نُصوّر الحياة كي لا نعيشها
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-09-02 الساعة 10:10
نيسان ـ في الطائرة، حين تنقطع شبكة الإنترنت، كان يفترض أن تبدأ لحظة نادرة من الصمت والتأمل. لكنك ستجد المسافر وقد لجأ إلى هاتفه، يلعب أو يقلب ما خزنه الجهاز، كأن انقطاع العالم الخارجي لا يمنحه فرصة ليرى العالم من النافذة، بل يدفعه إلى الغرق أكثر في شاشته.
قبل سنوات، كان المسافر يحمل كتابا أو صحيفة، ويتسابق إلى المقعد المحاذي للنافذة، ليرى الأرض وهي تصغر تحت جناحي الطائرة، والغيوم وهي تعبر السماء كقطعان بيضاء. كانت الرحلة تمنح الإنسان فرصة لأن يكون حيث هو. أما اليوم، فقد صار الجسد في الطائرة، والعين في الهاتف، واللحظة في مكان ثالث لا نعرفه.
تنبأ العالم الاجتماعي الكندي مارشال ماكلوهان بأن وسائل الاتصال ستصبح امتدادا لحواس الإنسان. لكنه ربما لم يتخيل أن يبلغ الأمر حدا تصبح فيه الوسيلة بديلا عن الحاسة نفسها. لم يعد الهاتف شيئا نستخدمه حين نحتاج إليه، بل صار شيئا نحتاج إليه كي لا نبقى لحظة واحدة من دون استخدام.
أشد ما يلفتني في هذا التحول مشهد امرأة ستينية في حفل موسيقي. كانت وحدها تقريبا بلا هاتف مرفوع، وقد انسكبت روحها كلها في الموسيقى. حولها كان الآخرون يصورون ويبتسمون للشاشات ويبثون ما يحدث إلى غائبين. وحين اقتربت الكاميرا من وجهها، كان في عينيها ما لا تستطيع أي كاميرا أن تصوره: كانت تعيش.
وهنا المفارقة: نحن لا نكتفي بأن نعيش اللحظة، بل نشعر أن علينا إثباتها. نصور الطعام قبل أن نتذوقه، والمكان قبل أن نتأمله، والحفل قبل أن نصغي إليه، والرحلة قبل أن نسكنها. كأن اللحظة لا تصبح حقيقية إلا حين نرسل دليلا عليها إلى الآخرين.
حتى الأماكن التي كنا نذهب إليها لنستريح، صرنا نذهب إليها لنصنع منها محتوى. نقف أمام البحر، لكننا نراه من خلال العدسة. نصعد الجبل، لكن جزءا من وعينا يبقى مشغولا بالصورة التي سننشرها. نلتقط اللحظة كي لا تضيع، فنكون نحن الذين نضيع منها.
ليست الصورة هي المشكلة، ولا الهاتف، ولا الرغبة في الاحتفاظ بالذكريات. المشكلة تبدأ حين يصبح التوثيق بديلا عن التجربة، وحين تتحول الحياة من شيء نعيشه إلى شيء نعرضه. عندها لا تعود مواقع التواصل مرآة لحياتنا، بل تصبح الحياة نفسها مشروعا دائما للعرض.
ربما سنكتشف متأخرين أننا حفظنا آلاف الصور للحظاتنا، لكننا لم نحتفظ باللحظات نفسها. تركناها تمر أمامنا ونحن نبحث عن الزاوية الأفضل لتصويرها. لقد اخترعنا الكاميرا كي نتذكر حياتنا، ثم انشغلنا بها حتى نسينا أن نعيشها.
قبل سنوات، كان المسافر يحمل كتابا أو صحيفة، ويتسابق إلى المقعد المحاذي للنافذة، ليرى الأرض وهي تصغر تحت جناحي الطائرة، والغيوم وهي تعبر السماء كقطعان بيضاء. كانت الرحلة تمنح الإنسان فرصة لأن يكون حيث هو. أما اليوم، فقد صار الجسد في الطائرة، والعين في الهاتف، واللحظة في مكان ثالث لا نعرفه.
تنبأ العالم الاجتماعي الكندي مارشال ماكلوهان بأن وسائل الاتصال ستصبح امتدادا لحواس الإنسان. لكنه ربما لم يتخيل أن يبلغ الأمر حدا تصبح فيه الوسيلة بديلا عن الحاسة نفسها. لم يعد الهاتف شيئا نستخدمه حين نحتاج إليه، بل صار شيئا نحتاج إليه كي لا نبقى لحظة واحدة من دون استخدام.
أشد ما يلفتني في هذا التحول مشهد امرأة ستينية في حفل موسيقي. كانت وحدها تقريبا بلا هاتف مرفوع، وقد انسكبت روحها كلها في الموسيقى. حولها كان الآخرون يصورون ويبتسمون للشاشات ويبثون ما يحدث إلى غائبين. وحين اقتربت الكاميرا من وجهها، كان في عينيها ما لا تستطيع أي كاميرا أن تصوره: كانت تعيش.
وهنا المفارقة: نحن لا نكتفي بأن نعيش اللحظة، بل نشعر أن علينا إثباتها. نصور الطعام قبل أن نتذوقه، والمكان قبل أن نتأمله، والحفل قبل أن نصغي إليه، والرحلة قبل أن نسكنها. كأن اللحظة لا تصبح حقيقية إلا حين نرسل دليلا عليها إلى الآخرين.
حتى الأماكن التي كنا نذهب إليها لنستريح، صرنا نذهب إليها لنصنع منها محتوى. نقف أمام البحر، لكننا نراه من خلال العدسة. نصعد الجبل، لكن جزءا من وعينا يبقى مشغولا بالصورة التي سننشرها. نلتقط اللحظة كي لا تضيع، فنكون نحن الذين نضيع منها.
ليست الصورة هي المشكلة، ولا الهاتف، ولا الرغبة في الاحتفاظ بالذكريات. المشكلة تبدأ حين يصبح التوثيق بديلا عن التجربة، وحين تتحول الحياة من شيء نعيشه إلى شيء نعرضه. عندها لا تعود مواقع التواصل مرآة لحياتنا، بل تصبح الحياة نفسها مشروعا دائما للعرض.
ربما سنكتشف متأخرين أننا حفظنا آلاف الصور للحظاتنا، لكننا لم نحتفظ باللحظات نفسها. تركناها تمر أمامنا ونحن نبحث عن الزاوية الأفضل لتصويرها. لقد اخترعنا الكاميرا كي نتذكر حياتنا، ثم انشغلنا بها حتى نسينا أن نعيشها.
نيسان ـ نشر في 2026-09-02 الساعة 10:10
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي


