ماذا بقي من النائب غير اللقب والنمرة الحمراء؟
نيسان ـ نشر في 2026-08-22 الساعة 17:12
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
إذا وصل نائب في مجلس النواب إلى قناعة بأنه لم يعد نائبا بل "مخلص معاملات"، فالسؤال لا ينبغي أن يكون عن عدد المعاملات التي أنجزها، بل عن الوظيفة التي ضاعت منه في الطريق.
ماذا بقي من النيابة إذا أخذنا منها التشريع والرقابة والمساءلة وتركنا لصاحبها اللقب والنمرة الحمراء وهاتفا لا يتوقف عن استقبال طلبات الخدمات؟
السؤال ليس من عندي تماما. النائب أروى الحجايا، رئيسة كتلة حزب عزم، قالت إنها وصلت إلى قناعة بأنها ليست نائبا بل "مخلص معاملات".
والحق أن العبارة تستحق أكثر من ابتسامة، فالنائب الذي يفترض أن يكون مكانه تحت القبة يشرع القوانين، ويراقب الحكومة، ويناقش الموازنة، ويسائل الوزراء، يجد نفسه يطارد معاملة مواطن، ونقل موظف، وطلب خدمة، وملفا عالقا في دائرة حكومية، وهكذا يصبح النائب مخلص معاملات بدرجة ممثل أمة.
ولا ألوم المواطن كثيرا، حين تضعف ثقته بقدرة المؤسسات على إنجاز معاملته من دون واسطة، سيبحث عمن يفتح له الباب، وحين لا يرى أثرا مباشرا للتشريع والرقابة في حياته اليومية، سيقيس نائبه بعدد المعاملات التي أنجزها له ولأقاربه.
لكن المصيبة أن النائب، عندما يقبل بهذا الدور، يدخل بنفسه إلى المصيدة، فبدلا من أن يصلح الخلل الذي يجعل المواطن محتاجا إلى واسطة، يصبح هو الواسطة، والنائب ليس وحيدا في هذه الملحمة.
لقد فعلنا شيئا مشابها بالصحافي، الصحافي الذي يفترض أن يسأل ويبحث ويشك ويفتش خلف الرواية، تحول بعضه إلى ساعي بريد أنيق، يأخذ البيان من "مصدر مطلع" ويسلمه إلى الجمهور، ولا ينسى أن يضيف "وعلمت مصادرنا" حتى يبدو الظرف البريدي تحقيقا استقصائيا.
لماذا وجع الرأس؟ يأخذ الظرف من هنا، ويسلمه هناك، مع جزيل الشكر.
أما السلطة الرابعة، فقد أصبح جزء منها لا يعرف إن كان يراقب السلطة أم ينتظر منها البيان التالي.
والمعلم لم يسلم هو الآخر، أخذنا صاحب واحدة من أخطر الوظائف في صناعة المجتمع، وجردناه بالتدريج من مكانته حتى أصبح المطلوب منه في كثير من الأحيان أن يكون عريف صف: اجلسوا، اسكتوا، افتحوا صفحة 15، وانتظروا الجرس.
مربي الأجيال الذي يفترض أن يصنع عقولا ويزرع أسئلة ويبني شخصية إنسان، يستهلك جانبا كبيرا من يومه في إدارة الفوضى، ثم نسأله لماذا لم يصنع لنا جيلا مختلفا.
أما الوجيه، فقد اختصرناه إلى طليب عرايس، كانت الوجاهة تعني الحكمة والإصلاح بين الناس وفض النزاعات وتطييب النفوس وتحمل مسؤولية الجماعة، أما اليوم فتحول جزء منها إلى جدول جاهات وصالات أفراح وميكروفون وخطبة محفوظة.
يطلب الوجيه ما جرى الاتفاق عليه أصلا قبل وصوله، ويوافق الطرف الآخر على ما وافق عليه مسبقا، والجميع يعرف نهاية المسرحية، لكن الستارة يجب أن ترتفع كل يوم جمعة.
ثم يأتي المخطط الاقتصادي. في الكتب، الاقتصاد إنتاج واستثمار وتنمية وفرص عمل وصناعة للثروة، أما في نسختنا المحلية المختصرة، فيكاد المخطط الاقتصادي يتحول في نظر الناس إلى لميم ضرائب يحمل آلته الحاسبة ويبحث عن جيب مواطن لا تزال فيها بعض من "الفراطة".
بدلا من السؤال: كيف نكبر الاقتصاد؟ يصبح السؤال: من أين نأتي بالإيراد التالي؟ والفرق هائل بين دولة تبحث عن صناعة الثروة ودولة تبحث عنها في جيوب مواطنيها.
وأخيرا نصل إلى أمين عام الحزب، "أبشركم" فالحزب الذي كان في الأصل فكرة وبرنامج ومشروع للحكم ورؤية للاقتصاد والمجتمع والدولة صار أمينه العام بعد أن أفرغناه من كل ذلك ينه العام مدير قسم: اجتماعات، حضور وغياب، لجان، يافطات، ضيافة، بيانات، وانتظار للتعميم المقبل.
تجلس معه منتظرا أن يحدثك عن شكل الدولة التي يريدها بعد عشر سنوات، فتخرج وأنت تعرف عدد اجتماعات المكتب السياسي هذا الشهر.
رفاقي في هذا العبث، وفي هذا الطقس الذي صارت فيه كاسة الشاي أعمق معنى من بعض البيانات السياسية، ليست الحكاية في الألقاب الساخرة التي أطلقناها على هؤلاء. الحكاية أخطر.
