الطفل الذي مزّق طائرته قبل أن تقصفها اسرائيل
نيسان ـ مريم مشتاوي ـ نشر في 2026-08-27 الساعة 13:03
نيسان ـ مريم مشتاوي*
لم يكن يحمل سلاحاً. كان يحمل طائرة، طائرة صغيرة من الورق، لا تحتاج إلى مدرج، ولا إلى برج مراقبة، ولا إلى إذن من أحد كي تقلع. صنعها طفل من غزة، كما يصنع الأطفال الأشياء التي يحبونها، بقليل من الورق، وكثير من الخيال. ربما طواها بأصابعه الصغيرة أكثر من مرة حتى استقام جناحاها. ربما رفعها أمام عينيه ليتأكد أنها تشبه الطائرات التي يعرفها. وربما للحظات قليلة، نسي أن للطائرات في غزة معنى آخر. لكن أحداً هدّد بقصف طائرته. وهنا حدث شيء لا ينبغي لطفل أن يتعلمه أبداً، غضب، صرخ، بكى، ثم أمسك طائرته ومزّقها بيديه.
لم ينتظر أن يأتي أحد ليدمرها. لم يتركها للسماء. مزقها بنفسه، كأن طفلاً في عمره اكتشف فجأة قاعدة قاسية من قواعد النجاة: إذا كان ما تحبه سينتزع منك، فربما يكون أقل ألماً أن تقتله أنت بيديك. كانت الطائرة ورقية، نعم ورقية، لكن المشهد لم يكن كذلك، كان حقيقياً إلى درجة موجعة، كان الطفل يمزق الورق بعنف، وفي حركاته الصغيرة غضب أكبر من جسده. غضب إنسان لم يفهم لماذا أصبحت لعبته البسيطة خطراً، ولماذا ينبغي أن يخاف على شيء صنعه بيديه، ولماذا حتى الخيال يحتاج في غزة إلى إذن كي يعيش.
الأطفال في المدن الآمنة يصنعون طائرات ورقية ثم يتشاجرون حول أيها تطير أبعد، يركضون خلفها في الحدائق. يرمونها من الشرفات، يضحكون حين ترتطم بالحائط، وإذا انكسر جناح منها، صنعوا غيرها. أما هذا الطفل، فلم يكن يلعب مع طائرته فقط، كان يعيش معها العلاقة المعقدة التي يعيشها أطفال الحروب مع الأشياء، يحبونها ويخافون عليها في الوقت نفسه، وهذه ربما إحدى أبشع ما تفعله الحروب بالأطفال، إنها لا تكتفي بأن تجعلهم يخافون على حياتهم، بل تجعلهم يخافون على ألعابهم أيضاً، على دميتهم، على سريرهم، على حقيبتهم المدرسية، على صورة معلقة على الحائط، على كوبهم المفضل، على طائرة من ورق، كأن الحرب، حين تدخل بيتاً، لا تسأل عن الأشياء الكبيرة وحدها. تفتش الأدراج الصغيرة أيضاً، تبحث عن أبسط ما يمنح الطفل شعوراً بأن العالم ما زال طبيعياً، ثم تضع الخوف إلى جانبه.
أتساءل ماذا كان يدور في رأس ذلك الصغير وهو يمزق طائرته؟ هل كان غاضباً ممن هدده؟ أم من الطائرة لأنها وضعته في هذا الموقف؟ أم من العالم كله لأنه لم يسمح له بأن يكون طفلاً لبضع دقائق إضافية؟ ربما لم يكن يعرف كيف يسمي ما يشعر به. الأطفال لا يقولون: أنا أشعر بالعجز.
لا يقولون: لقد فقدت إحساسي بالأمان.
لا يقولون: هذا انتهاك لمساحتي النفسية.
