شتيفان تزفايغ وهرتزل والصهيونية
نيسان ـ نشر في 2026-08-29 الساعة 14:09
نيسان ـ «عالم الأمس» آخر عمل أنجزه الكاتب النمساوي الشهير شتيفان تزفايغ (1881-1942) قبل انتحاره برفقة زوجته الثانية، لوته آلتمان، في منفاه الأخير، في البرازيل، في 22 فبراير/ شباط 1942. ونُشر الكتاب بالألمانية بعد أشهر من رحيل كاتبه، وتلته بأشهر ترجمة بالإنكليزية صدرت عن دار نشر فايكنغ في نيويورك. استوقفني في الكتاب، الذي قرأته بترجمته الإنكليزية، فصلٌ يروي فيه تزفايغ علاقته بثيودور هرتزل (1860-1904) مؤسس الحركة الصهيونية، وتفاصيل أول لقاء بينهما في فيينا.
حين تصفحتُ الترجمة العربية (صدرت عن دار المدى 2007) قبل كتابة هذه السطور اكتشفتُ أن المترجم، أو الناشر، حسب النسخة المتوفرة على الإنترنت، قرّر حذف الصفحات التي يذكر فيها تزفايغ هرتزل. والحذف في أي ترجمة أمر مؤسف عموماً، وبالذات في هذه الحالة، فالصفحات تتحدث عن محطة مهمة في حياة الكاتب، وتوضّح موقفه من الصهيونية كمشروع أيديولوجي وسياسي، بدلاً من الحذف، كان يمكن توضيح سياق اللقاء بهامش أو أكثر.
على الرغم من إعجاب تزفايغ بهرتزل، إلا أنه قاوم ورفض دعواته ومحاولاته لإقناعه بالانضمام للحركة الصهيونية. وأقر في رسالة بأنه لم يفكر يوماً بزيارة فلسطين
تذكرنا الصفحات وموقف تزفايغ من الصهيونية في زمن لم تكن الصهيونية فيه قد تغلغلت وتجذّرت بشكل واسع في صفوف اليهود في أوروبا، بل كانت هامشية، وكانت هناك انقسامات وآراء متباينة إزاء مشروعها وأهدافها، تتراوح بين الرفض، لأسباب سياسية، وحتى فقهية يهودية (على سبيل المثال، كان كبير حاخامات فيينا مورتز غودمان، من الذين عارضوا أفكار هرتزل) والنفور والاستغراب كما نقرأ في كتاب تزفايغ. من الجدير بالذكر أن دار نشر جامعة برنستون ستنشر هذا الخريف أنطولوجيا ضخمة، تجمع كتابات مفكرين يهود عارضوا وجادلوا ووقفوا ضد الصهيونية، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، جمعها وحررها شاؤول ماجد وزيف مشيل. لم يذهب تزفايغ حين كان في التاسعة عشرة من عمره لمقابلة هرتزل لأنه مؤسس الحركة الصهيونية، بل لأنه كان المحرر المسؤول عن الملحق الأدبي لجريدة «نويه فراي برس»، أهم جريدة تصدر باللغة الألمانية في فيينا، وكان هو الذي يبت في قرارات النشر. قرأ هرتزل مقالة تزفايغ أثناء اللقاء وأعجب بها وأخبره أنها ستنشر، وكان أول من شجعه على المضي، وبعدها امتدحه في مقالة وذكره من بين الكتاب الواعدين.