وربما كان السؤال الأبسط والأوجع: ماذا بقي من النائب غير اللقب والنمرة الحمراء؟
إذا وصل نائب في مجلس النواب إلى قناعة بأنه لم يعد نائبا بل "مخلص معاملات"، فالسؤال لا ينبغي أن يكون عن عدد المعاملات التي أنجزها، بل عن الوظيفة التي ضاعت منه في الطريق.
ماذا بقي من النيابة إذا أخذنا منها التشريع والرقابة والمساءلة وتركنا لصاحبها اللقب والنمرة الحمراء وهاتفا لا يتوقف عن استقبال طلبات الخدمات؟
السؤال ليس من عندي تماما. النائب أروى الحجايا، رئيسة كتلة حزب عزم، قالت إنها وصلت إلى قناعة بأنها ليست نائبا بل "مخلص معاملات".
والحق أن العبارة تستحق أكثر من ابتسامة، فالنائب الذي يفترض أن يكون مكانه تحت القبة يشرع القوانين، ويراقب الحكومة، ويناقش الموازنة، ويسائل الوزراء، يجد نفسه يطارد معاملة مواطن، ونقل موظف، وطلب خدمة، وملفا عالقا في دائرة حكومية، وهكذا يصبح النائب مخلص معاملات بدرجة ممثل أمة.
ولا ألوم المواطن كثيرا، حين تضعف ثقته بقدرة المؤسسات على إنجاز معاملته من دون واسطة، سيبحث عمن يفتح له الباب، وحين لا يرى أثرا مباشرا للتشريع والرقابة في حياته اليومية، سيقيس نائبه بعدد المعاملات التي أنجزها له ولأقاربه.
لكن المصيبة أن النائب، عندما يقبل بهذا الدور، يدخل بنفسه إلى المصيدة، فبدلا من أن يصلح الخلل الذي يجعل المواطن محتاجا إلى واسطة، يصبح هو الواسطة، والنائب ليس وحيدا في هذه الملحمة.
لقد فعلنا شيئا مشابها بالصحافي، الصحافي الذي يفترض أن يسأل ويبحث ويشك ويفتش خلف الرواية، تحول بعضه إلى ساعي بريد أنيق، يأخذ البيان من "مصدر مطلع" ويسلمه إلى الجمهور، ولا ينسى أن يضيف "وعلمت مصادرنا" حتى يبدو الظرف البريدي تحقيقا استقصائيا.
لماذا وجع الرأس؟ يأخذ الظرف من هنا، ويسلمه هناك، مع جزيل الشكر.
أما السلطة الرابعة، فقد أصبح جزء منها لا يعرف إن كان يراقب السلطة أم ينتظر منها البيان التالي.
والمعلم لم يسلم هو الآخر، أخذنا صاحب واحدة من أخطر الوظائف في صناعة المجتمع، وجردناه بالتدريج من مكانته حتى أصبح المطلوب منه في كثير من الأحيان أن يكون عريف صف: اجلسوا، اسكتوا، افتحوا صفحة 15، وانتظروا الجرس.
مربي الأجيال الذي يفترض أن يصنع عقولا ويزرع أسئلة ويبني شخصية إنسان، يستهلك جانبا كبيرا من يومه في إدارة الفوضى، ثم نسأله لماذا لم يصنع لنا جيلا مختلفا.
أما الوجيه، فقد اختصرناه إلى طليب عرايس، كانت الوجاهة تعني الحكمة والإصلاح بين الناس وفض النزاعات وتطييب النفوس وتحمل مسؤولية الجماعة، أما اليوم فتحول جزء منها إلى جدول جاهات وصالات أفراح وميكروفون وخطبة محفوظة.
يطلب الوجيه ما جرى الاتفاق عليه أصلا قبل وصوله، ويوافق الطرف الآخر على ما وافق عليه مسبقا، والجميع يعرف نهاية المسرحية، لكن الستارة يجب أن ترتفع كل يوم جمعة.
ثم يأتي المخطط الاقتصادي. في الكتب، الاقتصاد إنتاج واستثمار وتنمية وفرص عمل وصناعة للثروة، أما في نسختنا المحلية المختصرة، فيكاد المخطط الاقتصادي يتحول في نظر الناس إلى لميم ضرائب يحمل آلته الحاسبة ويبحث عن جيب مواطن لا تزال فيها بعض من "الفراطة".
بدلا من السؤال: كيف نكبر الاقتصاد؟ يصبح السؤال: من أين نأتي بالإيراد التالي؟ والفرق هائل بين دولة تبحث عن صناعة الثروة ودولة تبحث عنها في جيوب مواطنيها.
وأخيرا نصل إلى أمين عام الحزب، "أبشركم" فالحزب الذي كان في الأصل فكرة وبرنامج ومشروع للحكم ورؤية للاقتصاد والمجتمع والدولة صار أمينه العام بعد أن أفرغناه من كل ذلك ينه العام مدير قسم: اجتماعات، حضور وغياب، لجان، يافطات، ضيافة، بيانات، وانتظار للتعميم المقبل.
تجلس معه منتظرا أن يحدثك عن شكل الدولة التي يريدها بعد عشر سنوات، فتخرج وأنت تعرف عدد اجتماعات المكتب السياسي هذا الشهر.
رفاقي في هذا العبث، وفي هذا الطقس الذي صارت فيه كاسة الشاي أعمق معنى من بعض البيانات السياسية، ليست الحكاية في الألقاب الساخرة التي أطلقناها على هؤلاء. الحكاية أخطر.
وربما كان السؤال الأبسط والأوجع: ماذا بقي من النائب غير اللقب والنمرة الحمراء؟