الأطفال يصرخون، يركلون، يبكون، ويمزقون طائراتهم، نحن الكبار نملك اللغة لنخفي انهياراتنا داخل الكلمات، أما الطفل فيملك جسده فقط. وحين يعجز عن تغيير العالم، يحاول أن يغيّر الشيء الوحيد الذي ما زال تحت سيطرته، كانت الطائرة بين يديه، لذلك مزقها. وهنا تكمن قسوة المشهد كلها. لقد استعاد الطفل السيطرة على لعبته بالطريقة الوحيدة التي بقيت له. لقد دمّرها بنفسه، كأنه يقول لمن هدده: لن تأخذها مني، لن أترك لك متعة تدميرها، ها أنا أفعلها قبلك، خذ سماءك واترك لي ورقي الممزق، يا لهذا الانتصار الصغير المهزوم! ويا للهزيمة الكبيرة التي يحتاج فيها طفل إلى تدمير لعبته، كي يشعر أنه ما زال يملك قراراً ما.
حين تصبح السماء مكاناً للخوف
ثم إن الطائرة ليست لعبة بريئة تماماً في ذاكرة طفل من غزة، فالطفل الذي يولد في مكان تعبر الطائرات سماءه محملة بالموت، لا يتعلم السماء كما يتعلمها سواه. نحن نقول للطفل: انظر إلى الطائرة. فيرفع رأسه بدهشة، هناك، قد يرفع رأسه بقلق، نحن نربط السماء بالغيوم والسفر والمطارات والعطلات. أما أطفال الحروب، فقد تصبح السماء عندهم مكاناً ينبغي الإصغاء إليه، هل هناك صوت؟ هل يقترب؟ هل سيمر؟ هل سيتوقف؟ حتى السماء، ذلك الشيء الوحيد الذي يفترض ألا يملكه أحد، يمكن للحرب أن تصادره من طفل.
ولهذا بدت الطائرة الورقية في يديه أكثر إيلاماً من مجرد لعبة، ربما كان يصنع، من دون أن يعرف، نسخته الخاصة من السماء. طائرة لا تقصف أحداً، طائرة لا تحمل موتاً، طائرة يقودها طفل، طائرة وجهتها حيث يشاء، طائرة لا تحتاج سوى إلى دفعة صغيرة من يده كي تحلق، ربما أراد أن يصالح نفسه مع شكل الطائرة، أن يحول ذلك الجسم المرتبط بالخوف إلى شيء يمكن الإمساك به والضحك معه والتحكم بمساره. ثم جاء التهديد، وعادت الطائرة إلى معناها القديم، الخطر، فمزقها. في ثوان قليلة، يمكن أن ترى تاريخاً كاملاً من الحرب يمر في وجه طفل، لا نحتاج دائماً إلى صور الأبنية المنهارة كي نفهم معنى الخراب، أحياناً تكفي ورقة، تكفي لعبة، يكفي طفل يبكي لأنه اضطر إلى تمزيق شيء يحبه. فالبيوت يمكن إعادة بنائها، والطرقات يمكن تعبيدها، والنوافذ المكسورة يمكن استبدالها.
لكن ماذا نفعل بالأشياء التي تنكسر داخل الطفل ولا تظهر في الصور؟ من يعيد إليه ثقته بالسماء؟ من يقنعه أن الطائرة يمكن أن تكون رحلة لا غارة؟ أن الصوت العالي قد يكون احتفالاً لا انفجاراً؟ أن الباب حين يطرق لا يحمل دائماً خبراً سيئاً؟ أن ما يحبه ليس بالضرورة مهدداً؟ وأن من حقه أن يصنع شيئاً جميلاً من الورق ثم يحتفظ به؟ ربما سيكبر هذا الطفل يوماً، ربما سينسى شكل الطائرة التي صنعها… سينسى لون الورق، وعدد الطيات، والمكان الذي كان يقف فيه، لكن الجسد يتذكر أحياناً ما تنساه الذاكرة. وقد يبقى في مكان عميق منه ذلك الشعور القديم، يبقى أن الأشياء الجميلة لا تدوم، وأن ما نحبه قد يؤخذ منا فجأة، وأن علينا أن نسبق الفقد قبل أن يسبقنا، وهذه إحدى الجرائم الصامتة للحرب، إنها لا تقتل الحاضر فقط، بل تتسلل إلى المستقبل. تسافر مع الطفل إلى الرجل الذي سيصبحه، تجلس في ذاكرته، في خوفه، في علاقته بالأمان، في طريقته في التعلق بالأشياء والأشخاص، في اللحظة التي يسمع فيها صوت طائرة بعد عشرين عاماً، ولا يعرف لماذا انقبض قلبه، شاهدت الطفل يمزق طائرته، وفكرت أن العالم سيواصل يومه كالمعتاد، ستفتح المطارات أبوابها، ستقلع آلاف الطائرات، سيجلس أطفال آخرون قرب النوافذ يراقبون الغيوم من فوق، ويطلبون العصير، ويتشاجرون على المقعد المطل على السماء، وفي مكان آخر، كان طفل قد مزق طائرته لأنه خاف عليها من القصف. أي مسافة هائلة هذه بين طفولتين تعيشان في الكوكب نفسه؟ طفل يسأل: إلى أين سنسافر هذا الصيف؟ وطفل يريد فقط أن يسمحوا لطائرته الورقية بالبقاء، ربما بعد سنوات لن يتذكر أحد اسم هذه الطائرة، فالورق خفيف، والأخبار كثيرة، ومآسي غزة تتدافع على الشاشات حتى أصبح على المأساة أن تكون أكثر فظاعة من سابقتها كي نتوقف أمامه، لكنني أريد أن أتذكرها، أريد أن أتذكر طفلاً وقف غاضباً أمام العالم، وبدلاً من أن يطلق طائرته في الهواء، مزق جناحيها. لأن بعض مشاهد الحروب لا تحتاج إلى دم كي تكون دامية.
يكفي أن ترى طفلاً يتعلم، باكراً جداً، أن يحمي ما يحب بتدميره. ويكفي أن ترى طائرة من الورق لا تصل إلى السماء، لتفهم كم يمكن أن تكون السماء بعيدة عن طفل. لقد مزق طائرته. لكن ما تمزق أمامنا لم يكن ورقاً فقط.
كان ذلك الجزء الصغير والبديهي من الطفولة الذي يفترض أن يقول للإنسان في بدايات حياته: اصنع ما تشاء، العب، احلم، ولا تخف. وفي غزة، حتى هذه الجملة البسيطة تبدو أحياناً حلماً يحتاج إلى معجزة كي يحلّق.
كاتبة لبنانية
لم يكن يحمل سلاحاً. كان يحمل طائرة، طائرة صغيرة من الورق، لا تحتاج إلى مدرج، ولا إلى برج مراقبة، ولا إلى إذن من أحد كي تقلع. صنعها طفل من غزة، كما يصنع الأطفال الأشياء التي يحبونها، بقليل من الورق، وكثير من الخيال. ربما طواها بأصابعه الصغيرة أكثر من مرة حتى استقام جناحاها. ربما رفعها أمام عينيه ليتأكد أنها تشبه الطائرات التي يعرفها. وربما للحظات قليلة، نسي أن للطائرات في غزة معنى آخر. لكن أحداً هدّد بقصف طائرته. وهنا حدث شيء لا ينبغي لطفل أن يتعلمه أبداً، غضب، صرخ، بكى، ثم أمسك طائرته ومزّقها بيديه.
لم ينتظر أن يأتي أحد ليدمرها. لم يتركها للسماء. مزقها بنفسه، كأن طفلاً في عمره اكتشف فجأة قاعدة قاسية من قواعد النجاة: إذا كان ما تحبه سينتزع منك، فربما يكون أقل ألماً أن تقتله أنت بيديك. كانت الطائرة ورقية، نعم ورقية، لكن المشهد لم يكن كذلك، كان حقيقياً إلى درجة موجعة، كان الطفل يمزق الورق بعنف، وفي حركاته الصغيرة غضب أكبر من جسده. غضب إنسان لم يفهم لماذا أصبحت لعبته البسيطة خطراً، ولماذا ينبغي أن يخاف على شيء صنعه بيديه، ولماذا حتى الخيال يحتاج في غزة إلى إذن كي يعيش.
