تسليع ابن عربي: من دين الحبّ إلى النسوية
نيسان ـ القدس العربي ـ نشر في 2026-09-07 الساعة 11:10
نيسان ـ
بروين حبيب
اُطلب من أي برنامج للذكاء الاصطناعي أن يخترع لك جملة مثل «أشدُّ الأمواج خطرا تلك التي ترتفع في قلب رجلٍ يائس»، أو «كيف يتيه في البحر من كانت عينَا من يحبّ دليله»، ويكتب تحتها أوديسيوس، ثم اُطلب منه أن ينشئ صورة جذابة مأخوذة من فيلم «الأوديسة» الأخير لكريستوفر نولان، وفيها يبدو مات ديمون وهو يصارع الأمواج على ظهر سفينته، يكفي بعد هذا أن تنهال الإجابات ويشاركك على صفحتك مؤثر مشهور لتصبح الأكذوبة مصدرا موثوقا وتكتسب عصمة لا يكلف أحد نفسه مساءلتها ولا التشكيك فيها.
هذا السيناريو السريالي تكرر مرات لا تحصى مع اقتباسات نرددها ونتناقلها ونستشهد بها، والله وحده يعلم قائلها. وللإنصاف لم تخترع وسائل التواصل الاجتماعي الاقتباسات المزيفة والأقوال المنحولة، ففي التراث العربي، بل في تراث الإنسانية قاطبة أقوال كثيرة نسبت لغير قائليها لأسباب شتى، ومنها الأحاديث الموضوعة التي نسبت إلى نبي الإسلام، وظاهرة الانتحال في الشعر العربي، فكل بيت شعري تضمّن حكمة ينسب إلى علي بن أبي طالب، أو الإمام الشافعي. ولكن الأمر كان يحتاج إلى سنوات ورواة وناسخين ليتكرس، في حين أن البيئة الرقمية منحت الاقتباسات المزيفة أبعادا فلكية، فتستعاد آلاف المرات في زمن لا يتجاوز الساعات.
وأجسام المتصوفة تصلح لكل ثوب، خاصة مع هوس المجتمعات الاستهلاكية بكل ما هو روحاني مقبل من الشرق بمعناه الواسع، وقد ذكرتُ بعض هذا الاختلاق أو الانزياح في مقال الأسبوع الماضي عن جلال الدين الرومي، وأورد نماذج عن توأمه في المخيلة الغربية عن الحكمة المشرقية الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، مع فارق مهم أن وسائل التواصل ـ وقبلها كثير من النصوص المكتوبة ـ لم تزوِّر بن عربي باختراع ما لم يقله، بل فعلت شيئا أكثر خبثا وخفاء: استلّت عباراته من منظومتها الفكرية والروحية، وصنعت منها نسخة قابلة للاستهلاك السريع، فتحول معها «التلاعب اللغوي بيانا نسويّا، والحب الإلهي رومانسية فردية، وسعة القلب الصوفي دعوة حديثة إلى تساوي الأديان» فنحن لسنا أمام تحريف نص فحسب، بل تحريف سياق ووظيفة ودلالة.
ابن عربي رائدا للنسوية:
لو سألنا قارئا عاديا عما يحفظ من عبارات ابن عربي لبادر قائلا، «كل مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه»، فإن طلبنا منه تفسيرها نجد الإجابة المبتذلة الجاهزة أن المكان الذي لا توجد فيه امرأة لا يُعتمد عليه، وهذه العبارة لابن عربي رفعت شعارا من قبل أنصار النسوية ودعاة الحداثة على السواء، فهي كثيرة الدوران على لسان أدونيس مثلا، وقد وردت في كتيّب صغير لابن عربي بعنوان «رسالة الذي لا يُعوَّل عليه»، وصيغتها الأصلية «المكانُ إذا لم يُؤنَّثْ لا يُعوَّلُ عليه». وورد في النصوص المنشورة للرسالة، بعد هذه العبارة تفسير صريح لها: «يعني المكانة»، ليصبح المعنى المباشر القائم على هذا التلاعب اللغوي أن المكان إذا أضيفت إليه تاء التأنيث يصبح مكانة. فلا قيمة للمكان الخارجي إذا لم يتحول في الإنسان إلى مرتبة روحية ومعرفة، فـ»المكان يتعلق بالصورة الخارجية، أما المكانة فتتعلق بالمرتبة الباطنة والتحقق الروحي».
