شيطنة الكائنات
إبراهيم نصر الله
روائي وشاعر أردني/ فلسطيني
نيسان ـ نشر في 2026-08-27 الساعة 13:02
نيسان ـ من أسوأ الظواهر التي تفاجئنا في سينما الرعب، الهوليوودية، بشكل خاص، أن تسمع صوتا أمام الباب، وحين تشرعه تكتشف أن الحيوان الأكثر قربا إلى قلبك قد أصبح قاتلك.
في معرفتك، كنت تدرك على الدوام أن الوحوش لها أنياب ومخالب وعيون تقدح في الظلام، وغريزة طليقة، وعداء تاريخي، منذ المواجهة الأولى بين البشر وبينها، أحيانا كانت تَقتُل لتعيش، وأحيانا تَقتُل لكيلا تُقتَل، لكن المفارقة التي تخلقها السينما وكتابات الرعب تقلِب الصورة، فإذا بأجمل الكائنات وأكثرها قربا تتحول في لحظة ما من كائنات لطيفة تقفز مبتهجة وهي تراك عائدًا إلى البيت، إلى كائنات تباغتك بالانقضاض عليك لتلتهمك، وإذا بالقطط الطيبة التي لا يسرّها شيء مثلما يسرّها التمسّح بأقدامك، والنوم قربك وأنت تقرأ، أو مراقبة شاشة التلفزيون برفقتك، تتحوّل إلى كائنات تثير الرعب، بذكاء شيطاني لم يخطر ببال.
تبدأ صناعة الرّعب هذه مما هو يوميّ، يمسّنا، ويمسّ قلوبنا، ويشكل فردًا، أو جزءًا من ملامح العائلة، وتاريخ صغارها النفسيّ والروحيّ وبهجتهم وذكرياتهم. ومع أن العامِلين في السينما تفنّنوا في خلق كائنات لم نرها حتى في كوابيسنا، إلّا أنها لا تكتفي بما تدرّه هذه الكائنات من مليارات، بل تذهب إلى تلك الكائنات الطيبة التي نحبها، أو إلى آخر ما تبقى من ألفة تربطنا بالحيوان البيتيّ، أو ذلك الحيوان اللطيف الذي يتجرأ أحيانا ويعبر الحديقة ليقضم بعض أعشابها، كالأرانب والعزلان، فيراقبه البشر فرحين من خلف الشبابيك، مُحاذرين أن يثيروا فيه الخوف، كي لا يبتعد بسرعة.
كنت أتأمّل ملصقًا لفيلم بطله غزال مؤخرًا، وهو سبب كتابة هذا المقال، وأرى أي رعب ذاك الذي تثيره ملامحه وقد شوهوه تماما، بحيث بات أكثر قدرة على الإفزاع من مخلوقات مفترسة عرفناها.
لقد عشنا حياتنا آمنين وفرحين بالطيور والقطط والغزلان والكلاب والأرانب والحيتان، والألعاب التي نقدمها هدايا لأطفالنا، وفرحين بأطفالنا أنفسهن، وبأمهاتنا أيضا، وآبائنا وجدّاتنا، لكن كل هؤلاء أيضا حوّلتهم أفلام كثيرة إلى مصادر للرعب، تفتك بنا وتطاردنا في الممرات، وتحبسنا في الغرف والأقبية، وهي تحطّم أجمل ما فيها من معان ظلت راسخة في أرواحنا باعتبارها مصادر للجمال والطمأنينة والصحبة الطيبة بل والحماية. لم تتوقف السينما عند ذلك، بل ذهبت إلى إثارة رعبنا واللعِب على أعمق مخاوفنا وهي تشيطن العناكب، والنحل، والأسماك، وغيرها الكثير.
إن زراعة الخوف في داخلنا من كلّ ما نحبه، ومَن نحبه، هو الرّعب الحقيقي، بعد أن كنّا أمضينا قرونا في سعينا المتواصل لأنسنة العلاقة بين الإنسان والكائنات، والإنسان ونفسه.
لكننا هنا لا نستطيع أن نبرئ المخيلة البشرية نفسها في أزمنة قلقها الوجوديّ التي لم تنتهِ بعد، من تمهيد الطريق لكل هذا؛ وتصوير هذه المخلوقات بصورة ملتبسة، وكتاب الشاعر الروماني القديم «أوفيد « «التحوّلات» أو «مسخ الكائنات» الذي ترجمه الدكتور ثروت عكاشة، نموذج يدل على ذلك.
