كارثة الهيمالايا.. كيف حول انهيار جليدي بحجم 28 ملعب كرة قدم الوادي الحدودية إلى جدار طيني قاتل
نيسان ـ نشر في 2026-08-27 الساعة 12:51
نيسان ـ كان المشهد أقرب إلى مشاهد أفلام الخيال العلمي التي تحاكي الكوارث الطبيعية، جدار أسود كثيف من الماء والطين والصخور يندفع بهدير هائل عبر الوادي، فيما يركض السكان مذعورين بحثاً عن مرتفع يقيهم السيل، قبل أن تختفي طرق وجسور ومبانٍ كاملة تحت الكتلة الجارفة. وخلال ساعات، انتشرت المقاطع المصوّرة للكارثة عبر منصات التواصل وشاشات العالم، ناقلةً لحظات الهلع التي عاشتها المنطقة الحدودية بين نيبال والتبت صباح 26 أغسطس الجاري.
في دقائق معدودة، تحوّل انهيار جليدي هائل في أعالي الهيمالايا إلى واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة؛ إذ انفصلت كتلة ضخمة من الجليد والصخور (ما يوازي 28 ملعباً دولياً لكرة القدم) من ارتفاع يتجاوز خمسة آلاف متر، وهوت نحو قاع الوادي، قبل أن تذوب وتتضخم لتتحول في طريقها إلى موجة جارفة من المياه والطين والحجارة، اجتاحت القرى والطرق والجسور ومحطات الطاقة في اندفاعها جنوباً.
وأعلنت السلطات، وفق أحدث حصيلة متاحة وقت كتابة هذا التقرير، انتشال 165 جثماناً، فيما لا يزال نحو 1500 شخص في عداد المفقودين في نيبال والتبت الصينية، بينهم مئات الأجانب الذين كانوا في المنطقة للسياحة أو العمل. ويُتوقع ارتفاع عدد الضحايا مع اتساع نطاق عمليات البحث وتمكّن فرق الإنقاذ من الوصول إلى المناطق التي عزلتها السيول والانهيارات، بحسب وكالة رويترز.
تشير صور الأقمار الاصطناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابس» وحللها علماء الجليد إلى أن جزءاً من الطرف السفلي لنهر جليدي انفصل عند ارتفاع يقارب 5200 متر، ثم هوى مسافة عمودية تقدر بنحو 1200 متر إلى قاع الوادي.
وتقدر التحليلات الأولية مساحة الكتلة المنهارة بنحو 0.2 كيلومتر مربع (قرابة 28 ملعب كرة قدم بالحجم الدولي). وأثناء سقوطها اكتسبت الكتلة طاقة وسرعة هائلتين، واصطدمت بالصخور والمنحدرات، ففتت أجزاء إضافية من الجبل وجرفت معها كميات كبيرة من التراب والحجارة.
لم يكن ما اندفع إلى الوادي ماءً فقط، بل مزيجاً بالغ الكثافة من الجليد والثلوج، والمياه الناتجة عن الذوبان السريع، والصخور الكبيرة والحصى والطين والرواسب، والأشجار والمنشآت التي جرفها السيل لاحقاً.
ولهذا كانت قوته التدميرية أكبر كثيراً من قوة فيضان نهري عادي؛ فالصخور والطين يتحركان داخل الموجة ككتلة كاشطة تصطدم بالمباني والجسور وتقتلعها من أساساتها.
هل وقع زلزال وتسبب في انهيار النهر الجليدي؟
اعتقدت التقارير الأولى أن زلزالاً بلغت قوته 4.4 درجات سبق الانهيار وربما تسبب فيه. لكن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أعادت تحليل الإشارات الزلزالية، وخلصت إلى أنه لم يقع زلزال تكتوني في ذلك الوقت.
وما سجلته أجهزة الرصد بوصفه هزة بقوة 5.2 درجات كان في الواقع الطاقة الزلزالية الناتجة عن ارتطام كتلة الجليد والصخور بقاع الوادي، ثم تحرك سيل الحطام. أي إن الهزة كانت نتيجة الانهيار وليست سببه، وفق المعطيات الحالية.
ولا يزال السبب المباشر لانفصال الكتلة الجليدية موضع تحقيق، لكن العلماء يرجحون اجتماع عدة عوامل طبيعية ومناخية، وليس عاملاً واحداً.