قد يكون الإنسان في أشرف الأماكن، من غير أن تكون له عند الله أو في المعرفة أي مكانة. وهذا المعنى شرحه ابن عربي نفسه في كتابه «الفتوحات المكية» حين كتب «المكان في الذوات كالمكانة في المراتب»، وقد حاول محمد حسين علوان في روايته «موت صغير» أن يلفّق بين التفسيرين فذكر على لسان ابن عربي «المكان ذكر والمكانة أنثى، آدم كان ذكرا لم يكتمل إلا بحواء». وفي الحقيقة لسنا بحاجة للي عنق هذه العبارة، حتى نبرهن على مكانة المرأة عند ابن عربي، فنظرته أشمل وأعمق، حيث إنه لا يختزل الأنوثة في الجسد، بل ترتقي المرأة عنده إلى معنى كوني يقوم على القبول والتكوين والإنجاب، فكل موجود يقبل أثرا أو يلد معنى يحمل وجها من الأنوثة، التي لم ير فيها نقصا يقابل الذكورة، بل اعتبرها سرا من أسرار الخلق والتجلي، على أن لا يُقرأ هذا بوصفه إعلانا نسويا حديثا، بل ضمن الأحكام والثقافة السائدة في عصره، رغم أنه يمنح المرأة مساواة روحية ووجودية واضحة، إلى درجة أن تبلغ درجة القطبية في المنظومة الصوفية عنده. فكل تفسير لعبارة ابن عربي «كل مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه»، بأنه يقصد المرأة لا يعوّل عليه أيضا.
ابن عربي مبشرا بدين الحب:
ومثل العبارة «الأكبرية» السابقة نجد أبياتا شهيرة لابن عربي أخرجت عن معناها الحقيقي، وتحولت دعوة لدين جديد هو دين الحب الذي يحتاجه بشدة عصرنا المأزوم باللهاث المادي والحروب والكوارث الإنسانية، فحين قال ابن عربي في ديوانه «ترجمان الأشواق»: (لَقَد صارَ قَلبي قابِلا كُلَّ صورَةٍ … فَمَرعى لِغِزلانٍ وَدَيرٌ لِرُهبانِ/ وَبَيتٌ لِأَوثانٍ وَكَعبَةُ طائِفٍ … وَأَلواحُ تَوراةٍ وَمُصحَفُ قُرآنِ/ أدينُ بدِين الحبِّ أنّى توجَّهتْ/ ركائبُه، فالحبُّ ديني وإيماني)، لم يكن يُصدر بيانا حديثا عن التعددية الدينية، أو المساواة بين الشرائع، وهذا التفسير رفضه حتى المستشرقون المتخصصون في التصوف والفكر الأكبري مثل ليبتون وآنماري شيميل ووليام تشيتيك، واعتبروا أبيات ابن عربي وصفا «لمقام معرفي صوفي يرى أن القلب الكامل يتلقى صور التجلي كلها من غير أن يحبس الله في اعتقاد محدود. وهذا الكمال، موروث من «الحقيقة المحمدية»، التي تجمع معارف الأنبياء والتجليات السابقة وتحتويها». أما البيت الأخير الذي أصبح شعارا لأتباع دين الحب فيقول عنه وليام تشيتيك، في بحث له بعنوان «إعادة النظر في دين الحب»: «إن دين الحب الذي يتحدث عنه ابن عربي ليس تماما كما يتخيله معظم الناس. إنه ينطوي بالتأكيد على الانفتاح على جمال خلق الله إلى جانب الحب والرحمة لجميع مخلوقات الله، لكنه قبل كل شيء برنامج عملي، يتمثل في تطبيق السنة الكاملة». فالبيت الذي حوّله التداول الرقمي إلى شعار لرومانسية الحب والروحانية الفردية التي تقول «الحب وحده يكفيني» وأنّ الأديان متطابقة، لم يدر في ذهن ابن عربي، أن الحب في هذا البيت، ليس عاطفة رومانسية ولا دينا كونيا، بل مقام صوفي يقوم على محبة الله واتباع نبيه، بل إن ابن عربي شرح بنفسه بيته في كتابه «ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق»، ذاكرا أن المعنى يشير إلى الآية الكريمة {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فلهذا سماه دين الحب، ودان به ليتلقى تكليفات محبوبه بالقبول والرضا والمحبة، ورفع المشقة والكلفة فيها بأي وجه كانت». ولكن لاقتباسات السوشيال ميديا رأي آخر، حيث اقتلعت البيت من سياقه الصوفي، وحولته إلى بطاقة رقمية جميلة عليها صورة عاشقين متعانقين يعتنقان دين الحب جسدا وروحا.