كان هرتزل صحافياً لامعاً ومشهوراً في الأوساط الأدبية في فيينا. وكان قبلها مراسلاً في باريس. ويعرّج تزفايغ على محاكمة درايفوس الشهيرة (1894) التي غيرت آراء هرتزل ويصفها بأنها كانت «طعنة في القلب». ويتحدث عن نشر كتيّب هرتزل «الدولة اليهودية» (1896) والضجة التي أثارها، والانزعاج أيضاً، في أوساط البورجوازيين اليهود وغضب الكثيرين منهم لما اعتبروه أفكاراً غريبة وغبية: الذهاب إلى فلسطين والتحدث بلغة غير الألمانية. لم يكن لدى هؤلاء شك في انتمائهم وكانوا على يقين من أنهم يعيشون في عصر تقدمي، وأن مشاكل التعصّب الديني ومعاداة السامية ستختفي خلال عقود. حتى الحاخامات نددوا بالفكرة من منابرهم، لم تلق طروحات هرتزل استجابة في أوساط اليهود في فيينا، لكن التأييد العارم جاء من الشرق من روسيا وبولندا. يذكر تزفايغ الصعوبة التي واجهها هرتزل في محاولة توحيد صفوف الشرائح ذات الخلفيات والقوميات المختلفة تحت راية واحدة. كان لقاء تزفايغ الأخير مع هرتزل في 1904 في المقبرة. يصف الكاتب الحشود التي قدمت إلى فيينا من الشرق والغرب لتودع «قائد حركة عظيمة وهو يُحمل إلى قبره» وإعجابه بـ «الأمل الذي أتى به هذا الرجل الوحيد إلى العالم بقوة أفكاره». على الرغم من الشعبية التي بدأ هرتزل يحظى بها. إلا أنه بعد سنة من موته، كتب ماكس نورداو (1849-1923) الذي أصبح صهيونياً بعد أن قرأ كتاب هرتزل وكان شريكه وساهم معه في تأسيس الحركة الصهيونية، إن واحداً فقط من كل 60 يهودياً في العالم صهيوني.
على الرغم من إعجاب تزفايغ بهرتزل، إلا أنه قاوم ورفض دعواته ومحاولاته لإقناعه بالانضمام للحركة الصهيونية. وأقر في رسالة بأنه لم يفكر يوماً بزيارة فلسطين. كما كتب تزفايغ في مراسلات مع مارتن بوبر (1878-1965) في 1917 أنه لم يشأ أبداً «أن يصبح اليهود أمّة، مرة أخرى، وأن ينحدروا إلى التورط في صراعات الأمم. أحب الشتات وأشدّد عليه كمعنى للمثالية اليهودية.. ستؤدي الصهيونية إلى حقيقة خطرة، دولة مثل كل الدول بمدافع وأعلام وأنواط». لم يكن تزفايغ معادياً للصهيونية. لكنه لم يكن صهيونياً، من منطلق رفضه للقوميّة/ات، وتخوفّه مما يمكن أن تؤدي إليه، وإيمانه بكوزموبوليتية وأوروبية دفعت البعض في ما بعد إلى اتهامه بالسذاجة. وأخذ البعض الآخر على كتاب «عالم الأمس» الإفراط في الحنين وتصوير تلك الحقبة بمثالية.
كان الشتات الذي أحبّه تزفايغ قاسياً بعد كل ما حل بأوروبا والعالم. من منفاه الأخير كتب تزفايغ يشكر مضيفيه: يفترض أن أشعر بالفخر والسعادة. لكن يجب أن أعترف بأنه ليس بإمكاني ذلك. على العكس، قلبي مثقل لأنكم تمنحوني صداقتكم بينما يعاني آخرون كثر.. لا يحق لنا، كبشر، وكيهود بالذات، أن نكون سعداء في هذه الأيام. لا يجب أن نتخيل أننا الخيرون القلّة الذي أُنْقذوا من خراب سدوم وعمورة بسبب ميزاتنا. لسنا أفضل ولسنا أكثر استحقاقاً من الآخرين الذين يُلاحقون ويطردون، هناك في أوروبا». إذا كانت فيينا، مدينة تزفايغ، قد شهدت مولد الحركة الصهيونية، فإنها استضافت، في 13- 15 يونيو/حزيران، 2025، وبرمزية مقصودة من المنظّمين، المؤتمر اليهودي العالمي الأول ضد الصهيونية، وعقد الثاني في دبلن في يونيو 2026. وأهداف المؤسسة هي الفصل بين اليهودية وبين الصهيونية، ورفض ادعاء إسرائيل أنها تمثل كل يهود العالم، ودعم حق تقرير المصير وحق العودة لكل اللاجئين، وتفكيك الاستعمار وتأسيس دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية. لعلها بداية لنهاية ستطول.
كاتب عراقي
حين تصفحتُ الترجمة العربية (صدرت عن دار المدى 2007) قبل كتابة هذه السطور اكتشفتُ أن المترجم، أو الناشر، حسب النسخة المتوفرة على الإنترنت، قرّر حذف الصفحات التي يذكر فيها تزفايغ هرتزل. والحذف في أي ترجمة أمر مؤسف عموماً، وبالذات في هذه الحالة، فالصفحات تتحدث عن محطة مهمة في حياة الكاتب، وتوضّح موقفه من الصهيونية كمشروع أيديولوجي وسياسي، بدلاً من الحذف، كان يمكن توضيح سياق اللقاء بهامش أو أكثر.
على الرغم من إعجاب تزفايغ بهرتزل، إلا أنه قاوم ورفض دعواته ومحاولاته لإقناعه بالانضمام للحركة الصهيونية. وأقر في رسالة بأنه لم يفكر يوماً بزيارة فلسطين
تذكرنا الصفحات وموقف تزفايغ من الصهيونية في زمن لم تكن الصهيونية فيه قد تغلغلت وتجذّرت بشكل واسع في صفوف اليهود في أوروبا، بل كانت هامشية، وكانت هناك انقسامات وآراء متباينة إزاء مشروعها وأهدافها، تتراوح بين الرفض، لأسباب سياسية، وحتى فقهية يهودية (على سبيل المثال، كان كبير حاخامات فيينا مورتز غودمان، من الذين عارضوا أفكار هرتزل) والنفور والاستغراب كما نقرأ في كتاب تزفايغ. من الجدير بالذكر أن دار نشر جامعة برنستون ستنشر هذا الخريف أنطولوجيا ضخمة، تجمع كتابات مفكرين يهود عارضوا وجادلوا ووقفوا ضد الصهيونية، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، جمعها وحررها شاؤول ماجد وزيف مشيل. لم يذهب تزفايغ حين كان في التاسعة عشرة من عمره لمقابلة هرتزل لأنه مؤسس الحركة الصهيونية، بل لأنه كان المحرر المسؤول عن الملحق الأدبي لجريدة «نويه فراي برس»، أهم جريدة تصدر باللغة الألمانية في فيينا، وكان هو الذي يبت في قرارات النشر. قرأ هرتزل مقالة تزفايغ أثناء اللقاء وأعجب بها وأخبره أنها ستنشر، وكان أول من شجعه على المضي، وبعدها امتدحه في مقالة وذكره من بين الكتاب الواعدين.