حرارة مرتفعة وذوبان سريع
أظهرت صور الأقمار الاصطناعية أن كميات كبيرة من الثلوج اختفت من المنطقة خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة للكارثة، وتحولت مساحات كانت مغطاة بالثلج إلى جليد مكشوف. ويشير ذلك إلى مرور المنطقة بفترة دافئة سرعت ذوبان الثلوج.
يتسلل ماء الذوبان إلى الشقوق الواقعة داخل النهر الجليدي وتحته، فيؤدي إلى نتيجتين خطرتين:
الأولى أنه يوسّع الشقوق عندما يتجمد ويذوب مراراً، والثانية أنه يعمل طبقة انزلاق بين الجليد والصخور التي يستقر عليها. ومع ازدياد الماء وفقدان الكتلة تماسكها، يصبح جزء من النهر الجليدي قابلاً للانفصال والتحرك على المنحدر.
ذوبان التربة الصقيعية
تحتفظ التربة الصقيعية بالصخور متماسكة على المنحدرات الشديدة، حتى إن علماء الجليد يصفونها بأنها «الغراء» الذي يربط أجزاء الجبل. لكن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ذوبان هذا الجليد الدائم، فتفقد الصخور تماسكها، وتتزايد احتمالات سقوط أجزاء من الجبل والنهر الجليدي معاً.
وتشهد منطقة الهيمالايا ارتفاعاً في درجات الحرارة أسرع بنحو مرتين من المتوسط العالمي. وبحسب بيانات الأمم المتحدة، فقدت جبال نيبال قرابة ثلث جليدها خلال ما يزيد قليلاً على ثلاثة عقود، وتسارع ذوبان الأنهار الجليدية في الهيمالايا بنسبة 65% بين عامي 2011 و2020 مقارنة بالعقد السابق. المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال
ومع ذلك، يحذر العلماء من نسبة حادثة بعينها بصورة قاطعة إلى تغير المناخ قبل استكمال التحليل الميداني. المؤكد أن الاحترار يزيد هشاشة الأنهار الجليدية والمنحدرات، أما مقدار إسهامه المباشر في هذا الانهيار تحديداً فلا يزال قيد الدراسة.
كيف تحوّل الانهيار إلى فيضان كارثي؟
سقطت كتلة الجليد والصخور في مجرى نهر «ليندي خولا» الجبلي. وتشير تحليلات المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال إلى أن الركام ربما سد مجرى النهر مؤقتاً، فتجمعت المياه خلف حاجز طبيعي من الجليد والصخور والطين.
لكن هذا النوع من السدود هش وغير مستقر. وعندما ارتفع منسوب الماء أو انهار جزء من الحاجز، اندفعت الكمية المحتجزة دفعة واحدة إلى أسفل الوادي.
تكوّنت بذلك سلسلة متتابعة من الأحداث:
انهيار كتلة الجليد والصخور، ثم انسداد مؤقت لمجرى النهر، فتراكمت المياه خلف الحاجز، لينهار الحاجز وتنطلق موجة مفاجئة، حملت معها مزيداً من الطين والصخور والمياه إلى الموجة، ليتضخم السيل كلما تقدم داخل الوادي الضيق.
وصلت الموجة إلى معبر غيرونغ الحدودي في التبت، ثم اندفعت عبر نهر ليندي خولا إلى نظام نهري «بهوتي كوشي» و«تريشولي». وفي منطقة غالتشي الواقعة إلى الجنوب، ارتفع منسوب النهر بما يصل إلى تسعة أمتار خلال نصف ساعة فقط، وفق رويترز.
لماذا كانت الخسائر البشرية كبيرة؟
وقعت الكارثة في وديان شديدة الانحدار، حيث تتجمع القرى والطرق والفنادق ومحطات الطاقة في الشريط الضيق المحاذي للنهر. وفي مثل هذه التضاريس، لا تتوافر للسكان مساحات واسعة للابتعاد جانبياً عن مجرى الفيضان.
كما أن الموجة تحركت بسرعة كبيرة، ولم تترك وقتاً كافياً للتحذير أو الإخلاء. وقد جرفت السيول قرى بأكملها وقطعت الطرق ودمرت الجسور ومنشآت كهرومائية وأبراج نقل الكهرباء.