في فيلم «مقبرة الحيوانات الأليفة»، لا يعود القط من الموت كما كان قبل موته، وهنا لا يصبح الرعب في الحيوان، بل في الفكرة التي صار الحيوان يحملها.
لقد تم تدمير المعنى الذي وازن العلاقة بين الإنسان والطبيعة، الإنسان الذي بذل الكثير ليجد المسميات لما حوله من كائنات، وصنّفها في حدود خبرته ومنَحها صفاتها، بل واستعار صفاتها وأسماءها، فهذا اسمه نمر وفهد وذيب وأسد وجواد وصقر وضرغام ونسر وشاهين، ليكون له من هذه الأسماء نصيب ذات يوم، وتلك اسمها غزالة ومها وريم وخولة وأروى ورشا ليكون لهن من أسمائهن نصيب، وليس الأمر مقتصرا على العربية في هذا، بل يمتد إلى لغات كثيرة، لكن تسليع الكائنات وتدمير المعاني يتجمع في الوحش الأكبر من أي وحش: الجشع، إذ أصبح الرّعب هدفا بذاته.
هذا ما فتح الطريق، أيضا أمام إبادة كائنات أخرى بريئة من الاتهامات الموجّهة إليها، أو لم تكن مصدرًا حقيقيًّا للرعب، لتُباد بطريقة تفوق الرّعب. فخارج السينما، نرى أن ذريَّة آدم التي جُنَّت خلال وباء كوفيد كانت تريد أن تتفوَّق على الوباء من دون أن تدري، أو تدري، فبسبب مخاوف بشأن نسخة متحوّرة من فيروس كورونا المستجدّ (يحتمل أن تكون لحيوان المِنك يدٌ في انتشاره، مع أنّ البشر أنفسهم كانوا ينشرون هذا الفايروس أكثر بصورة مؤكّدة)، أعدمتْ الحكومة الدنماركية 15 مليونًا من حيوان المِنك، الجميل واللطيف، معلنة أن أغلبية برلمانية وراء القرار.
وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فمصير المِنك يذكِّرنا أيضًا بأسماك القرش التي تَشنُّ 80 هجومًا في العالم سنويًّا (بعضها بسبب استفزازها) ينتج عنها موت 5-10 أشخاص، بينما يقوم البشر بقتل 80 مليونا إلى 100 مليون سمكة قرش كل عام! وقد تصاعدت هذه الظاهرة بصورة كبيرة بعد ظهور فيلم «الفك» بأجزائه، وما لحقها من أفلام تلَت ذلك الفيلم، وعملت على شيطنة أسماك القرش أكثر، مستعينة بالتكنولوجيا في خلق كائنات أبشع. كما يُذكِّرنا هذا بتطوُّع 45 ألف كائن بشريّ للمساهمة في قتل ثيران البيسون منذ خمسة أعوام، في أميركا، بتهمة تدميرها للموارد الطبيعية في أريزونا، مع أن أجداد هؤلاء الأحفاد لم يكن لديهم هذا السبب حينما قتلوا في الغرب الأمريكي خلال عشرين عامًا، بدءًا من عام 1862 ما مجموعه 60 مليون ثور من أجل جلودها، دون أن ننسى أن قتل هذه الثيران كان جزءا من تطهير الأرض من سكانها الأصليين وأداة من أدوات الحرب، والاستيطان والإفقار والتهجير.
وبعــد:
لا نستطيع إلّا أن نقول إن الإنسان بات يعتقد أنه وحده الذي يملك الحقَّ في تدمير العالم، وإنه الأحقّ بالقيام بفعل التطهير البيئي، وقد عملت سينما الرعب على الحفر عميقا بحثا عن مخاوفنا الرابضة في أعمق أعماقنا، وأثارتها بصورة غير عادية السينما المسلحة بكل ما لديها: الكتابة والصورة والموسيقى والمؤثرات الصوتية والبصرية، حين راحت تحطم أسس علاقة طيبة بذل البشر، ومعهم هذه الحيوانات، الكثير لإرسائها من أجل تجسير العلاقة بينهما، من أجل محو الشكّ والخوف، لتكون عكس ذلك كله.
تأتي سينما الرعب لتشككنا في كل شيء، وهي تطرح علينا ذلك السؤال القاتل: ماذا لو أنّ كلّ ما مرّ ليس أكثر من هدنة بيننا وبين هذه الكائنات، قبل أن يعود كلّ منّا إلى حقيقته؟ زارعةً فينا، ما يفوق إلى حدّ بعيد، خوفنا من كائنات خيالية ابتكرتها، سواء كانت فضائية أو غيرها؛ لا لشيء إلّا لأن أفلام الوحوش المخترعة تنتهي بعد مغادرتنا لقاعات العرض، أما تلك الكائنات الجميلة التي شيطنتها، فإننا حين نعود إلى البيت، ستكون في انتظارنا أمام الباب.
