الميزانية السبارطية الإسرائيلية خطر على المنطقة
جمال زحالقة
كاتب وباحث فلسطيني
نيسان ـ نشر في 2026-08-27 الساعة 13:05
نيسان ـ ألغيت جلسة الحكومة الإسرائيلية، التي كان من المفروض أن تتم يوم الأربعاء هذا الأسبوع لبحث زيادة إضافية للميزانية العسكرية لهذا العام وللسنوات المقبلة. ويبدو أن التأجيل جاء للتغلّب على عراقيل قانونية وإجرائية، لا تسمح بأي زيادة على الميزانية إلّا مقابل مصدر واضح لتغطية الإضافة، سواء من خلال تقليصات في بنود أخرى، أو قروض، أو دخل إضافي، وقد تطرح من جديد في الفترة القريبة المقبلة.
الإضافة التي يقترحها نتنياهو ضخمة وسترفع الميزانية العسكرية لهذا العام إلى ما يقارب 60 مليار دولار، بعد أن كانت حوالي 20 مليارا عشية السابع من أكتوبر، ما يعني ارتفاع بنسبة ثلاثة أضعاف. كما يطرح نتنياهو مشروع «بناء القوّة»، الذي تبلغ تكلفته حوالي 135 مليار دولار في السنوات الـ13 المقبلة، أي بمعدّل زيادة 10 مليارات دولار على الميزانية العسكرية الجارية، التي من المنتظر أن تستمر في الارتفاع نسبة لما كانت عليه قبل الحرب الحالية.
هذه ليست قضية إسرائيلية داخلية، بل لها أبعاد في غاية الخطورة في المنطقة، فالميزانية هي من أقوى مؤشّرات التوجهات السياسية والأمنية. وما هو مطروح في إسرائيل من إضافات ضخمة دليل على استعداد إسرائيلي لحرب طويلة لا تنتهي، ما يعني انقلابا في العقيدة الأمنية التقليدية، التي انطلقت من مفهوم الحرب الخاطفة. وما يعني أيضا تجهيز قاعدة تسلح وذخيرة تمنح القيادة السياسية الإسرائيلية حرية أوسع في قرار شن الحروب والعمليات العسكرية. نشرت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن سبب تأجيل الجلسة الحكومية هو عدم إتمام إعداد تفاصيل بنود الميزانية المطلوبة وأولوياتها، إذ لم يطرح الجيش ومجلس الأمن القومي ووزارة الأمن إلى الآن بنود «الرؤية الشاملة المفصّلة»، لكن البنود العامة لخطّة «بناء القوّة» باتت معروفة وهي تعكس إلى حد كبير النوايا والمخططات والتقديرات بشأن الإنفاق الأمني بتفرعاته المختلفة، وما يحمله معه من استراتيجيات وسياسات عسكرية ومخابراتية.
الميزانية هي من أقوى مؤشّرات التوجهات السياسية والأمنية. وما هو مطروح في إسرائيل من إضافات ضخمة دليل على استعداد إسرائيلي لحرب طويلة لا تنتهي
لا يقتصر الأمر على خطة لشراء المزيد من الأسلحة. ما يريده نتنياهو هو بناء نمط عسكري جديد: جيش أكبر بكثير بديلا عن نموذج «الجيش الصغير الذكي»، الذي تبنته النخب الأمنية الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر؛ مخزون ضخم من الذخائر والمعدات والأسلحة يكفي لمواجهات عسكرية طويلة على جبهات متعددة، بعد مغادرة عالم الحروب السريعة في جبهات منفصلة؛ الاعتماد على الإنتاج المحلي للأسلحة والذخائر، بعد سنوات طويلة من الاستناد إلى المخازن الأمريكية، كما تشمل الخطة الجديدة تقوية سلاح الجو وتوسيعه، بحيث تكون إسرائيل قادرة على شن حرب على إيران لوحدها إذا لزم الأمر.
استراتيجية الأمن بالأرقام
على غرار مقولة «الميزانية هي السياسة مكتوبة بلغة الأرقام»، يمكن القول بالمعنى نفسه إن «الميزانية العسكرية هي الاستراتيجية الأمنية مكتوبة بلغة الأرقام»، كما أنّها في الوقت نفسه المرآة العملية للعقيدة الأمنية، التي تقع في خلفيتها، فالعقيدة تحدد المبادئ العامة لمواجهة المخاطر وتحقيق الغايات، والاستراتيجية تترجمها إلى خطط وأهداف وأولويات، ثم تأتي الميزانية لتحوّل الخيارات الاستراتيجية إلى قوّات وطائرات وصواريخ ومخزونات ومصانع أسلحة وأجهزة لكترونية استخباراتية. من هنا لا يكفي الإصغاء إلى خطابات القادة، والطريقة الأكثر دقة لاستكشاف العقيدة الأمنية الحقيقية هي متابعة الأغراض التي تخصص لها الميزانيات والقدرات التي يجري بناؤها. الميزانية تكشف إلى حد بعيد نوع الحرب التي تتوقعها الدولة والحرب التي تريد أن تكون قادرة على شنّها، حين تقرر شنّها.