ابن عربي فيلسوفا حداثيا:
ولم يقتصر تسليع أفكار ابن عربي على إخراجها من سياقاتها الحقيقية، وإن كانت عباراتها ثابتة النسبة له، فهو لم يسلم بدوره ممن ألصق به عبارات لا نجدها في أي من كتبه المطبوعة، على حد علم الخبراء في كتبه وتعاليمه، وهم كثيرون. فمثلا تقابلنا في الكتب المطبوعة وعلى وسائل التواصل عبارة شهيرة منسوبة له «الزمانُ مكانٌ سائلٌ، والمكانُ زمانٌ متجمّدٌ»، وهو اقتباس لا يُعرف له وجود في كتبه ولا تصح نسبته إليه، فحتى الآن لم يقدّم أي ذاكر لهذا الاقتباس مصدرا له معتمدا، حتى إن الباحث محمد حاج يوسف المتخصص في مفهوم الزمن عند ابن عربي، وقد أنجز عن هذا المصطلح دراسة أكاديمية موسعة، يكتب عند ذكر العبارة «إنه صادف قولا منسوبا إلى ابن عربي». والغريب أن محمد حسن علوان نسب هذه العبارة إلى ابن عربي وعنْوَن بها أحد فصول روايته «موت صغير» الحائزة البوكر، وبفعله هذا أدخل هذه العبارة المزعومة إلى التداول العربي الواسع، والأغرب أن ناقدا جادا مثل أستاذي المرحوم صلاح فضل في مقال نقدي له عن رواية «موت صغير» يرى الجملة «معجزة فلسفية حداثية»، من دون التأكد من صحة نسبتها لابن عربي، وهذا مثال واضح على كيفية انتقال الاقتباس غير الموثّق من الرواية إلى النقد الأدبي، ومنه إلى المجال الثقافي العام. رغم أن لغة العبارة تبدو معاصرة قائمة على مقابلة حديثة بين سائل ومتجمد، وتشبه لغة الأدب والفلسفة المعاصرة المتأثرة بمفهوم «الزمكان» وتذكّرنا بمفاهيم فيلسوف السهولة زيغمونت بومان، صاحب مفهوم الحداثة السائلة. أما ابن عربي فعندما يتحدث عن الزمن فيستخدم تعبيرات من قبيل: الزمن أمر متوهم، أو زمان الشيء وحضوره، وسأكون مسرورة بالتأكيد لو عُثر على هذا الاقتباس في مخطوط مغمور لابن عربي، لم ير الضوء، فنحتفل بفيلسوف عربي حداثي من القرن الثالث عشر.
ليس ابن عربي بحاجة إلى أن نجعله ناشطا نسويّا، ولا مبشّرا بدين عالمي جديد، ولا فيلسوفا حداثيا، ففي نصوصه من الجرأة والجدّة ما يغنيه عن هذه الأقنعة المستعارة. لكن ثقافة الاستهلاك تريد قولبة الشيخ الأكبر في جملة قصيرة، وصورة جذابة، ومعنى يوافق قناعات أصحابها. فأخطر ما تفعله الاقتباسات الرقمية ليس أنها تكذب على ابن عربي، أو تحرف كلامه، بل تصنع منه نسخا مسطّحة تشبهنا، وإنصاف ابن عربي لا يكون بتحويله إلى حكيم يعيش عصر الذكاء الاصطناعي، ويستمتع باللايكات والترند، بل بأن نقرب المسافة بين فكره وعصرنا، من دون تزييف، فكل اقتباس من ابن عربي مكذوبٍ أو محرّفٍ لا يعوّل عليه.
شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب
اُطلب من أي برنامج للذكاء الاصطناعي أن يخترع لك جملة مثل «أشدُّ الأمواج خطرا تلك التي ترتفع في قلب رجلٍ يائس»، أو «كيف يتيه في البحر من كانت عينَا من يحبّ دليله»، ويكتب تحتها أوديسيوس، ثم اُطلب منه أن ينشئ صورة جذابة مأخوذة من فيلم «الأوديسة» الأخير لكريستوفر نولان، وفيها يبدو مات ديمون وهو يصارع الأمواج على ظهر سفينته، يكفي بعد هذا أن تنهال الإجابات ويشاركك على صفحتك مؤثر مشهور لتصبح الأكذوبة مصدرا موثوقا وتكتسب عصمة لا يكلف أحد نفسه مساءلتها ولا التشكيك فيها.
هذا السيناريو السريالي تكرر مرات لا تحصى مع اقتباسات نرددها ونتناقلها ونستشهد بها، والله وحده يعلم قائلها. وللإنصاف لم تخترع وسائل التواصل الاجتماعي الاقتباسات المزيفة والأقوال المنحولة، ففي التراث العربي، بل في تراث الإنسانية قاطبة أقوال كثيرة نسبت لغير قائليها لأسباب شتى، ومنها الأحاديث الموضوعة التي نسبت إلى نبي الإسلام، وظاهرة الانتحال في الشعر العربي، فكل بيت شعري تضمّن حكمة ينسب إلى علي بن أبي طالب، أو الإمام الشافعي. ولكن الأمر كان يحتاج إلى سنوات ورواة وناسخين ليتكرس، في حين أن البيئة الرقمية منحت الاقتباسات المزيفة أبعادا فلكية، فتستعاد آلاف المرات في زمن لا يتجاوز الساعات.
وأجسام المتصوفة تصلح لكل ثوب، خاصة مع هوس المجتمعات الاستهلاكية بكل ما هو روحاني مقبل من الشرق بمعناه الواسع، وقد ذكرتُ بعض هذا الاختلاق أو الانزياح في مقال الأسبوع الماضي عن جلال الدين الرومي، وأورد نماذج عن توأمه في المخيلة الغربية عن الحكمة المشرقية الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، مع فارق مهم أن وسائل التواصل ـ وقبلها كثير من النصوص المكتوبة ـ لم تزوِّر بن عربي باختراع ما لم يقله، بل فعلت شيئا أكثر خبثا وخفاء: استلّت عباراته من منظومتها الفكرية والروحية، وصنعت منها نسخة قابلة للاستهلاك السريع، فتحول معها «التلاعب اللغوي بيانا نسويّا، والحب الإلهي رومانسية فردية، وسعة القلب الصوفي دعوة حديثة إلى تساوي الأديان» فنحن لسنا أمام تحريف نص فحسب، بل تحريف سياق ووظيفة ودلالة.
ابن عربي رائدا للنسوية:
لو سألنا قارئا عاديا عما يحفظ من عبارات ابن عربي لبادر قائلا، «كل مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه»، فإن طلبنا منه تفسيرها نجد الإجابة المبتذلة الجاهزة أن المكان الذي لا توجد فيه امرأة لا يُعتمد عليه، وهذه العبارة لابن عربي رفعت شعارا من قبل أنصار النسوية ودعاة الحداثة على السواء، فهي كثيرة الدوران على لسان أدونيس مثلا، وقد وردت في كتيّب صغير لابن عربي بعنوان «رسالة الذي لا يُعوَّل عليه»، وصيغتها الأصلية «المكانُ إذا لم يُؤنَّثْ لا يُعوَّلُ عليه». وورد في النصوص المنشورة للرسالة، بعد هذه العبارة تفسير صريح لها: «يعني المكانة»، ليصبح المعنى المباشر القائم على هذا التلاعب اللغوي أن المكان إذا أضيفت إليه تاء التأنيث يصبح مكانة. فلا قيمة للمكان الخارجي إذا لم يتحول في الإنسان إلى مرتبة روحية ومعرفة، فـ»المكان يتعلق بالصورة الخارجية، أما المكانة فتتعلق بالمرتبة الباطنة والتحقق الروحي».
