اتصل بنا
 

الكابوس السيبراني: من يتحكم؟

نيسان ـ نشر في 2026-09-06 الساعة 15:52

نيسان ـ ارتبط الخوف من الآلة طويلاً وتاريخياً بقوتها: آلةٌ أسرع، أدق، وأكثر قدرة على السيطرة. لكن التحول الأعمق - والأكثر قلقاً - لم يبدأ عندما أصبحت الآلة أقوى، بل عندما بدأت تفهم. أن تفهم الإنسان: لغته، تردده، رغباته، وحتى نقاط ضعفه التي لا يبوح بها. هنا تحديداً يتغير ميزان القوة، لأن التهديد لم يعد خارجيًا فحسب، بل أصبح قادرًا على التسلل إلى الداخل- إلى القرار نفسه.
هذا المعنى يتجسد بوضوح في شخصية «أفا» (Ava) في فيلم Ex Machina - أحد أبرز أفلام الذكاء الاصطناعي في العقد الماضي، رغم إنتاجه قبل أكثر من عشر سنوات. لم تكن «أفا» مجرد آلة ذكية، بل كياناً قادراً على التأثير، على قراءة الإنسان والتلاعب بخياراته. فهي لا تخترق الأنظمة بقدر ما تخترق من يستخدمها. ومن هنا تأتي رمزية الفيلم: الخطر الحقيقي لا يكمن في قوة الآلة، بل في قدرتها على فهمنا.
اليوم، ونحن في أواخر عام 2026، هذا التصور لم يعد خيالاً. فالذكاء الاصطناعي بات أبعد من مجرد أداة تحليل أو دعم، ليغدو جزءا من معادلة القوة الرقمية. إذ تشير التقديرات الحديثة إلى أن الخسائر العالمية للجرائم السيبرانية تجاوزت 10.5 تريليون دولار سنوياً، وهو رقم يضع هذا المجال ضمن أكبر «الاقتصادات الخفية» في العالم. كما أن نسبة متزايدة من الهجمات باتت تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء في تحليل الأهداف أو في تنفيذ الاختراقات أو حتى في تطوير أدوات الهجوم نفسها.
إذن: ما الذي تغيّر؟ ببساطة، أصبحت بعض مراحل الهجوم قابلة للأتمتة. فبدل أن يحتاج المهاجم إلى وقت طويل وخبرة متخصصة، بات بإمكانه الاستعانة بنماذج ذكية لتحليل الشيفرات، واكتشاف الثغرات، وكتابة أدوات استغلال أولية خلال وقت أقصر بكثير في بعض الحالات بنسبة تصل إلى 50% أقل من السابق. كما تطورت تقنيات «الهندسة الاجتماعية» بشكل لافت، حيث أصبحت الرسائل الاحتيالية أكثر إقناعًا ودقة، لأنها تُبنى على تحليل سلوك المستخدم واهتماماته.
في هذا السياق، حذّرت أكثر من 100 شركة تقنية ومالية كبرى - من بينها OpenAI وMicrosoft وAlphabet وAmazon وIBM - من «نافذة زمنية ضيقة» يجب خلالها تعزيز الدفاعات السيبرانية قبل أن تصبح هذه الهجمات أكثر انتشارا وتأثيرا. هذا التحذير يعكس إدراكا متزايدا بأن التهديد لم يعد نظريا، بل أصبح واقعا يتشكل بسرعة.
الصورة هنا لا تكتمل دون النظر إلى الجانب الآخر: الروبوتات. فبينما ينشغل العالم بقدرات الذكاء الاصطناعي الرقمية، تتقدم الآلات في العالم الفيزيائي بوتيرة لا تقل سرعة. انظروا لهذا المشهد: ثمة منافسات حديثة جرت في بكين، تمكّن روبوت بشري من القفز إلى ارتفاع 2.88 متر ، وتسجيل زمن 8.86 ثانية في سباق 100 متر، متجاوزًا حدود الأداء البشري.
تأسيسا على ما سبق، يظهر «الكابوس السيبراني» كمسار يتشكل بالفعل، لا كاحتمال بعيد. فوفق تقديرات حديثة، قد يتجاوز عدد الروبوتات العاملة عالميًا 50 مليون روبوت خلال السنوات القليلة المقبلة، في مشهد يقترب شيئًا فشيئًا من الصور التي قدّمتها الأفلام عن عالم تديره الآلات. وهنا يتحوّل السؤال من: هل سنصل إلى هذه المرحلة؟ إلى: هل سنكون مستعدين لها عندما نصل؟.
* كاتب متخصص في السياسة السيبرانية

نيسان ـ نشر في 2026-09-06 الساعة 15:52


رأي: د. خالد وليد محمود

الكلمات الأكثر بحثاً