فرضيات وأهداف
الفرضيات والاستراتيجيات والأهداف الماثلة في خلفية الميزانية العسكرية الإسرائيلية المتضخّمة كثيرة ومتعددة وتلامس مجالات مختلفة، ويمكن تلخيص أهمها بما يلي:
أولا، من الردع إلى المنع: التغيير الأهم في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، هو نقل مركز الثقل من الاتكّاء على الردع كركيزة أساسية إلى اعتماد المنع كمحور الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية. صحيح أن الضربات الاستباقية واستراتيجية المنع وجز العشب كانت قائمة طوال الوقت، وأخذت شكل «المعركة بين الحروب» في العقد الذي سبق السابع من أكتوبر، إلّا أنها أُديرت لتبقى تحت عتبة الحرب الشاملة، بمعنى أن إسرائيل حرصت على أن تبقى العمليات العسكرية محدودة، ولا تستثير صداما عسكريا واسعا. أما استراتيجية المنع الجديدة فهي تقوم على أن على الجيش الإسرائيلي إزالة التهديدات مهما كان الثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو نشوب حرب شاملة. هذا يتطلّب ميزانيات ضخمة وبناء قدرات دفاعية وهجومية كافية للقيام بعمليات تدمير لقدرات «العدو»، من دون الخشية من اندلاع حرب شاملة. التكلفة الباهظة تأتي لضمان قدرة إسرائيل على خوض حرب شاملة وحتى لا ترتدع منها حين تقوم بتدمير قدرات تعتبرها «تهديدا لأمنها». والتفسير الإسرائيلي للتهديد واسع جدا، فهو يشمل مثلا سيادة سوريا على أجوائها باعتباره اعتداء على إسرائيل!
ثانيا، إيران هي التهديد الأكبر: خطة الزيادة الضخمة في الميزانية العسكرية تعني الاعتراف عمليا بفشل الحرب على إيران في تحقيق أهدافها. ويستند الجيش الإسرائيلي في مطالبته بهذه المبالغ إلى تقييمات استخباراتية تفيد بتعاظم قوة إيران الصاروخية، واحتمالية تحولها إلى دولة عتبة نووية خلال سنوات، ما يتطلب تقوية سلاح الجو الإسرائيلي، وزيادة عدد طائرات القتال والتزويد بالوقود واستثمار كبير في النشاط المخابراتي، إضافة إلى تمويل أنظمة دفاع وهجوم بعيدة المدى. إسرائيل ترصد مبالغ طائلة لسيناريو أنها تخوض حربا شاملة ضد إيران لوحدها بلا مشاركة أمريكية مباشرة.
ثالثا، حرب لا تنتهي: تشير الزيادة الضخمة في الإنفاق العسكري إلى توقع استمرار المواجهات والتوترات الأمنية في عدة جبهات. وهذا لا يعكس موقف اليمين الإسرائيلي وحده، فالمؤسسة الأمنية لها التوجه ذاته، ما يعني أن ذهاب نتنياهو المحتمل لن يغيّر الاستراتيجيات الأمنية بشكل جوهري.
رابعا، جيش كبير: تعكس الزيادة المقترحة انقلاباً تدريجياً على العقيدة التي سادت قبل السابع من أكتوبر. فقد قامت تلك العقيدة على «جيش صغير وذكي»، وعلى التفوق الاستخباراتي والجوي والردع والإنذار المبكر، وعلى افتراض أن إسرائيل تستطيع إدارة التهديدات وخوض حملات قصيرة من دون الحاجة إلى حرب واسعة وممتدة. لكن الحرب كشفت هشاشة هذه الفرضيات، وأظهرت النقص في القوات البرية والمخزونات والذخائر والقدرة على القتال المتواصل في أكثر من ساحة.
خامسا، التصنيع المحلي: ترصد الخطة الجديدة ميزانيات كبيرة للصناعات العسكرية الإسرائيلية في مجالي البحث والتصنيع، والهدف تطوير وصناعة ذخيرة وعتاد وقذائف «ذكية» وطائرات ودبابات ودفاعات جوية لزيادة القوة العسكرية وتقليص الاعتماد على التزويد الخارجي، ما يزيد الاستقلالية في التسلح ويقلص مجالات الضغط العالمي.
سياق الانتخابات
تأتي محاولات نتنياهو لإقرار هذه الزيادة الهائلة في الميزانية العسكرية وتثبيتها قانونياً قبل الانتخابات المقررة في نهاية أكتوبر، كأداة لتعزيز رصيده الأمني والسياسي أمام الناخبين، بعد تراجع ثقة الشارع بقدرته على التعامل مع الملفات الأمنية. يعني هذا المقترح بالنسبة له الربح بكل الأحوال، فإن وافقت المعارضة عليه فهو سيمر بسهولة ويظهر نتنياهو كمن وضع حجر الأساس لحماية أمن إسرائيل في العقد المقبل، كما أن إقرار التزامات طويلة المدى يقيد أي حكومة قادمة ويضعها في حالة «حمل مالي قسري» ويدخلها في أزمة مالية. أمّا إذا عارضت المعارضة الخطة فسوف يتهمها نتنياهو بعدم المسؤولية وعدم الأهلية لإدارة السلطة وبمنعه من الدفاع عن إسرائيل. ويذهب معظم المحللين الإسرائيليين إلى أن طرح موضوع الزيادة الضخمة في الميزانية العسكرية عشية الانتخابات يأتي لتعظيم قوة اليمين وإضعاف المعارضة، ولن يحصل أي ضرر إذا تأجّل الموضوع إلى ما بعد الانتخابات.
في كل الأحوال هناك مفارقة في رصد ميزانيات ضخمة تمكّن من تطبيق استراتيجية المنع بصيغتها المتطرّفة، فحين تُعرّف كل جبهة على أنها تهديد وجودي، ويصبح الهدف إزالة جميع الأخطار بالقوة، لا تعود هناك حدود لحجم الجيش ولميزانيته. وقد تتحول عقيدة الأمن من وسيلة «حماية» إلى آلية تجعل الدولة في حالة حرب دائمة، وتجعل الاقتصاد والمجتمع في خدمة مؤسسة عسكرية لا تنتهي مطالبها. ولكن الأمر الأهم هو أن الميزانية السبارطية المقترحة هي خطر على المنطقة بأسرها. فهي ستمنح الحكومة الإسرائيلية «حرية» أوسع في شن العدوان استباقا لأي تهديد أو ظل تهديد.
كاتب وباحث فلسطيني
الإضافة التي يقترحها نتنياهو ضخمة وسترفع الميزانية العسكرية لهذا العام إلى ما يقارب 60 مليار دولار، بعد أن كانت حوالي 20 مليارا عشية السابع من أكتوبر، ما يعني ارتفاع بنسبة ثلاثة أضعاف. كما يطرح نتنياهو مشروع «بناء القوّة»، الذي تبلغ تكلفته حوالي 135 مليار دولار في السنوات الـ13 المقبلة، أي بمعدّل زيادة 10 مليارات دولار على الميزانية العسكرية الجارية، التي من المنتظر أن تستمر في الارتفاع نسبة لما كانت عليه قبل الحرب الحالية.
هذه ليست قضية إسرائيلية داخلية، بل لها أبعاد في غاية الخطورة في المنطقة، فالميزانية هي من أقوى مؤشّرات التوجهات السياسية والأمنية. وما هو مطروح في إسرائيل من إضافات ضخمة دليل على استعداد إسرائيلي لحرب طويلة لا تنتهي، ما يعني انقلابا في العقيدة الأمنية التقليدية، التي انطلقت من مفهوم الحرب الخاطفة. وما يعني أيضا تجهيز قاعدة تسلح وذخيرة تمنح القيادة السياسية الإسرائيلية حرية أوسع في قرار شن الحروب والعمليات العسكرية. نشرت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن سبب تأجيل الجلسة الحكومية هو عدم إتمام إعداد تفاصيل بنود الميزانية المطلوبة وأولوياتها، إذ لم يطرح الجيش ومجلس الأمن القومي ووزارة الأمن إلى الآن بنود «الرؤية الشاملة المفصّلة»، لكن البنود العامة لخطّة «بناء القوّة» باتت معروفة وهي تعكس إلى حد كبير النوايا والمخططات والتقديرات بشأن الإنفاق الأمني بتفرعاته المختلفة، وما يحمله معه من استراتيجيات وسياسات عسكرية ومخابراتية.