قد يكون الإنسان في أشرف الأماكن، من غير أن تكون له عند الله أو في المعرفة أي مكانة. وهذا المعنى شرحه ابن عربي نفسه في كتابه «الفتوحات المكية» حين كتب «المكان في الذوات كالمكانة في المراتب»، وقد حاول محمد حسين علوان في روايته «موت صغير» أن يلفّق بين التفسيرين فذكر على لسان ابن عربي «المكان ذكر والمكانة أنثى، آدم كان ذكرا لم يكتمل إلا بحواء». وفي الحقيقة لسنا بحاجة للي عنق هذه العبارة، حتى نبرهن على مكانة المرأة عند ابن عربي، فنظرته أشمل وأعمق، حيث إنه لا يختزل الأنوثة في الجسد، بل ترتقي المرأة عنده إلى معنى كوني يقوم على القبول والتكوين والإنجاب، فكل موجود يقبل أثرا أو يلد معنى يحمل وجها من الأنوثة، التي لم ير فيها نقصا يقابل الذكورة، بل اعتبرها سرا من أسرار الخلق والتجلي، على أن لا يُقرأ هذا بوصفه إعلانا نسويا حديثا، بل ضمن الأحكام والثقافة السائدة في عصره، رغم أنه يمنح المرأة مساواة روحية ووجودية واضحة، إلى درجة أن تبلغ درجة القطبية في المنظومة الصوفية عنده. فكل تفسير لعبارة ابن عربي «كل مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه»، بأنه يقصد المرأة لا يعوّل عليه أيضا.
ابن عربي مبشرا بدين الحب:
ومثل العبارة «الأكبرية» السابقة نجد أبياتا شهيرة لابن عربي أخرجت عن معناها الحقيقي، وتحولت دعوة لدين جديد هو دين الحب الذي يحتاجه بشدة عصرنا المأزوم باللهاث المادي والحروب والكوارث الإنسانية، فحين قال ابن عربي في ديوانه «ترجمان الأشواق»: (لَقَد صارَ قَلبي قابِلا كُلَّ صورَةٍ … فَمَرعى لِغِزلانٍ وَدَيرٌ لِرُهبانِ/ وَبَيتٌ لِأَوثانٍ وَكَعبَةُ طائِفٍ … وَأَلواحُ تَوراةٍ وَمُصحَفُ قُرآنِ/ أدينُ بدِين الحبِّ أنّى توجَّهتْ/ ركائبُه، فالحبُّ ديني وإيماني)، لم يكن يُصدر بيانا حديثا عن التعددية الدينية، أو المساواة بين الشرائع، وهذا التفسير رفضه حتى المستشرقون المتخصصون في التصوف والفكر الأكبري مثل ليبتون وآنماري شيميل ووليام تشيتيك، واعتبروا أبيات ابن عربي وصفا «لمقام معرفي صوفي يرى أن القلب الكامل يتلقى صور التجلي كلها من غير أن يحبس الله في اعتقاد محدود. وهذا الكمال، موروث من «الحقيقة المحمدية»، التي تجمع معارف الأنبياء والتجليات السابقة وتحتويها». أما البيت الأخير الذي أصبح شعارا لأتباع دين الحب فيقول عنه وليام تشيتيك، في بحث له بعنوان «إعادة النظر في دين الحب»: «إن دين الحب الذي يتحدث عنه ابن عربي ليس تماما كما يتخيله معظم الناس. إنه ينطوي بالتأكيد على الانفتاح على جمال خلق الله إلى جانب الحب والرحمة لجميع مخلوقات الله، لكنه قبل كل شيء برنامج عملي، يتمثل في تطبيق السنة الكاملة». فالبيت الذي حوّله التداول الرقمي إلى شعار لرومانسية الحب والروحانية الفردية التي تقول «الحب وحده يكفيني» وأنّ الأديان متطابقة، لم يدر في ذهن ابن عربي، أن الحب في هذا البيت، ليس عاطفة رومانسية ولا دينا كونيا، بل مقام صوفي يقوم على محبة الله واتباع نبيه، بل إن ابن عربي شرح بنفسه بيته في كتابه «ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق»، ذاكرا أن المعنى يشير إلى الآية الكريمة {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فلهذا سماه دين الحب، ودان به ليتلقى تكليفات محبوبه بالقبول والرضا والمحبة، ورفع المشقة والكلفة فيها بأي وجه كانت». ولكن لاقتباسات السوشيال ميديا رأي آخر، حيث اقتلعت البيت من سياقه الصوفي، وحولته إلى بطاقة رقمية جميلة عليها صورة عاشقين متعانقين يعتنقان دين الحب جسدا وروحا.
