صعود 'التقدميين' في أمريكا: أيّ يسار لأيّ طبقات؟
صبحي حديدي
كاتب عربي
نيسان ـ نشر في 2026-08-21 الساعة 12:19
نيسان ـ في صحيفة الـ»غارديان» البريطانية (وليس في «نيويورك تايمز» الأمريكية مثلاً)، نشر السناتور بيرني ساندرز، الأطول عهداً في الكونغرس والمرشح الرئاسي سنة 2016 و2020، مقالة تخاطب الطبقات الوسطى والشعبية ومحدودة الدخل في الولايات المتحدة؛ ساعياً إلى شرح أسباب صعود عدد غير مألوف من «التقدميين» بين مرشحي الحزب الديمقراطي لانتخابات تجديد الكونغرس وبعض الولايات. وإلى جانب ساندرز نفسه، وأمثال ألكسندرا أوكاسيو ـ كورتيز وإلهان عمر ورو خانا ورشيدة طليب، لائحة متزايدة من أسماء صاعدة تجمع بين انتقاد الأنظمة الفدرالية في ميادين الصحة والخدمات أساساً، وبين إهدار المليارات على سياسة خارجية عمادها مساندة دولة الاحتلال الإسرائيلي وحروبها الإبادية.
الخلاصة الكبرى في مقالة ساندرز هي أنّ انعدام المساواة في الدخل والثروة لا سابق له على امتداد التاريخ الأمريكي، إذْ أنّ نسبة الـ1% في القمة تملك أكثر من 93% في القاع، وثمة رجل واحد يدعى إيلون ماسك يمتلك ثروة تفوق أكثر من 50% من العائلات في أمريكا. وفي الدولة الأغنى على مدار التاريخ، بات الأمريكيون يبغضون العيش يوماً بيوم، والصرف اعتماداً على أجور مؤقتة لتسديد الفواتير والنفقات، والموت في سنّ أبكر مما ينبغي بسبب أمراض التوتر والإحباط والعجز عن توفير تأمين صحي.
وساسة الـ«إستابلشمنت» ووسائل إعلامها تطلق على ظواهر صعود التقدميين تسميات مجازية مثل المجموعات «الراديكالية» أو تيارات «أقصى اليسار» أو التنظيمات «المتطرفة»، أو «الشيوعية» بكلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ وكلّ هذا هراء في ناظر ساندرز، لأنّ مسألة كبرى إثر أخرى جوهرية في برامج التقدميين ليست سوى انعكاس دقيق لما تحتاج إليه غالبية الأمريكيين، وما تصبو إليه. هذا في التشخيص العريض للظاهرة، وأمّا في التفاصيل التكوينية والتكميلية فإنّ ساندرز يسهب في مناقشة 7 ملفات: إصلاح تمويل الحملات، الرعاية الصحية، حماية العمال، زيادة الضرائب على الأثرياء، تنظيم الذكاء الاصطناعي، التبدّل المناخي، والسياسة الخارجية.