في معرفتك، كنت تدرك على الدوام أن الوحوش لها أنياب ومخالب وعيون تقدح في الظلام، وغريزة طليقة، وعداء تاريخي، منذ المواجهة الأولى بين البشر وبينها، أحيانا كانت تَقتُل لتعيش، وأحيانا تَقتُل لكيلا تُقتَل، لكن المفارقة التي تخلقها السينما وكتابات الرعب تقلِب الصورة، فإذا بأجمل الكائنات وأكثرها قربا تتحول في لحظة ما من كائنات لطيفة تقفز مبتهجة وهي تراك عائدًا إلى البيت، إلى كائنات تباغتك بالانقضاض عليك لتلتهمك، وإذا بالقطط الطيبة التي لا يسرّها شيء مثلما يسرّها التمسّح بأقدامك، والنوم قربك وأنت تقرأ، أو مراقبة شاشة التلفزيون برفقتك، تتحوّل إلى كائنات تثير الرعب، بذكاء شيطاني لم يخطر ببال.
تبدأ صناعة الرّعب هذه مما هو يوميّ، يمسّنا، ويمسّ قلوبنا، ويشكل فردًا، أو جزءًا من ملامح العائلة، وتاريخ صغارها النفسيّ والروحيّ وبهجتهم وذكرياتهم. ومع أن العامِلين في السينما تفنّنوا في خلق كائنات لم نرها حتى في كوابيسنا، إلّا أنها لا تكتفي بما تدرّه هذه الكائنات من مليارات، بل تذهب إلى تلك الكائنات الطيبة التي نحبها، أو إلى آخر ما تبقى من ألفة تربطنا بالحيوان البيتيّ، أو ذلك الحيوان اللطيف الذي يتجرأ أحيانا ويعبر الحديقة ليقضم بعض أعشابها، كالأرانب والعزلان، فيراقبه البشر فرحين من خلف الشبابيك، مُحاذرين أن يثيروا فيه الخوف، كي لا يبتعد بسرعة.
كنت أتأمّل ملصقًا لفيلم بطله غزال مؤخرًا، وهو سبب كتابة هذا المقال، وأرى أي رعب ذاك الذي تثيره ملامحه وقد شوهوه تماما، بحيث بات أكثر قدرة على الإفزاع من مخلوقات مفترسة عرفناها.
لقد عشنا حياتنا آمنين وفرحين بالطيور والقطط والغزلان والكلاب والأرانب والحيتان، والألعاب التي نقدمها هدايا لأطفالنا، وفرحين بأطفالنا أنفسهن، وبأمهاتنا أيضا، وآبائنا وجدّاتنا، لكن كل هؤلاء أيضا حوّلتهم أفلام كثيرة إلى مصادر للرعب، تفتك بنا وتطاردنا في الممرات، وتحبسنا في الغرف والأقبية، وهي تحطّم أجمل ما فيها من معان ظلت راسخة في أرواحنا باعتبارها مصادر للجمال والطمأنينة والصحبة الطيبة بل والحماية. لم تتوقف السينما عند ذلك، بل ذهبت إلى إثارة رعبنا واللعِب على أعمق مخاوفنا وهي تشيطن العناكب، والنحل، والأسماك، وغيرها الكثير.
إن زراعة الخوف في داخلنا من كلّ ما نحبه، ومَن نحبه، هو الرّعب الحقيقي، بعد أن كنّا أمضينا قرونا في سعينا المتواصل لأنسنة العلاقة بين الإنسان والكائنات، والإنسان ونفسه.
لكننا هنا لا نستطيع أن نبرئ المخيلة البشرية نفسها في أزمنة قلقها الوجوديّ التي لم تنتهِ بعد، من تمهيد الطريق لكل هذا؛ وتصوير هذه المخلوقات بصورة ملتبسة، وكتاب الشاعر الروماني القديم «أوفيد « «التحوّلات» أو «مسخ الكائنات» الذي ترجمه الدكتور ثروت عكاشة، نموذج يدل على ذلك.
في فيلم «مقبرة الحيوانات الأليفة»، لا يعود القط من الموت كما كان قبل موته، وهنا لا يصبح الرعب في الحيوان، بل في الفكرة التي صار الحيوان يحملها.