وكان بين المفقودين مئات السياح القادمين من عشرات الدول، ومنهم، وفق البيانات المنشورة، 177 هندياً و63 أمريكياً و53 أوكرانياً و34 أسترالياً و33 بريطانياً و28 ماليزياً و25 كندياً، إضافة إلى تسعة كوريين جنوبيين كانوا يعملون في مشروع للطاقة الكهرومائية.
وتشارك فرق يزيد قوامها على خمسة آلاف فرد من الجيش والشرطة في عمليات البحث، بينما تلقي المروحيات الغذاء والخيام والمساعدات على المناطق المعزولة. وتمكنت فرق الإنقاذ من انتشال أكثر من 100 شخص أحياء، لكن ارتفاع المياه وتدمير الطرق وصعوبة التضاريس يعرقل الوصول إلى مواقع كثيرة، بحسب رويترز.
خطر جديد من بحيرة محتجزة
لا يقتصر الخطر على الموجة التي مرت بالفعل. فقد أعلنت السلطات الصينية اكتشاف بحيرة لا تزال محتجزة خلف سد من الركام في منطقة غيرونغ، أعلى المناطق المنكوبة.
إذا بقي هذا السد مستقراً، يمكن للمياه أن تتسرب تدريجياً. أما إذا انهار فجأة، فقد يطلق موجة ثانية نحو المناطق الواقعة أسفل النهر. لذلك تستمر التحذيرات من الاقتراب من ضفاف الأنهار، حتى بعد انخفاض الموجة الأولى.
وتستطيع كتل الصخور والأشجار أيضاً سد مجرى النهر في مواضع أخرى، وتكوين بحيرات مؤقتة جديدة. ولهذا لا يعني تراجع المنسوب فوراً أن الخطر انتهى.
إلى أين ستذهب هذه المياه؟
المياه التي اندفعت من الجبل لن تبقى كتلة واحدة حتى النهاية، بل ستفقد سرعتها تدريجياً، وتتوزع داخل شبكة من الأنهار والقنوات والسهول الفيضية. وسيتوقف جزء منها في المنخفضات والخزانات، بينما يتسرب جزء إلى التربة والمياه الجوفية أو يتبخر. أما الجزء الذي يبقى داخل المجرى فسيواصل رحلة طويلة من الهيمالايا إلى خليج البنغال.
فعند مدينة ديفغات النيبالية، يلتقي تريشولي بنظام نهر ناراياني. ويتجه ناراياني جنوباً، عابراً منطقة شيتوان ثم الحدود الهندية، حيث يُعرف باسم نهر غانداك. ويواصل غانداك سيره عبر ولايتي أوتار براديش وبيهار، قبل أن يصب في الغانج قرب هاجيبور وسونبور، مقابل منطقة باتنا.
يتحرك الغانج بعد ذلك شرقاً نحو بنغلاديش، حيث يُعرف فرعه الرئيسي باسم بادما، ويلتقي بنظامي براهمابوترا وميغنا، لتصب المياه في النهاية في خليج البنغال. وتؤكد وكالة «ناسا» أن بادما يندمج مع ميغنا قبل أن ينتهي في الخليج.
هل تصل الموجة إلى الهند وبنغلاديش؟
لن تصل إلى خليج البنغال على هيئة الجدار المدمر نفسه الذي ضرب الوديان النيبالية. ففي أعالي الجبال تكون الأودية ضيقة وشديدة الانحدار، فتتركز المياه وتتحرك بسرعة كبيرة. لكن كلما اتجهت جنوباً اتسع مجرى النهر وانخفض انحداره، فتنتشر المياه وتفقد جانباً كبيراً من طاقتها.
كما تختلط مياه الكارثة بالتدفق الطبيعي الضخم لناراياني وغانداك ثم الغانج، فتتحول الموجة الحادة تدريجياً إلى ارتفاع أقل حدة في المنسوب. لذلك يتركز الخطر الأكبر في عشرات ومئات الكيلومترات الأولى من موقع الانهيار.
ومع ذلك، يمكن أن تظهر آثار بعيدة في ولاية بيهار الهندية، خصوصاً إذا تزامنت المياه القادمة من نيبال مع أمطار موسمية غزيرة أو ارتفاع سابق في نهر غانداك.
يشير الخبراء إلى أن معظم الصخور الكبيرة ستترسب في الوديان النيبالية عندما تتراجع سرعة السيل، في حين تستطيع الرمال والطمي الدقيق مواصلة الرحلة لمسافات أطول، وقد يصل جزء منها في نهاية المطاف إلى دلتا الغانج–براهمابوترا وخليج البنغال.
في دقائق معدودة، تحوّل انهيار جليدي هائل في أعالي الهيمالايا إلى واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة؛ إذ انفصلت كتلة ضخمة من الجليد والصخور (ما يوازي 28 ملعباً دولياً لكرة القدم) من ارتفاع يتجاوز خمسة آلاف متر، وهوت نحو قاع الوادي، قبل أن تذوب وتتضخم لتتحول في طريقها إلى موجة جارفة من المياه والطين والحجارة، اجتاحت القرى والطرق والجسور ومحطات الطاقة في اندفاعها جنوباً.
وأعلنت السلطات، وفق أحدث حصيلة متاحة وقت كتابة هذا التقرير، انتشال 165 جثماناً، فيما لا يزال نحو 1500 شخص في عداد المفقودين في نيبال والتبت الصينية، بينهم مئات الأجانب الذين كانوا في المنطقة للسياحة أو العمل. ويُتوقع ارتفاع عدد الضحايا مع اتساع نطاق عمليات البحث وتمكّن فرق الإنقاذ من الوصول إلى المناطق التي عزلتها السيول والانهيارات، بحسب وكالة رويترز.
تشير صور الأقمار الاصطناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابس» وحللها علماء الجليد إلى أن جزءاً من الطرف السفلي لنهر جليدي انفصل عند ارتفاع يقارب 5200 متر، ثم هوى مسافة عمودية تقدر بنحو 1200 متر إلى قاع الوادي.
وتقدر التحليلات الأولية مساحة الكتلة المنهارة بنحو 0.2 كيلومتر مربع (قرابة 28 ملعب كرة قدم بالحجم الدولي). وأثناء سقوطها اكتسبت الكتلة طاقة وسرعة هائلتين، واصطدمت بالصخور والمنحدرات، ففتت أجزاء إضافية من الجبل وجرفت معها كميات كبيرة من التراب والحجارة.
لم يكن ما اندفع إلى الوادي ماءً فقط، بل مزيجاً بالغ الكثافة من الجليد والثلوج، والمياه الناتجة عن الذوبان السريع، والصخور الكبيرة والحصى والطين والرواسب، والأشجار والمنشآت التي جرفها السيل لاحقاً.
ولهذا كانت قوته التدميرية أكبر كثيراً من قوة فيضان نهري عادي؛ فالصخور والطين يتحركان داخل الموجة ككتلة كاشطة تصطدم بالمباني والجسور وتقتلعها من أساساتها.
هل وقع زلزال وتسبب في انهيار النهر الجليدي؟
اعتقدت التقارير الأولى أن زلزالاً بلغت قوته 4.4 درجات سبق الانهيار وربما تسبب فيه. لكن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أعادت تحليل الإشارات الزلزالية، وخلصت إلى أنه لم يقع زلزال تكتوني في ذلك الوقت.
وما سجلته أجهزة الرصد بوصفه هزة بقوة 5.2 درجات كان في الواقع الطاقة الزلزالية الناتجة عن ارتطام كتلة الجليد والصخور بقاع الوادي، ثم تحرك سيل الحطام. أي إن الهزة كانت نتيجة الانهيار وليست سببه، وفق المعطيات الحالية.
ولا يزال السبب المباشر لانفصال الكتلة الجليدية موضع تحقيق، لكن العلماء يرجحون اجتماع عدة عوامل طبيعية ومناخية، وليس عاملاً واحداً.
حرارة مرتفعة وذوبان سريع
أظهرت صور الأقمار الاصطناعية أن كميات كبيرة من الثلوج اختفت من المنطقة خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة للكارثة، وتحولت مساحات كانت مغطاة بالثلج إلى جليد مكشوف. ويشير ذلك إلى مرور المنطقة بفترة دافئة سرعت ذوبان الثلوج.
يتسلل ماء الذوبان إلى الشقوق الواقعة داخل النهر الجليدي وتحته، فيؤدي إلى نتيجتين خطرتين:
الأولى أنه يوسّع الشقوق عندما يتجمد ويذوب مراراً، والثانية أنه يعمل طبقة انزلاق بين الجليد والصخور التي يستقر عليها. ومع ازدياد الماء وفقدان الكتلة تماسكها، يصبح جزء من النهر الجليدي قابلاً للانفصال والتحرك على المنحدر.
ذوبان التربة الصقيعية
تحتفظ التربة الصقيعية بالصخور متماسكة على المنحدرات الشديدة، حتى إن علماء الجليد يصفونها بأنها «الغراء» الذي يربط أجزاء الجبل. لكن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى ذوبان هذا الجليد الدائم، فتفقد الصخور تماسكها، وتتزايد احتمالات سقوط أجزاء من الجبل والنهر الجليدي معاً.
وتشهد منطقة الهيمالايا ارتفاعاً في درجات الحرارة أسرع بنحو مرتين من المتوسط العالمي. وبحسب بيانات الأمم المتحدة، فقدت جبال نيبال قرابة ثلث جليدها خلال ما يزيد قليلاً على ثلاثة عقود، وتسارع ذوبان الأنهار الجليدية في الهيمالايا بنسبة 65% بين عامي 2011 و2020 مقارنة بالعقد السابق. المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال
ومع ذلك، يحذر العلماء من نسبة حادثة بعينها بصورة قاطعة إلى تغير المناخ قبل استكمال التحليل الميداني. المؤكد أن الاحترار يزيد هشاشة الأنهار الجليدية والمنحدرات، أما مقدار إسهامه المباشر في هذا الانهيار تحديداً فلا يزال قيد الدراسة.
كيف تحوّل الانهيار إلى فيضان كارثي؟
سقطت كتلة الجليد والصخور في مجرى نهر «ليندي خولا» الجبلي. وتشير تحليلات المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال إلى أن الركام ربما سد مجرى النهر مؤقتاً، فتجمعت المياه خلف حاجز طبيعي من الجليد والصخور والطين.
لكن هذا النوع من السدود هش وغير مستقر. وعندما ارتفع منسوب الماء أو انهار جزء من الحاجز، اندفعت الكمية المحتجزة دفعة واحدة إلى أسفل الوادي.
تكوّنت بذلك سلسلة متتابعة من الأحداث:
انهيار كتلة الجليد والصخور، ثم انسداد مؤقت لمجرى النهر، فتراكمت المياه خلف الحاجز، لينهار الحاجز وتنطلق موجة مفاجئة، حملت معها مزيداً من الطين والصخور والمياه إلى الموجة، ليتضخم السيل كلما تقدم داخل الوادي الضيق.
وصلت الموجة إلى معبر غيرونغ الحدودي في التبت، ثم اندفعت عبر نهر ليندي خولا إلى نظام نهري «بهوتي كوشي» و«تريشولي». وفي منطقة غالتشي الواقعة إلى الجنوب، ارتفع منسوب النهر بما يصل إلى تسعة أمتار خلال نصف ساعة فقط، وفق رويترز.
لماذا كانت الخسائر البشرية كبيرة؟
وقعت الكارثة في وديان شديدة الانحدار، حيث تتجمع القرى والطرق والفنادق ومحطات الطاقة في الشريط الضيق المحاذي للنهر. وفي مثل هذه التضاريس، لا تتوافر للسكان مساحات واسعة للابتعاد جانبياً عن مجرى الفيضان.
كما أن الموجة تحركت بسرعة كبيرة، ولم تترك وقتاً كافياً للتحذير أو الإخلاء. وقد جرفت السيول قرى بأكملها وقطعت الطرق ودمرت الجسور ومنشآت كهرومائية وأبراج نقل الكهرباء.
وكان بين المفقودين مئات السياح القادمين من عشرات الدول، ومنهم، وفق البيانات المنشورة، 177 هندياً و63 أمريكياً و53 أوكرانياً و34 أسترالياً و33 بريطانياً و28 ماليزياً و25 كندياً، إضافة إلى تسعة كوريين جنوبيين كانوا يعملون في مشروع للطاقة الكهرومائية.