والحال أنّ المتابع، المتعمق في قليل وليس حتى في كثير، من حوليات التاريخ الأمريكي الحديث وتحولاته النوعية، لا يملك إلا التبصّر العميق، بعد إحساس الدهشة الأوّل المشروع، إزاء لافتات تُرفع خلال تظاهرات ذات طابع مطلبي واجتماعي؛ تقول التالي مثلاً: «لا يسمّونها صراع طبقات إلا حين نناضل من أجل حقوقنا»، أو «الحرب الوحيدة الحقيقية هي صراع الطبقات»، أو «إنها حرب طبقات وليست حرب ثقافات»، أو «يا أبناء الطبقة العاملة، اتحدوا وحاربوا!»، أو «المال يأتي ويذهب، ولكنّ الصحة لا تُعوّض»…
صحيح، بالطبع، أنّ النبرة احتجاجية عموماً حين تتسيد حراكاً محدد السياق والملابسات، إلا أنّ الكثير من المفردات وصياغاتها تحيل في نهاية المطاف إلى أدبيات الصراع الطبقي المألوفة، أو حتى التقليدية، وتطرح استطراداً هذا السؤال المركب: أيّ يسار أو تيار تقدمي، أو حتى ماركسي كلاسيكي أو مُحدَّث؛ لأيّ الطبقات تحديداً في المجتمع الأمريكي الراهن عموماً، وأمريكا ترامب خصوصاً؟ وهل في الوسع استحضار معركة الطبقات الأبكر في أمريكا، مع الإضراب المليوني للعمال سنة 1877 احتجاجاً على تخفيض الأجور، والذي انتقل كالنار في الهشيم من فرجينيا إلى نيويورك وسان فرنسيسكو؛ على سبيل سابقة تأسيسية، رغم تقادم الأزمنة واختلاف الظروف؟ أم يصحّ، من وجهة أخرى جدلية في الآن ذاته، اقتباس ما يرقى إلى انتفاضات شعبية، سنة 1766 في نيويورك، و1786 في شاي، وعصيان الوسكي في بنسلفانيا سنة 1790؟
وضمن أبرز المسكوت عنه في الرطانة اليمينية، وقسط غير قليل من نظيرتها في أوساط ليبرالية ونيو ـ ليبرالية، ثمة ذلك الزعم المتأصل بأنّ الولايات المتحدة خالية من الطبقات بمعانيها الاجتماعية ـ الاقتصادية وتعريفاتها في الاقتصاد السياسي الماركسي تحديداً؛ وليس ثمة صراع طبقات أو حروب طبقية، على امتداد ما يُسمى «القرن الأمريكي» خصوصاً. كذلك، وعلى سبيل المزيد من إسكات الانشقاق عن ذلك الزعم المشاع قسراً، تُثار حروب مصطنعة ذات عناوين «ثقافية» من حيث المظهر الخارجي، بين «ياقات بيضاء» وأخرى ذات ألوان كامدة، وبين ريف ومدينة، ولون بشرة هنا ومحتد وافد هناك في مواجهة «أصل» يُنسب إليه تفوّق إثني وعقلي وديني؛ تُنفى عنه، اشتراطاً وفي كلّ حال، أيّ ملابسات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية يمكن أن تفضي إلى مفهوم الطبقة، حتى في تعريفاتها الأوسع الفضفاضة.
انعدام المساواة في الدخل والثروة لا سابق له على امتداد التاريخ الأمريكي، إذْ أنّ نسبة الـ1% في القمة تملك أكثر من 93% في القاع، وثمة رجل واحد يدعى إيلون ماسك يمتلك ثروة تفوق أكثر من 50% من العائلات في أمريكا
وفي مطلع العقد الثالث من القرن التاسع عشر كان المفكر السياسي الفرنسي ألكسيس دو توكفيل قد صاغ المصطلح، الذي اتخذ عند البعض صفة نحت لغوي أكثر إطلاقاً من حيث الدلالة، هو «الاستثنائية الأمريكية»؛ استقرّ على هيئة مسرد مزايا فريدة يستأثر بها تاريخ الولايات المتحدة حصرياً: مبادئ الثورة الأمريكية في الحرّية والمساواة والنزعة الفردية والجمهورية، وديمقراطية الأعمال والاقتصاد؛ ثمّ واجب الحكومات الأمريكية تجاه حفظ مبدأ «حكم الشعب، من الشعب، ولأجل الشعب» كما جاء في خطاب أبراهام لنكن الشهير في غتسبرغ سنة 1863.
خلاصات توكفيل أكل الدهر عليها وشرب بعدئذ، ثمّ في أمريكا ترامب على وجه الخصوص، ليس لأنّ مدلولات المصطلح العملية بهتت وخبت، ثمّ انحرفت تماماً عن تلك الأصلية، فحسب؛ بل كذلك لأنّ المدلولات صارت عائقاً أمام نزوع الساسة إلى حشر المصطلح في دائرة واحدة، مفادها أنّ أمريكا ذات امتياز كوني فائق، في أيّ شيء وكلّ شيء. ولقد تكررت مراراً تلك الجملة ذائعة الصيت التي تقول: لا توجد أمّة مثلنا تعتنق، حقاً وبعمق، مبادئ الديمقراطية والمساواة؛ مثلما راجت الفلسفة التي ترى الاستثناء في ما تتمتّع به أمريكا من «هبة»، مسلحة بالقوّة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، تمنح الحقّ وتفرض الواجب للقيام بأيّ فعل على نطاق العالم.