لقد تم تدمير المعنى الذي وازن العلاقة بين الإنسان والطبيعة، الإنسان الذي بذل الكثير ليجد المسميات لما حوله من كائنات، وصنّفها في حدود خبرته ومنَحها صفاتها، بل واستعار صفاتها وأسماءها، فهذا اسمه نمر وفهد وذيب وأسد وجواد وصقر وضرغام ونسر وشاهين، ليكون له من هذه الأسماء نصيب ذات يوم، وتلك اسمها غزالة ومها وريم وخولة وأروى ورشا ليكون لهن من أسمائهن نصيب، وليس الأمر مقتصرا على العربية في هذا، بل يمتد إلى لغات كثيرة، لكن تسليع الكائنات وتدمير المعاني يتجمع في الوحش الأكبر من أي وحش: الجشع، إذ أصبح الرّعب هدفا بذاته.
هذا ما فتح الطريق، أيضا أمام إبادة كائنات أخرى بريئة من الاتهامات الموجّهة إليها، أو لم تكن مصدرًا حقيقيًّا للرعب، لتُباد بطريقة تفوق الرّعب. فخارج السينما، نرى أن ذريَّة آدم التي جُنَّت خلال وباء كوفيد كانت تريد أن تتفوَّق على الوباء من دون أن تدري، أو تدري، فبسبب مخاوف بشأن نسخة متحوّرة من فيروس كورونا المستجدّ (يحتمل أن تكون لحيوان المِنك يدٌ في انتشاره، مع أنّ البشر أنفسهم كانوا ينشرون هذا الفايروس أكثر بصورة مؤكّدة)، أعدمتْ الحكومة الدنماركية 15 مليونًا من حيوان المِنك، الجميل واللطيف، معلنة أن أغلبية برلمانية وراء القرار.
وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فمصير المِنك يذكِّرنا أيضًا بأسماك القرش التي تَشنُّ 80 هجومًا في العالم سنويًّا (بعضها بسبب استفزازها) ينتج عنها موت 5-10 أشخاص، بينما يقوم البشر بقتل 80 مليونا إلى 100 مليون سمكة قرش كل عام! وقد تصاعدت هذه الظاهرة بصورة كبيرة بعد ظهور فيلم «الفك» بأجزائه، وما لحقها من أفلام تلَت ذلك الفيلم، وعملت على شيطنة أسماك القرش أكثر، مستعينة بالتكنولوجيا في خلق كائنات أبشع. كما يُذكِّرنا هذا بتطوُّع 45 ألف كائن بشريّ للمساهمة في قتل ثيران البيسون منذ خمسة أعوام، في أميركا، بتهمة تدميرها للموارد الطبيعية في أريزونا، مع أن أجداد هؤلاء الأحفاد لم يكن لديهم هذا السبب حينما قتلوا في الغرب الأمريكي خلال عشرين عامًا، بدءًا من عام 1862 ما مجموعه 60 مليون ثور من أجل جلودها، دون أن ننسى أن قتل هذه الثيران كان جزءا من تطهير الأرض من سكانها الأصليين وأداة من أدوات الحرب، والاستيطان والإفقار والتهجير.
وبعــد:
لا نستطيع إلّا أن نقول إن الإنسان بات يعتقد أنه وحده الذي يملك الحقَّ في تدمير العالم، وإنه الأحقّ بالقيام بفعل التطهير البيئي، وقد عملت سينما الرعب على الحفر عميقا بحثا عن مخاوفنا الرابضة في أعمق أعماقنا، وأثارتها بصورة غير عادية السينما المسلحة بكل ما لديها: الكتابة والصورة والموسيقى والمؤثرات الصوتية والبصرية، حين راحت تحطم أسس علاقة طيبة بذل البشر، ومعهم هذه الحيوانات، الكثير لإرسائها من أجل تجسير العلاقة بينهما، من أجل محو الشكّ والخوف، لتكون عكس ذلك كله.
تأتي سينما الرعب لتشككنا في كل شيء، وهي تطرح علينا ذلك السؤال القاتل: ماذا لو أنّ كلّ ما مرّ ليس أكثر من هدنة بيننا وبين هذه الكائنات، قبل أن يعود كلّ منّا إلى حقيقته؟ زارعةً فينا، ما يفوق إلى حدّ بعيد، خوفنا من كائنات خيالية ابتكرتها، سواء كانت فضائية أو غيرها؛ لا لشيء إلّا لأن أفلام الوحوش المخترعة تنتهي بعد مغادرتنا لقاعات العرض، أما تلك الكائنات الجميلة التي شيطنتها، فإننا حين نعود إلى البيت، ستكون في انتظارنا أمام الباب.