الميزانية هي من أقوى مؤشّرات التوجهات السياسية والأمنية. وما هو مطروح في إسرائيل من إضافات ضخمة دليل على استعداد إسرائيلي لحرب طويلة لا تنتهي
لا يقتصر الأمر على خطة لشراء المزيد من الأسلحة. ما يريده نتنياهو هو بناء نمط عسكري جديد: جيش أكبر بكثير بديلا عن نموذج «الجيش الصغير الذكي»، الذي تبنته النخب الأمنية الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر؛ مخزون ضخم من الذخائر والمعدات والأسلحة يكفي لمواجهات عسكرية طويلة على جبهات متعددة، بعد مغادرة عالم الحروب السريعة في جبهات منفصلة؛ الاعتماد على الإنتاج المحلي للأسلحة والذخائر، بعد سنوات طويلة من الاستناد إلى المخازن الأمريكية، كما تشمل الخطة الجديدة تقوية سلاح الجو وتوسيعه، بحيث تكون إسرائيل قادرة على شن حرب على إيران لوحدها إذا لزم الأمر.
استراتيجية الأمن بالأرقام
على غرار مقولة «الميزانية هي السياسة مكتوبة بلغة الأرقام»، يمكن القول بالمعنى نفسه إن «الميزانية العسكرية هي الاستراتيجية الأمنية مكتوبة بلغة الأرقام»، كما أنّها في الوقت نفسه المرآة العملية للعقيدة الأمنية، التي تقع في خلفيتها، فالعقيدة تحدد المبادئ العامة لمواجهة المخاطر وتحقيق الغايات، والاستراتيجية تترجمها إلى خطط وأهداف وأولويات، ثم تأتي الميزانية لتحوّل الخيارات الاستراتيجية إلى قوّات وطائرات وصواريخ ومخزونات ومصانع أسلحة وأجهزة لكترونية استخباراتية. من هنا لا يكفي الإصغاء إلى خطابات القادة، والطريقة الأكثر دقة لاستكشاف العقيدة الأمنية الحقيقية هي متابعة الأغراض التي تخصص لها الميزانيات والقدرات التي يجري بناؤها. الميزانية تكشف إلى حد بعيد نوع الحرب التي تتوقعها الدولة والحرب التي تريد أن تكون قادرة على شنّها، حين تقرر شنّها.
فرضيات وأهداف
الفرضيات والاستراتيجيات والأهداف الماثلة في خلفية الميزانية العسكرية الإسرائيلية المتضخّمة كثيرة ومتعددة وتلامس مجالات مختلفة، ويمكن تلخيص أهمها بما يلي:
أولا، من الردع إلى المنع: التغيير الأهم في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، هو نقل مركز الثقل من الاتكّاء على الردع كركيزة أساسية إلى اعتماد المنع كمحور الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية. صحيح أن الضربات الاستباقية واستراتيجية المنع وجز العشب كانت قائمة طوال الوقت، وأخذت شكل «المعركة بين الحروب» في العقد الذي سبق السابع من أكتوبر، إلّا أنها أُديرت لتبقى تحت عتبة الحرب الشاملة، بمعنى أن إسرائيل حرصت على أن تبقى العمليات العسكرية محدودة، ولا تستثير صداما عسكريا واسعا. أما استراتيجية المنع الجديدة فهي تقوم على أن على الجيش الإسرائيلي إزالة التهديدات مهما كان الثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو نشوب حرب شاملة. هذا يتطلّب ميزانيات ضخمة وبناء قدرات دفاعية وهجومية كافية للقيام بعمليات تدمير لقدرات «العدو»، من دون الخشية من اندلاع حرب شاملة. التكلفة الباهظة تأتي لضمان قدرة إسرائيل على خوض حرب شاملة وحتى لا ترتدع منها حين تقوم بتدمير قدرات تعتبرها «تهديدا لأمنها». والتفسير الإسرائيلي للتهديد واسع جدا، فهو يشمل مثلا سيادة سوريا على أجوائها باعتباره اعتداء على إسرائيل!