ولأنّ مقام هذه السطور لا يسمح بالذهاب أبعد في تلمّس ظواهر اليسار الأمريكي، تاريخياً وراهناً، على غرار عرض موقع الفلسفة الماركسية في المشهد الأمريكي العام، سياسياً وفكرياً واجتماعياً، ثمّ على أصعد عمالية ونقابية أيضاً؛ فإنّ مناقشة ظواهر صعود «التقدميين» في المنافسات الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي تستوجب طرازاً من التأطير الملموس، الأضيق أيضاً من حيث تعميم المغزى واستخلاص الدروس. ثمة نجاحات لا ريب فيها، لا تغيب عنها في الآن ذاته أنماط من القصور في استيعاب، وبالتالي اعتماد، مناورات تكتيكية صائبة من داخل منظومات الديمقراطية الأمريكية ذاتها، بمحاسنها ومساوئها معاً.
وهكذا فإنّ سؤال العنوان في هذه السطور، بصدد التساؤل عن أيّ يسار لأيّ الطبقات في أمريكا، قد يستوجب استبعاد إجابات تقليدية منتظَرة تضرب صفحاً عن التعقيد الهائل الذي تتسم به منظومات العمل السياسي في الولايات المتحدة؛ حتى إذا كان مشهد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الصارخ، الذي شدد عليه ساندرز في مقالته، لا يحتاج إلى تنظير لجهة أبعاده الطبقية، الفعلية والواقعية والمنظورة والمحسوسة. ولكن لأنّ اقتفاء العدل الاجتماعي هو الأصل في اليسار، أيّ يسار في الواقع، من منظور مادي وتاريخي جدلي؛ فإنّ السؤال قد يُخلّص، تلقائياً، من وطأة التعيين والإفراد والتمييز، حيث لا شرط لوجود «بروليتاريا» أمريكية حتى يندلع صراع طبقي، توافقي أو تناحري، خفيف أو متوسط أو طاحن…
الأمر الذي يتيح للافتة مثل «لا يسمّونها صراع طبقات إلا حين نناضل من أجل حقوقنا» أن تبدأ من الطبقة الوسطى، لتهبط منها إلى طبقات دونها، أو حتى إلى فئات؛ وعندها يُتاح لمفردة «تقدمي» أن تصبح جامعة وشاملة وموحِدة.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
الخلاصة الكبرى في مقالة ساندرز هي أنّ انعدام المساواة في الدخل والثروة لا سابق له على امتداد التاريخ الأمريكي، إذْ أنّ نسبة الـ1% في القمة تملك أكثر من 93% في القاع، وثمة رجل واحد يدعى إيلون ماسك يمتلك ثروة تفوق أكثر من 50% من العائلات في أمريكا. وفي الدولة الأغنى على مدار التاريخ، بات الأمريكيون يبغضون العيش يوماً بيوم، والصرف اعتماداً على أجور مؤقتة لتسديد الفواتير والنفقات، والموت في سنّ أبكر مما ينبغي بسبب أمراض التوتر والإحباط والعجز عن توفير تأمين صحي.
وساسة الـ«إستابلشمنت» ووسائل إعلامها تطلق على ظواهر صعود التقدميين تسميات مجازية مثل المجموعات «الراديكالية» أو تيارات «أقصى اليسار» أو التنظيمات «المتطرفة»، أو «الشيوعية» بكلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ وكلّ هذا هراء في ناظر ساندرز، لأنّ مسألة كبرى إثر أخرى جوهرية في برامج التقدميين ليست سوى انعكاس دقيق لما تحتاج إليه غالبية الأمريكيين، وما تصبو إليه. هذا في التشخيص العريض للظاهرة، وأمّا في التفاصيل التكوينية والتكميلية فإنّ ساندرز يسهب في مناقشة 7 ملفات: إصلاح تمويل الحملات، الرعاية الصحية، حماية العمال، زيادة الضرائب على الأثرياء، تنظيم الذكاء الاصطناعي، التبدّل المناخي، والسياسة الخارجية.
والحال أنّ المتابع، المتعمق في قليل وليس حتى في كثير، من حوليات التاريخ الأمريكي الحديث وتحولاته النوعية، لا يملك إلا التبصّر العميق، بعد إحساس الدهشة الأوّل المشروع، إزاء لافتات تُرفع خلال تظاهرات ذات طابع مطلبي واجتماعي؛ تقول التالي مثلاً: «لا يسمّونها صراع طبقات إلا حين نناضل من أجل حقوقنا»، أو «الحرب الوحيدة الحقيقية هي صراع الطبقات»، أو «إنها حرب طبقات وليست حرب ثقافات»، أو «يا أبناء الطبقة العاملة، اتحدوا وحاربوا!»، أو «المال يأتي ويذهب، ولكنّ الصحة لا تُعوّض»…
صحيح، بالطبع، أنّ النبرة احتجاجية عموماً حين تتسيد حراكاً محدد السياق والملابسات، إلا أنّ الكثير من المفردات وصياغاتها تحيل في نهاية المطاف إلى أدبيات الصراع الطبقي المألوفة، أو حتى التقليدية، وتطرح استطراداً هذا السؤال المركب: أيّ يسار أو تيار تقدمي، أو حتى ماركسي كلاسيكي أو مُحدَّث؛ لأيّ الطبقات تحديداً في المجتمع الأمريكي الراهن عموماً، وأمريكا ترامب خصوصاً؟ وهل في الوسع استحضار معركة الطبقات الأبكر في أمريكا، مع الإضراب المليوني للعمال سنة 1877 احتجاجاً على تخفيض الأجور، والذي انتقل كالنار في الهشيم من فرجينيا إلى نيويورك وسان فرنسيسكو؛ على سبيل سابقة تأسيسية، رغم تقادم الأزمنة واختلاف الظروف؟ أم يصحّ، من وجهة أخرى جدلية في الآن ذاته، اقتباس ما يرقى إلى انتفاضات شعبية، سنة 1766 في نيويورك، و1786 في شاي، وعصيان الوسكي في بنسلفانيا سنة 1790؟
وضمن أبرز المسكوت عنه في الرطانة اليمينية، وقسط غير قليل من نظيرتها في أوساط ليبرالية ونيو ـ ليبرالية، ثمة ذلك الزعم المتأصل بأنّ الولايات المتحدة خالية من الطبقات بمعانيها الاجتماعية ـ الاقتصادية وتعريفاتها في الاقتصاد السياسي الماركسي تحديداً؛ وليس ثمة صراع طبقات أو حروب طبقية، على امتداد ما يُسمى «القرن الأمريكي» خصوصاً. كذلك، وعلى سبيل المزيد من إسكات الانشقاق عن ذلك الزعم المشاع قسراً، تُثار حروب مصطنعة ذات عناوين «ثقافية» من حيث المظهر الخارجي، بين «ياقات بيضاء» وأخرى ذات ألوان كامدة، وبين ريف ومدينة، ولون بشرة هنا ومحتد وافد هناك في مواجهة «أصل» يُنسب إليه تفوّق إثني وعقلي وديني؛ تُنفى عنه، اشتراطاً وفي كلّ حال، أيّ ملابسات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية يمكن أن تفضي إلى مفهوم الطبقة، حتى في تعريفاتها الأوسع الفضفاضة.
