناخية المتطرفة وخفض المساعدات الإنمائية الرسمية والتمويل الإنساني، يهدد بتقويض المكاسب المحققة في مكافحة الجوع.
تتصدر السودان وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوروندي قائمة الدول المهددة، مما يعني أن الدول العربية، لاسيما شمال إفريقيا وبشكل خاص المغرب، ستكون على موعد مع تحدي تدفق كبير للهجرة الإفريقية، مما سيزيد الوضع تأزما، وسيقلل من قدرة الدول القريبة من أوروبا التحكم في تدفق الهجرة غير النظامية إلى أوروبا.
تطرح هذه التحديات إشكالات خطيرة، تتمحور كلها على قدرة الدول العربية على ضمان الأمن الغذائي في ظل التوترات الإقليمية في المنطقة، فالوضع الاقتصادي، بشكل عام في حال سيناريو استمرار النزاعات في منطقة الشرق الأوسط وبين روسيا وأوكرانيا، مرشح أكثر للتراجع، والشروط الدولية والإقليمية ستضيق من قدرة الدول العربية على توفير الغذاء بسبب الندرة، وهو ما يمكن أن ينشئ شروط سيناريو ربيع فقر عربي محتمل.
في ربيع الثورات العربية، أثار تفجر الوضع الاجتماعي أزمة السياسة في الوطن العربي، وبشكل خاص أزمة الديمقراطية، وتصدر مطلب العدالة الكرامة والحرية والحكامة لائحة أولويات الشعوب العربية في مختلف استطلاعات الرأي المنجزة إلى حدود 2013، ثم، بسبب من خريف الديمقراطية وتراجع الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي في دول الثورة العربية، لاسما مصر وتونس، تغير مزاج الشعوب العربية، وصار مطلب الاستقرار أولى من مطلب العدالة والحرية والكرامة، لكن يبدو الأمر اليوم أكثر تعقيدا، فالأولوية حين ترتبط بالغذاء، يصير السيناريو أكثر قتامة لاسيما في الدول التي تعرف تحديات أمنية أخرى، مثل الأمن المائي، أو تحديات مرتبطة بالشرعية السياسية، ونقص منسوب الثقة في المؤسسات السياسية.
في لغة المواطن العربي، مطلب الحرية والعدالة تطلع جوهري مركز في الذاكرة، لكن يمكن تأجيله إذا كان الاستقرار مهددا، فالاستقرار الذي يضمن لقمة العيش، يستحق معه قدرا من التضحية بتأجيل مطلب الحرية والعدالة، لكن حين يصير مطلب القوت والغذاء ذاته مهددا، يفقد الاستقرار مبرراته، ويعود مطلب العدالة والحرية من جديد ليس كتطلع، بل كمطلب وجودي من أجل تلبية المعاش.
الدول العربية الأكثر تهديدا، لن تكون بالضرورة تلك التي سيكون حجم معاناتها أكبر من أزمة الغذاء، بل تلك التي تتناقص مستويات الشرعية لديها، والتي تعلو درجة عدم الثقة فيها وفي مؤسساتها، والقوى الاجتماعية الأكثر ترشيحا للتأثير في المشهد ستكون بدون شك تلك تتمتع بقدرة أكبر من القدرة على التعبئة الاجتماعية وعلى تعزيز قيم التضامن الاجتماعي.
المعطيات المناخية، وبشكل خاص توسع موجات الحرارة، وامتداد حالات الجفاف يعمق أزمة الغذاء في العالم العربي، بل يرفع إلى الواجهة تحدي الأمن المائي.
كثير من الخبراء الاستراتيجيين الذين يتابعون التحديات الأمنية في مستوياتها المتعددة، يضعون دائرة حمراء على منطقة أوروبا، بوصفها المنطقة الأكثر هشاشة، باعتبار حاجتها إلى الطاقة، ففي نهاية المطاف، لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أن تؤمن حاجة كل أوروبا من الطاقة، ولا تستطيع الجزائر في الحدود القصوى أن تؤمن إلا جزءا من احتياجاتها الطاقية. لكن هذه الدائرة الحمراء، التي تتبرر بأزمة طاقة تواجهها أوروبا في حالة عدم التوصل إلى حل سياسي بين إيران وواشنطن، تصير سوداء بالنسبة إلى المنطقة العربية، وذلك بسبب من تعدد زوايا التحدي الأمني. فالأمر لا يتعلق فقط بأزمة طاقة بالنسبة للدول العربية التي لا تمتلك مصادرها، وإنما يتعدى الأمر ذلك إلى أزمة غذاء تزيد حدة في الدول العربية التي لا يقوم اقتصادها على تنمية سلاسل الغذاء الداخلية.
الصورة تبدو جد قاتمة، فالدول النفطية، لا تستطيع على المدى الطويل أن تستمر في الإنفاق بتحريك صناديقها السيادية ما دام مضيق هرمز مقفلا، والخيارات البديلة له ممكنة لكن توفيرها يتطلب من جهة استثمارات كبيرة في مدى زمني أطول يمتد سنوات، ويتطلب من جهة أخرى الضمانة الأمنية، فالاستعاضة عن السفن بالاستثمار في بناء أنابيب تحول إلى البحر الأحمر مثلا، يتطلب تأمين هذه الأنابيب، وذلك فيه مخاطر كبيرة في بيئة إقليمية مضطربة في كل من اليمن والسودان، وحتى التفكير في سوريا كأحد البدائل الممكنة، صار خطا أحمر فرضته تل أبيب بسياستها العدوانية.