ابن عربي فيلسوفا حداثيا:
ولم يقتصر تسليع أفكار ابن عربي على إخراجها من سياقاتها الحقيقية، وإن كانت عباراتها ثابتة النسبة له، فهو لم يسلم بدوره ممن ألصق به عبارات لا نجدها في أي من كتبه المطبوعة، على حد علم الخبراء في كتبه وتعاليمه، وهم كثيرون. فمثلا تقابلنا في الكتب المطبوعة وعلى وسائل التواصل عبارة شهيرة منسوبة له «الزمانُ مكانٌ سائلٌ، والمكانُ زمانٌ متجمّدٌ»، وهو اقتباس لا يُعرف له وجود في كتبه ولا تصح نسبته إليه، فحتى الآن لم يقدّم أي ذاكر لهذا الاقتباس مصدرا له معتمدا، حتى إن الباحث محمد حاج يوسف المتخصص في مفهوم الزمن عند ابن عربي، وقد أنجز عن هذا المصطلح دراسة أكاديمية موسعة، يكتب عند ذكر العبارة «إنه صادف قولا منسوبا إلى ابن عربي». والغريب أن محمد حسن علوان نسب هذه العبارة إلى ابن عربي وعنْوَن بها أحد فصول روايته «موت صغير» الحائزة البوكر، وبفعله هذا أدخل هذه العبارة المزعومة إلى التداول العربي الواسع، والأغرب أن ناقدا جادا مثل أستاذي المرحوم صلاح فضل في مقال نقدي له عن رواية «موت صغير» يرى الجملة «معجزة فلسفية حداثية»، من دون التأكد من صحة نسبتها لابن عربي، وهذا مثال واضح على كيفية انتقال الاقتباس غير الموثّق من الرواية إلى النقد الأدبي، ومنه إلى المجال الثقافي العام. رغم أن لغة العبارة تبدو معاصرة قائمة على مقابلة حديثة بين سائل ومتجمد، وتشبه لغة الأدب والفلسفة المعاصرة المتأثرة بمفهوم «الزمكان» وتذكّرنا بمفاهيم فيلسوف السهولة زيغمونت بومان، صاحب مفهوم الحداثة السائلة. أما ابن عربي فعندما يتحدث عن الزمن فيستخدم تعبيرات من قبيل: الزمن أمر متوهم، أو زمان الشيء وحضوره، وسأكون مسرورة بالتأكيد لو عُثر على هذا الاقتباس في مخطوط مغمور لابن عربي، لم ير الضوء، فنحتفل بفيلسوف عربي حداثي من القرن الثالث عشر.
ليس ابن عربي بحاجة إلى أن نجعله ناشطا نسويّا، ولا مبشّرا بدين عالمي جديد، ولا فيلسوفا حداثيا، ففي نصوصه من الجرأة والجدّة ما يغنيه عن هذه الأقنعة المستعارة. لكن ثقافة الاستهلاك تريد قولبة الشيخ الأكبر في جملة قصيرة، وصورة جذابة، ومعنى يوافق قناعات أصحابها. فأخطر ما تفعله الاقتباسات الرقمية ليس أنها تكذب على ابن عربي، أو تحرف كلامه، بل تصنع منه نسخا مسطّحة تشبهنا، وإنصاف ابن عربي لا يكون بتحويله إلى حكيم يعيش عصر الذكاء الاصطناعي، ويستمتع باللايكات والترند، بل بأن نقرب المسافة بين فكره وعصرنا، من دون تزييف، فكل اقتباس من ابن عربي مكذوبٍ أو محرّفٍ لا يعوّل عليه.
شاعرة وإعلامية من البحرين