انعدام المساواة في الدخل والثروة لا سابق له على امتداد التاريخ الأمريكي، إذْ أنّ نسبة الـ1% في القمة تملك أكثر من 93% في القاع، وثمة رجل واحد يدعى إيلون ماسك يمتلك ثروة تفوق أكثر من 50% من العائلات في أمريكا
وفي مطلع العقد الثالث من القرن التاسع عشر كان المفكر السياسي الفرنسي ألكسيس دو توكفيل قد صاغ المصطلح، الذي اتخذ عند البعض صفة نحت لغوي أكثر إطلاقاً من حيث الدلالة، هو «الاستثنائية الأمريكية»؛ استقرّ على هيئة مسرد مزايا فريدة يستأثر بها تاريخ الولايات المتحدة حصرياً: مبادئ الثورة الأمريكية في الحرّية والمساواة والنزعة الفردية والجمهورية، وديمقراطية الأعمال والاقتصاد؛ ثمّ واجب الحكومات الأمريكية تجاه حفظ مبدأ «حكم الشعب، من الشعب، ولأجل الشعب» كما جاء في خطاب أبراهام لنكن الشهير في غتسبرغ سنة 1863.
خلاصات توكفيل أكل الدهر عليها وشرب بعدئذ، ثمّ في أمريكا ترامب على وجه الخصوص، ليس لأنّ مدلولات المصطلح العملية بهتت وخبت، ثمّ انحرفت تماماً عن تلك الأصلية، فحسب؛ بل كذلك لأنّ المدلولات صارت عائقاً أمام نزوع الساسة إلى حشر المصطلح في دائرة واحدة، مفادها أنّ أمريكا ذات امتياز كوني فائق، في أيّ شيء وكلّ شيء. ولقد تكررت مراراً تلك الجملة ذائعة الصيت التي تقول: لا توجد أمّة مثلنا تعتنق، حقاً وبعمق، مبادئ الديمقراطية والمساواة؛ مثلما راجت الفلسفة التي ترى الاستثناء في ما تتمتّع به أمريكا من «هبة»، مسلحة بالقوّة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، تمنح الحقّ وتفرض الواجب للقيام بأيّ فعل على نطاق العالم.
ولأنّ مقام هذه السطور لا يسمح بالذهاب أبعد في تلمّس ظواهر اليسار الأمريكي، تاريخياً وراهناً، على غرار عرض موقع الفلسفة الماركسية في المشهد الأمريكي العام، سياسياً وفكرياً واجتماعياً، ثمّ على أصعد عمالية ونقابية أيضاً؛ فإنّ مناقشة ظواهر صعود «التقدميين» في المنافسات الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي تستوجب طرازاً من التأطير الملموس، الأضيق أيضاً من حيث تعميم المغزى واستخلاص الدروس. ثمة نجاحات لا ريب فيها، لا تغيب عنها في الآن ذاته أنماط من القصور في استيعاب، وبالتالي اعتماد، مناورات تكتيكية صائبة من داخل منظومات الديمقراطية الأمريكية ذاتها، بمحاسنها ومساوئها معاً.
وهكذا فإنّ سؤال العنوان في هذه السطور، بصدد التساؤل عن أيّ يسار لأيّ الطبقات في أمريكا، قد يستوجب استبعاد إجابات تقليدية منتظَرة تضرب صفحاً عن التعقيد الهائل الذي تتسم به منظومات العمل السياسي في الولايات المتحدة؛ حتى إذا كان مشهد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الصارخ، الذي شدد عليه ساندرز في مقالته، لا يحتاج إلى تنظير لجهة أبعاده الطبقية، الفعلية والواقعية والمنظورة والمحسوسة. ولكن لأنّ اقتفاء العدل الاجتماعي هو الأصل في اليسار، أيّ يسار في الواقع، من منظور مادي وتاريخي جدلي؛ فإنّ السؤال قد يُخلّص، تلقائياً، من وطأة التعيين والإفراد والتمييز، حيث لا شرط لوجود «بروليتاريا» أمريكية حتى يندلع صراع طبقي، توافقي أو تناحري، خفيف أو متوسط أو طاحن…
الأمر الذي يتيح للافتة مثل «لا يسمّونها صراع طبقات إلا حين نناضل من أجل حقوقنا» أن تبدأ من الطبقة الوسطى، لتهبط منها إلى طبقات دونها، أو حتى إلى فئات؛ وعندها يُتاح لمفردة «تقدمي» أن تصبح جامعة وشاملة وموحِدة.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
نيسان ـ نشر في 2026-08-21 الساعة 12:19
رأي: صبحي حديدي كاتب عربي


