اتصل بنا
 

لعنة الحروب لا تصنع أمنًا..إسرائيل أمام امتحان التاريخ

نيسان ـ نشر في 2026-09-03 الساعة 10:21

نيسان ـ من حرب المئة عام إلى الحروب الصليبية، يثبت التاريخ أن القوة تستطيع احتلال المدن وتدمير العمران، لكنها عاجزة عن احتلال إرادة الشعوب أو قتل هويتها. وحين تتحول الحرب من وسيلة مؤقتة إلى مشروع سياسي دائم، يصبح المنتصر الحقيقي هو الخراب.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه المجتمع الإسرائيلي اليوم بلا مواربة: هل يمكن لإسرائيل أن تقصف طريقها إلى السلام؟ وهل تستطيع القوة العسكرية أن تمنحها أمنًا دائمًا بينما يبقى الشعب الفلسطيني بلا حرية وبلا أفق سياسي؟
غزة قدمت الجواب بأقسى صورة إنسانية، والضفة الغربية تنذر بمزيد من التصعيد، والقدس تقف في قلب عاصفة سياسية ودينية لا تحتمل مزيدًا من محاولات فرض الأمر الواقع.
المشكلة ليست في حاجة الإسرائيليين إلى الأمن، فهذا حق إنساني بديهي، كما أن المشكلة ليست بحق الفلسطينيين في الحياة والكرامة والحرية. المشكلة تبدأ عندما يتحول أمن طرف إلى ذريعة لسلب أمن الطرف الآخر، وعندما تصبح القوة بديلًا عن السياسة، ويصبح الاحتلال والاستيطان أدوات يُراد لها أن تتحول إلى واقع دائم.
والأخطر من ذلك هو دفع الصراع نحو حرب دينية مفتوحة. فحين تستخدم جماعات متطرفة مفردات دينية أو تاريخية لتبرير إقصاء الفلسطينيين أو تصوير الصراع باعتباره معركة مقدسة، فإنها لا تدفع المنطقة نحو النصر، بل نحو حرب بلا نهاية.
لقد أخطأ التاريخ من قبل عندما ظنت قوى عديدة أن السيف يستطيع حسم قضايا الشعوب. والحروب الصليبية خير شاهد على أن الشعارات المقدسة لا تمنح أصحابها انتصارًا أبديًا. كما أن حرب المئة عام أثبتت أن أجيالًا كاملة يمكن أن تدفع ثمن صراعات تبدأها النخب السياسية وتنتهي آثارها في حياة الناس.
في الضفة الغربية، لا يمكن تجاهل مخاطر استمرار الاستيطان والعنف والتوتر والقيود. فالضفة ليست مساحة يمكن إخضاعها إلى ما لا نهاية، والفلسطينيون ليسوا كتلة سكانية بلا تاريخ أو حقوق. وفي القدس، لا يمكن فرض سلام بالقوة على مدينة تحمل مكانة دينية ووطنية عميقة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود.
إن القدس تحتاج إلى حماية مكانتها وحرمة مقدساتها وحقوق سكانها، لا إلى تحويلها إلى وقود دائم للصراع. وهنا يجب أن تكون الرسالة السياسية واضحة: لا يمكن بناء أمن إسرائيلي مستدام من دون حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، ولا يمكن تحقيق سلام حقيقي مع استمرار الاحتلال وتوسيع الاستيطان وإغلاق أبواب الأفق السياسي.
وهنا تقع مسؤولية سياسية وأخلاقية على المجتمع الإسرائيلي: الضغط من أجل وقف الحرب، ورفض التوسع الاستيطاني، ووقف سياسات فرض الأمر الواقع، والعودة إلى مسار سياسي جاد يفضي إلى حل عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره، ويجعل القدس جزءًا من حل السلام لا عنوانًا لحرب جديدة.
فالخيار اليوم ليس بين الانتصار والهزيمة، بل بين استمرار الحرب وصناعة السلام.

نيسان ـ نشر في 2026-09-03 الساعة 10:21


رأي: علي ابو حبلة

الكلمات الأكثر بحثاً