الأطفال في المدن الآمنة يصنعون طائرات ورقية ثم يتشاجرون حول أيها تطير أبعد، يركضون خلفها في الحدائق. يرمونها من الشرفات، يضحكون حين ترتطم بالحائط، وإذا انكسر جناح منها، صنعوا غيرها. أما هذا الطفل، فلم يكن يلعب مع طائرته فقط، كان يعيش معها العلاقة المعقدة التي يعيشها أطفال الحروب مع الأشياء، يحبونها ويخافون عليها في الوقت نفسه، وهذه ربما إحدى أبشع ما تفعله الحروب بالأطفال، إنها لا تكتفي بأن تجعلهم يخافون على حياتهم، بل تجعلهم يخافون على ألعابهم أيضاً، على دميتهم، على سريرهم، على حقيبتهم المدرسية، على صورة معلقة على الحائط، على كوبهم المفضل، على طائرة من ورق، كأن الحرب، حين تدخل بيتاً، لا تسأل عن الأشياء الكبيرة وحدها. تفتش الأدراج الصغيرة أيضاً، تبحث عن أبسط ما يمنح الطفل شعوراً بأن العالم ما زال طبيعياً، ثم تضع الخوف إلى جانبه.
أتساءل ماذا كان يدور في رأس ذلك الصغير وهو يمزق طائرته؟ هل كان غاضباً ممن هدده؟ أم من الطائرة لأنها وضعته في هذا الموقف؟ أم من العالم كله لأنه لم يسمح له بأن يكون طفلاً لبضع دقائق إضافية؟ ربما لم يكن يعرف كيف يسمي ما يشعر به. الأطفال لا يقولون: أنا أشعر بالعجز.
لا يقولون: لقد فقدت إحساسي بالأمان.
لا يقولون: هذا انتهاك لمساحتي النفسية.
الأطفال يصرخون، يركلون، يبكون، ويمزقون طائراتهم، نحن الكبار نملك اللغة لنخفي انهياراتنا داخل الكلمات، أما الطفل فيملك جسده فقط. وحين يعجز عن تغيير العالم، يحاول أن يغيّر الشيء الوحيد الذي ما زال تحت سيطرته، كانت الطائرة بين يديه، لذلك مزقها. وهنا تكمن قسوة المشهد كلها. لقد استعاد الطفل السيطرة على لعبته بالطريقة الوحيدة التي بقيت له. لقد دمّرها بنفسه، كأنه يقول لمن هدده: لن تأخذها مني، لن أترك لك متعة تدميرها، ها أنا أفعلها قبلك، خذ سماءك واترك لي ورقي الممزق، يا لهذا الانتصار الصغير المهزوم! ويا للهزيمة الكبيرة التي يحتاج فيها طفل إلى تدمير لعبته، كي يشعر أنه ما زال يملك قراراً ما.
حين تصبح السماء مكاناً للخوف
ثم إن الطائرة ليست لعبة بريئة تماماً في ذاكرة طفل من غزة، فالطفل الذي يولد في مكان تعبر الطائرات سماءه محملة بالموت، لا يتعلم السماء كما يتعلمها سواه. نحن نقول للطفل: انظر إلى الطائرة. فيرفع رأسه بدهشة، هناك، قد يرفع رأسه بقلق، نحن نربط السماء بالغيوم والسفر والمطارات والعطلات. أما أطفال الحروب، فقد تصبح السماء عندهم مكاناً ينبغي الإصغاء إليه، هل هناك صوت؟ هل يقترب؟ هل سيمر؟ هل سيتوقف؟ حتى السماء، ذلك الشيء الوحيد الذي يفترض ألا يملكه أحد، يمكن للحرب أن تصادره من طفل.
ولهذا بدت الطائرة الورقية في يديه أكثر إيلاماً من مجرد لعبة، ربما كان يصنع، من دون أن يعرف، نسخته الخاصة من السماء. طائرة لا تقصف أحداً، طائرة لا تحمل موتاً، طائرة يقودها طفل، طائرة وجهتها حيث يشاء، طائرة لا تحتاج سوى إلى دفعة صغيرة من يده كي تحلق، ربما أراد أن يصالح نفسه مع شكل الطائرة، أن يحول ذلك الجسم المرتبط بالخوف إلى شيء يمكن الإمساك به والضحك معه والتحكم بمساره. ثم جاء التهديد، وعادت الطائرة إلى معناها القديم، الخطر، فمزقها. في ثوان قليلة، يمكن أن ترى تاريخاً كاملاً من الحرب يمر في وجه طفل، لا نحتاج دائماً إلى صور الأبنية المنهارة كي نفهم معنى الخراب، أحياناً تكفي ورقة، تكفي لعبة، يكفي طفل يبكي لأنه اضطر إلى تمزيق شيء يحبه. فالبيوت يمكن إعادة بنائها، والطرقات يمكن تعبيدها، والنوافذ المكسورة يمكن استبدالها.