أما الدول العربية غير الخليجية، خاصة منها التي لا تمتلك مصادر طاقة، فالأمر يزيد تعقيدا، فكلما اتجهت الحرب الروسية الأوكرانية إلى مزيد من التعقيد باستهداف مصادر الطاقة والمساحات الزراعية، تتفاقم أزمة الغذاء في العالم وسيكون نصيب العالم العربي منها الأوفر، وكلما امتد إقفال مضيق هرمز، تزداد أزمة نقص الأسمدة، وتتفاقم معها أزمة الإنتاج الزراعي.
تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تتحدث عن أربع بؤر ساخنة في المنطقة العربية مهددة بشكل كامل بالفقر والمجاعة هي فلسطين، والسودان (وجنوب السودان) والصومال واليمن. لكن تداعيات أزمة مضيق هرمز رفعت التحدي لسقف أعلى، وتسبب في ارتفاع نسب التضخم وانخفاض نسب النمو وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إذ أضحت الدول الأكثر استيرادا للقمح مثل مصر والسعودية والجزائر في دائرة تحدي الأمن الغذائي.
تتفاقم أزمة الغذاء في العالم وسيكون نصيب العالم العربي منها الأوفر، وكلما امتد إقفال مضيق هرمز، تزداد أزمة نقص الأسمدة، وتتفاقم معها أزمة الإنتاج الزراعي
والأمر الأكثر خطورة أن تداعيات هذه الأزمات ستكون أكبر على القارة الإفريقية، وهو ما سينعكس بشكل خطير على بعض الدول العربية لاسيما في شمال إفريقيا.
تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026» الذي أصدرته منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية يشير إلى أن نحو 510 إلى 520 مليون شخص في القارة السمراء سيواجهون الجوع بحلول عام 2030 في ضوء تداعيات النزاع في الشرق الأوسط على تضخم أسعار الغذاء، مقارنة بتقدير أدنى يبلغ 503 ملايين في سيناريو ما قبل النزاعات، ويؤكد التقرير أن نزاع الشرق الأوسط لعام 2026، إلى جانب الظواهر المناخية المتطرفة وخفض المساعدات الإنمائية الرسمية والتمويل الإنساني، يهدد بتقويض المكاسب المحققة في مكافحة الجوع.
تتصدر السودان وجنوب السودان والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوروندي قائمة الدول المهددة، مما يعني أن الدول العربية، لاسيما شمال إفريقيا وبشكل خاص المغرب، ستكون على موعد مع تحدي تدفق كبير للهجرة الإفريقية، مما سيزيد الوضع تأزما، وسيقلل من قدرة الدول القريبة من أوروبا التحكم في تدفق الهجرة غير النظامية إلى أوروبا.
تطرح هذه التحديات إشكالات خطيرة، تتمحور كلها على قدرة الدول العربية على ضمان الأمن الغذائي في ظل التوترات الإقليمية في المنطقة، فالوضع الاقتصادي، بشكل عام في حال سيناريو استمرار النزاعات في منطقة الشرق الأوسط وبين روسيا وأوكرانيا، مرشح أكثر للتراجع، والشروط الدولية والإقليمية ستضيق من قدرة الدول العربية على توفير الغذاء بسبب الندرة، وهو ما يمكن أن ينشئ شروط سيناريو ربيع فقر عربي محتمل.
في ربيع الثورات العربية، أثار تفجر الوضع الاجتماعي أزمة السياسة في الوطن العربي، وبشكل خاص أزمة الديمقراطية، وتصدر مطلب العدالة الكرامة والحرية والحكامة لائحة أولويات الشعوب العربية في مختلف استطلاعات الرأي المنجزة إلى حدود 2013، ثم، بسبب من خريف الديمقراطية وتراجع الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي في دول الثورة العربية، لاسما مصر وتونس، تغير مزاج الشعوب العربية، وصار مطلب الاستقرار أولى من مطلب العدالة والحرية والكرامة، لكن يبدو الأمر اليوم أكثر تعقيدا، فالأولوية حين ترتبط بالغذاء، يصير السيناريو أكثر قتامة لاسيما في الدول التي تعرف تحديات أمنية أخرى، مثل الأمن المائي، أو تحديات مرتبطة بالشرعية السياسية، ونقص منسوب الثقة في المؤسسات السياسية.
في لغة المواطن العربي، مطلب الحرية والعدالة تطلع جوهري مركز في الذاكرة، لكن يمكن تأجيله إذا كان الاستقرار مهددا، فالاستقرار الذي يضمن لقمة العيش، يستحق معه قدرا من التضحية بتأجيل مطلب الحرية والعدالة، لكن حين يصير مطلب القوت والغذاء ذاته مهددا، يفقد الاستقرار مبرراته، ويعود مطلب العدالة والحرية من جديد ليس كتطلع، بل كمطلب وجودي من أجل تلبية المعاش.
الدول العربية الأكثر تهديدا، لن تكون بالضرورة تلك التي سيكون حجم معاناتها أكبر من أزمة الغذاء، بل تلك التي تتناقص مستويات الشرعية لديها، والتي تعلو درجة عدم الثقة فيها وفي مؤسساتها، والقوى الاجتماعية الأكثر ترشيحا للتأثير في المشهد ستكون بدون شك تلك تتمتع بقدرة أكبر من القدرة على التعبئة الاجتماعية وعلى تعزيز قيم التضامن الاجتماعي.