وتشارك فرق يزيد قوامها على خمسة آلاف فرد من الجيش والشرطة في عمليات البحث، بينما تلقي المروحيات الغذاء والخيام والمساعدات على المناطق المعزولة. وتمكنت فرق الإنقاذ من انتشال أكثر من 100 شخص أحياء، لكن ارتفاع المياه وتدمير الطرق وصعوبة التضاريس يعرقل الوصول إلى مواقع كثيرة، بحسب رويترز.
خطر جديد من بحيرة محتجزة
لا يقتصر الخطر على الموجة التي مرت بالفعل. فقد أعلنت السلطات الصينية اكتشاف بحيرة لا تزال محتجزة خلف سد من الركام في منطقة غيرونغ، أعلى المناطق المنكوبة.
إذا بقي هذا السد مستقراً، يمكن للمياه أن تتسرب تدريجياً. أما إذا انهار فجأة، فقد يطلق موجة ثانية نحو المناطق الواقعة أسفل النهر. لذلك تستمر التحذيرات من الاقتراب من ضفاف الأنهار، حتى بعد انخفاض الموجة الأولى.
وتستطيع كتل الصخور والأشجار أيضاً سد مجرى النهر في مواضع أخرى، وتكوين بحيرات مؤقتة جديدة. ولهذا لا يعني تراجع المنسوب فوراً أن الخطر انتهى.
إلى أين ستذهب هذه المياه؟
المياه التي اندفعت من الجبل لن تبقى كتلة واحدة حتى النهاية، بل ستفقد سرعتها تدريجياً، وتتوزع داخل شبكة من الأنهار والقنوات والسهول الفيضية. وسيتوقف جزء منها في المنخفضات والخزانات، بينما يتسرب جزء إلى التربة والمياه الجوفية أو يتبخر. أما الجزء الذي يبقى داخل المجرى فسيواصل رحلة طويلة من الهيمالايا إلى خليج البنغال.
فعند مدينة ديفغات النيبالية، يلتقي تريشولي بنظام نهر ناراياني. ويتجه ناراياني جنوباً، عابراً منطقة شيتوان ثم الحدود الهندية، حيث يُعرف باسم نهر غانداك. ويواصل غانداك سيره عبر ولايتي أوتار براديش وبيهار، قبل أن يصب في الغانج قرب هاجيبور وسونبور، مقابل منطقة باتنا.
يتحرك الغانج بعد ذلك شرقاً نحو بنغلاديش، حيث يُعرف فرعه الرئيسي باسم بادما، ويلتقي بنظامي براهمابوترا وميغنا، لتصب المياه في النهاية في خليج البنغال. وتؤكد وكالة «ناسا» أن بادما يندمج مع ميغنا قبل أن ينتهي في الخليج.
هل تصل الموجة إلى الهند وبنغلاديش؟
لن تصل إلى خليج البنغال على هيئة الجدار المدمر نفسه الذي ضرب الوديان النيبالية. ففي أعالي الجبال تكون الأودية ضيقة وشديدة الانحدار، فتتركز المياه وتتحرك بسرعة كبيرة. لكن كلما اتجهت جنوباً اتسع مجرى النهر وانخفض انحداره، فتنتشر المياه وتفقد جانباً كبيراً من طاقتها.
كما تختلط مياه الكارثة بالتدفق الطبيعي الضخم لناراياني وغانداك ثم الغانج، فتتحول الموجة الحادة تدريجياً إلى ارتفاع أقل حدة في المنسوب. لذلك يتركز الخطر الأكبر في عشرات ومئات الكيلومترات الأولى من موقع الانهيار.
ومع ذلك، يمكن أن تظهر آثار بعيدة في ولاية بيهار الهندية، خصوصاً إذا تزامنت المياه القادمة من نيبال مع أمطار موسمية غزيرة أو ارتفاع سابق في نهر غانداك.
يشير الخبراء إلى أن معظم الصخور الكبيرة ستترسب في الوديان النيبالية عندما تتراجع سرعة السيل، في حين تستطيع الرمال والطمي الدقيق مواصلة الرحلة لمسافات أطول، وقد يصل جزء منها في نهاية المطاف إلى دلتا الغانج–براهمابوترا وخليج البنغال.