لكن ماذا نفعل بالأشياء التي تنكسر داخل الطفل ولا تظهر في الصور؟ من يعيد إليه ثقته بالسماء؟ من يقنعه أن الطائرة يمكن أن تكون رحلة لا غارة؟ أن الصوت العالي قد يكون احتفالاً لا انفجاراً؟ أن الباب حين يطرق لا يحمل دائماً خبراً سيئاً؟ أن ما يحبه ليس بالضرورة مهدداً؟ وأن من حقه أن يصنع شيئاً جميلاً من الورق ثم يحتفظ به؟ ربما سيكبر هذا الطفل يوماً، ربما سينسى شكل الطائرة التي صنعها… سينسى لون الورق، وعدد الطيات، والمكان الذي كان يقف فيه، لكن الجسد يتذكر أحياناً ما تنساه الذاكرة. وقد يبقى في مكان عميق منه ذلك الشعور القديم، يبقى أن الأشياء الجميلة لا تدوم، وأن ما نحبه قد يؤخذ منا فجأة، وأن علينا أن نسبق الفقد قبل أن يسبقنا، وهذه إحدى الجرائم الصامتة للحرب، إنها لا تقتل الحاضر فقط، بل تتسلل إلى المستقبل. تسافر مع الطفل إلى الرجل الذي سيصبحه، تجلس في ذاكرته، في خوفه، في علاقته بالأمان، في طريقته في التعلق بالأشياء والأشخاص، في اللحظة التي يسمع فيها صوت طائرة بعد عشرين عاماً، ولا يعرف لماذا انقبض قلبه، شاهدت الطفل يمزق طائرته، وفكرت أن العالم سيواصل يومه كالمعتاد، ستفتح المطارات أبوابها، ستقلع آلاف الطائرات، سيجلس أطفال آخرون قرب النوافذ يراقبون الغيوم من فوق، ويطلبون العصير، ويتشاجرون على المقعد المطل على السماء، وفي مكان آخر، كان طفل قد مزق طائرته لأنه خاف عليها من القصف. أي مسافة هائلة هذه بين طفولتين تعيشان في الكوكب نفسه؟ طفل يسأل: إلى أين سنسافر هذا الصيف؟ وطفل يريد فقط أن يسمحوا لطائرته الورقية بالبقاء، ربما بعد سنوات لن يتذكر أحد اسم هذه الطائرة، فالورق خفيف، والأخبار كثيرة، ومآسي غزة تتدافع على الشاشات حتى أصبح على المأساة أن تكون أكثر فظاعة من سابقتها كي نتوقف أمامه، لكنني أريد أن أتذكرها، أريد أن أتذكر طفلاً وقف غاضباً أمام العالم، وبدلاً من أن يطلق طائرته في الهواء، مزق جناحيها. لأن بعض مشاهد الحروب لا تحتاج إلى دم كي تكون دامية.
يكفي أن ترى طفلاً يتعلم، باكراً جداً، أن يحمي ما يحب بتدميره. ويكفي أن ترى طائرة من الورق لا تصل إلى السماء، لتفهم كم يمكن أن تكون السماء بعيدة عن طفل. لقد مزق طائرته. لكن ما تمزق أمامنا لم يكن ورقاً فقط.
كان ذلك الجزء الصغير والبديهي من الطفولة الذي يفترض أن يقول للإنسان في بدايات حياته: اصنع ما تشاء، العب، احلم، ولا تخف. وفي غزة، حتى هذه الجملة البسيطة تبدو أحياناً حلماً يحتاج إلى معجزة كي يحلّق.
كاتبة لبنانية