ثانيا، إيران هي التهديد الأكبر: خطة الزيادة الضخمة في الميزانية العسكرية تعني الاعتراف عمليا بفشل الحرب على إيران في تحقيق أهدافها. ويستند الجيش الإسرائيلي في مطالبته بهذه المبالغ إلى تقييمات استخباراتية تفيد بتعاظم قوة إيران الصاروخية، واحتمالية تحولها إلى دولة عتبة نووية خلال سنوات، ما يتطلب تقوية سلاح الجو الإسرائيلي، وزيادة عدد طائرات القتال والتزويد بالوقود واستثمار كبير في النشاط المخابراتي، إضافة إلى تمويل أنظمة دفاع وهجوم بعيدة المدى. إسرائيل ترصد مبالغ طائلة لسيناريو أنها تخوض حربا شاملة ضد إيران لوحدها بلا مشاركة أمريكية مباشرة.
ثالثا، حرب لا تنتهي: تشير الزيادة الضخمة في الإنفاق العسكري إلى توقع استمرار المواجهات والتوترات الأمنية في عدة جبهات. وهذا لا يعكس موقف اليمين الإسرائيلي وحده، فالمؤسسة الأمنية لها التوجه ذاته، ما يعني أن ذهاب نتنياهو المحتمل لن يغيّر الاستراتيجيات الأمنية بشكل جوهري.
رابعا، جيش كبير: تعكس الزيادة المقترحة انقلاباً تدريجياً على العقيدة التي سادت قبل السابع من أكتوبر. فقد قامت تلك العقيدة على «جيش صغير وذكي»، وعلى التفوق الاستخباراتي والجوي والردع والإنذار المبكر، وعلى افتراض أن إسرائيل تستطيع إدارة التهديدات وخوض حملات قصيرة من دون الحاجة إلى حرب واسعة وممتدة. لكن الحرب كشفت هشاشة هذه الفرضيات، وأظهرت النقص في القوات البرية والمخزونات والذخائر والقدرة على القتال المتواصل في أكثر من ساحة.
خامسا، التصنيع المحلي: ترصد الخطة الجديدة ميزانيات كبيرة للصناعات العسكرية الإسرائيلية في مجالي البحث والتصنيع، والهدف تطوير وصناعة ذخيرة وعتاد وقذائف «ذكية» وطائرات ودبابات ودفاعات جوية لزيادة القوة العسكرية وتقليص الاعتماد على التزويد الخارجي، ما يزيد الاستقلالية في التسلح ويقلص مجالات الضغط العالمي.
سياق الانتخابات
تأتي محاولات نتنياهو لإقرار هذه الزيادة الهائلة في الميزانية العسكرية وتثبيتها قانونياً قبل الانتخابات المقررة في نهاية أكتوبر، كأداة لتعزيز رصيده الأمني والسياسي أمام الناخبين، بعد تراجع ثقة الشارع بقدرته على التعامل مع الملفات الأمنية. يعني هذا المقترح بالنسبة له الربح بكل الأحوال، فإن وافقت المعارضة عليه فهو سيمر بسهولة ويظهر نتنياهو كمن وضع حجر الأساس لحماية أمن إسرائيل في العقد المقبل، كما أن إقرار التزامات طويلة المدى يقيد أي حكومة قادمة ويضعها في حالة «حمل مالي قسري» ويدخلها في أزمة مالية. أمّا إذا عارضت المعارضة الخطة فسوف يتهمها نتنياهو بعدم المسؤولية وعدم الأهلية لإدارة السلطة وبمنعه من الدفاع عن إسرائيل. ويذهب معظم المحللين الإسرائيليين إلى أن طرح موضوع الزيادة الضخمة في الميزانية العسكرية عشية الانتخابات يأتي لتعظيم قوة اليمين وإضعاف المعارضة، ولن يحصل أي ضرر إذا تأجّل الموضوع إلى ما بعد الانتخابات.
في كل الأحوال هناك مفارقة في رصد ميزانيات ضخمة تمكّن من تطبيق استراتيجية المنع بصيغتها المتطرّفة، فحين تُعرّف كل جبهة على أنها تهديد وجودي، ويصبح الهدف إزالة جميع الأخطار بالقوة، لا تعود هناك حدود لحجم الجيش ولميزانيته. وقد تتحول عقيدة الأمن من وسيلة «حماية» إلى آلية تجعل الدولة في حالة حرب دائمة، وتجعل الاقتصاد والمجتمع في خدمة مؤسسة عسكرية لا تنتهي مطالبها. ولكن الأمر الأهم هو أن الميزانية السبارطية المقترحة هي خطر على المنطقة بأسرها. فهي ستمنح الحكومة الإسرائيلية «حرية» أوسع في شن العدوان استباقا لأي تهديد أو ظل تهديد.
كاتب وباحث فلسطيني
نيسان ـ نشر في 2026-08-27 الساعة 13:05
رأي: جمال زحالقة كاتب وباحث فلسطيني