كان هرتزل صحافياً لامعاً ومشهوراً في الأوساط الأدبية في فيينا. وكان قبلها مراسلاً في باريس. ويعرّج تزفايغ على محاكمة درايفوس الشهيرة (1894) التي غيرت آراء هرتزل ويصفها بأنها كانت «طعنة في القلب». ويتحدث عن نشر كتيّب هرتزل «الدولة اليهودية» (1896) والضجة التي أثارها، والانزعاج أيضاً، في أوساط البورجوازيين اليهود وغضب الكثيرين منهم لما اعتبروه أفكاراً غريبة وغبية: الذهاب إلى فلسطين والتحدث بلغة غير الألمانية. لم يكن لدى هؤلاء شك في انتمائهم وكانوا على يقين من أنهم يعيشون في عصر تقدمي، وأن مشاكل التعصّب الديني ومعاداة السامية ستختفي خلال عقود. حتى الحاخامات نددوا بالفكرة من منابرهم، لم تلق طروحات هرتزل استجابة في أوساط اليهود في فيينا، لكن التأييد العارم جاء من الشرق من روسيا وبولندا. يذكر تزفايغ الصعوبة التي واجهها هرتزل في محاولة توحيد صفوف الشرائح ذات الخلفيات والقوميات المختلفة تحت راية واحدة. كان لقاء تزفايغ الأخير مع هرتزل في 1904 في المقبرة. يصف الكاتب الحشود التي قدمت إلى فيينا من الشرق والغرب لتودع «قائد حركة عظيمة وهو يُحمل إلى قبره» وإعجابه بـ «الأمل الذي أتى به هذا الرجل الوحيد إلى العالم بقوة أفكاره». على الرغم من الشعبية التي بدأ هرتزل يحظى بها. إلا أنه بعد سنة من موته، كتب ماكس نورداو (1849-1923) الذي أصبح صهيونياً بعد أن قرأ كتاب هرتزل وكان شريكه وساهم معه في تأسيس الحركة الصهيونية، إن واحداً فقط من كل 60 يهودياً في العالم صهيوني.
على الرغم من إعجاب تزفايغ بهرتزل، إلا أنه قاوم ورفض دعواته ومحاولاته لإقناعه بالانضمام للحركة الصهيونية. وأقر في رسالة بأنه لم يفكر يوماً بزيارة فلسطين. كما كتب تزفايغ في مراسلات مع مارتن بوبر (1878-1965) في 1917 أنه لم يشأ أبداً «أن يصبح اليهود أمّة، مرة أخرى، وأن ينحدروا إلى التورط في صراعات الأمم. أحب الشتات وأشدّد عليه كمعنى للمثالية اليهودية.. ستؤدي الصهيونية إلى حقيقة خطرة، دولة مثل كل الدول بمدافع وأعلام وأنواط». لم يكن تزفايغ معادياً للصهيونية. لكنه لم يكن صهيونياً، من منطلق رفضه للقوميّة/ات، وتخوفّه مما يمكن أن تؤدي إليه، وإيمانه بكوزموبوليتية وأوروبية دفعت البعض في ما بعد إلى اتهامه بالسذاجة. وأخذ البعض الآخر على كتاب «عالم الأمس» الإفراط في الحنين وتصوير تلك الحقبة بمثالية.
كان الشتات الذي أحبّه تزفايغ قاسياً بعد كل ما حل بأوروبا والعالم. من منفاه الأخير كتب تزفايغ يشكر مضيفيه: يفترض أن أشعر بالفخر والسعادة. لكن يجب أن أعترف بأنه ليس بإمكاني ذلك. على العكس، قلبي مثقل لأنكم تمنحوني صداقتكم بينما يعاني آخرون كثر.. لا يحق لنا، كبشر، وكيهود بالذات، أن نكون سعداء في هذه الأيام. لا يجب أن نتخيل أننا الخيرون القلّة الذي أُنْقذوا من خراب سدوم وعمورة بسبب ميزاتنا. لسنا أفضل ولسنا أكثر استحقاقاً من الآخرين الذين يُلاحقون ويطردون، هناك في أوروبا». إذا كانت فيينا، مدينة تزفايغ، قد شهدت مولد الحركة الصهيونية، فإنها استضافت، في 13- 15 يونيو/حزيران، 2025، وبرمزية مقصودة من المنظّمين، المؤتمر اليهودي العالمي الأول ضد الصهيونية، وعقد الثاني في دبلن في يونيو 2026. وأهداف المؤسسة هي الفصل بين اليهودية وبين الصهيونية، ورفض ادعاء إسرائيل أنها تمثل كل يهود العالم، ودعم حق تقرير المصير وحق العودة لكل اللاجئين، وتفكيك الاستعمار وتأسيس دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية. لعلها بداية لنهاية ستطول.
كاتب عراقي
نيسان ـ نشر في 2026-08-29 الساعة 14:09
رأي: سنان أنطون


