هل تنجح صناعة الخوف من الإسلام في أوروبا؟
سهيل كيوان
كاتب فلسطيني
نيسان ـ نشر في 2026-09-10 الساعة 14:06
نيسان ـ لم تعد صورة «الخطر الإسلامي» في أوروبا مجرد شعار ترفعه مجموعات هامشية معادية للمهاجرين، بل أصبحت مادة خصبة توظف انتخابياً وتلقى ترحيباً متصاعداً.
في الوقت نفسه وجدت حكومة بنيامين نتنياهو في خطاب «الخطر الإسلامي» مجالا حيوياً مشتركاً مع اليمين الأوروبي الصاعد، يقول «نحن وإياكم نواجه عدواً واحداً». هكذا يخدم أحدهما رواية الآخر، اليمين الأوروبي يخوّف ناخبيه من طوفان هجرة إسلامية يهدد هوية القارة الليبرالية المتحررة والمسيحية، وبالتالي الحضارة الأوروبية، وسلطة الاحتلال تقول للأوروبيين، إن الحروب التي تخوضها في المنطقة العربية، هي جزء من حرب حضارة الغرب في مواجهة الإسلام المتطرف والمتخلف.
في مطلع هذا الأسبوع حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» فوزاً يمكن القول إنه تاريخي في انتخابات ولاية ساكسونيا – أنهالت، إذ حصل على نحو 44% من الأصوات مضاعفاً قوّته التي لم تكن تتجاوز 20.8% قبل خمس سنوات. ويرى المراقبون أن هذا تحول هائل في اتجاه صعود الأحزاب القومية المتطرفة، هذه النتيجة لاقت ترحيباً من الرئيس الأمريكي ترامب. الفرع المحلي لحزب البديل في ساكسونيا-أنهالت مصنف كتنظيم يميني متطرف من قبل جهاز الاستخبارات الداخلي في الولاية، وقد أشار الجهاز نفسه إلى تصريحات عنصرية معادية للمسلمين، صدرت عن مسؤولين في الحزب. المهم هنا أنها ليست حالة فريدة، بل هي مناخ أوروبي، جعل مثل هذا الخطاب قادراً على جلب هذا العدد الهائل من الأصوات. لقد سبق هذا إنجازات انتخابية وصعود لافت لليمين القومي والمتطرف في هولندا والنمسا وفرنسا وإيطاليا وغيرها. الجديد هو أن يقترب حزب مثل «البديل من أجل ألمانيا» من الفوز بنصف أصوات الناخبين، وقد جعل من الهجرة والإسلام والهوية قضايا انتخابية مركزية. بعد أيام يتوجه السويديون إلى صناديق الاقتراع، وهناك أيضاً أصبح ملف الهجرة والإسلام السياسي من الموضوعات المركزية، ويمثل حزب «ديمقراطيو السويد» قوة أساسية في المعسكر اليميني، أي أن أوروبا تنتقل من انتخابات إلى أخرى، بينما سؤال الهجرة والهوية يصبح أكثر حِدة وهنا تدخل إسرائيل على الخط.
كلما نجح اليمين الأوروبي في تحويل الخوف من الهجرة والإسلام إلى أصوات انتخابية، وجد اليمين الإسرائيلي حلفاء جدداً يقولون للأوروبيين إن إسرائيل تخوض حربهم هم أيضاً
منذ السابع من أكتوبر وحرب الإبادة على غزة، تغيرت صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي، من صورة الضحية التي تدافع عن حقها في الوجود إلى صورة المجرمة التي تقتل عشرات آلاف المدنيين من غير تمييز، واتسعت في أوروبا المظاهرات المؤيدة لفلسطين، وأصبحت صور الأطفال الجوعى والقتلى والدمار في قطاع غزة وجرائم المستوطنين في الضفة الغربية، عبئاً أخلاقياً متزايداً على الحكومات الأوروبية التي حافظت طويلا على علاقات وثيقة مع إسرائيل. أمام هذه الصورة، تصبح هناك فائدة سياسية هائلة من حرف موضوع النقاش مما تفعله إسرائيل في فلسطين إلى سؤال آخر: ما الذي يفعله المسلمون والإسلام في أوروبا؟ بدلا من النظر إلى المتظاهر الأوروبي الذي يحمل علم فلسطين، باعتباره مواطناً يعترض على سياسة إسرائيل، تجري محاولة تصويره على أنه جزء من صعود الإسلام المتطرف وتزايد أعداد المسلمين في أوروبا.
في خطاب له في سبتمبر 2025 تحدث نتنياهو عن هجرة المسلمين الواسعة إلى أوروبا، وعن تحولهم إلى أقلية كبيرة ومؤثرة، وربط ذلك بالضغط الشعبي على الحكومات الأوروبية لاتخاذ مواقف أكثر عداء لإسرائيل. كل مهاجر يصبح مسلماً، وكل مسلم يصبح إسلاميا متطرفاً، وهذا خطر أمني، ثم يصبح المتظاهر ضد الإبادة في غزة جزءا من المشكلة نفسها. إنها سلسلة من الاختزالات السياسية التي تضع ملايين البشر المختلفين في خانة واحدة. ولم تبق صور المهاجرين الذين حاولوا العبور إلى سبتة في يوليو الماضي من غير استثمار إسرائيلي، فقد سخر بعضهم من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وطالبه بن غفير بفتح باب الهجرة أمام الغزيين، وتحدثوا عن غزو في سياق خطاب «أسلمة أوروبا». فالصورة المثالية لهذا الخطاب هي آلاف الشبان القادمين من بلد مسلم، وهم يعبرون «حدود» دولة أوروبية. لا يحتاج المشاهد بعدها إلى كثير من الكلمات، يكفي أن توضع فوق الصورة عبارة غزو أوروبا، أو أسلمة أوروبا حتى تستعدي الصدام بين الأديان والحضارات من العصور الماضية. هنا يلتقي اليمين الأوروبي مع اليمين الإسرائيلي. اليمين الأوروبي يحتاج لخطابه صورة «المهاجرين يتدفقون، الهوية مهددة، الإسلام يتوسع، النخب الليبرالية عاجزة عن حماية الأمة، وأنا عندي الحل». واليمين الفاشي الإسرائيلي يحتاج إلى رواية تقول للأوروبي، نحن شركاء ونخوض المعركة نفسها. بهذا المعنى تتحول إسرائيل التي تمارس جرائم حرب إلى لعب دور المدافع الأول عن الحضارة الغربية.
في الجهة الأخرى يحصل اليمين الأوروبي على فائدة إضافية من تأييده لإسرائيل. فبعض الأحزاب ذات الجذور، أو الموروثات القومية المتطرفة تستطيع تقديم نفسها بوصفها المدافع الأقوى عن إسرائيل واليهود في مواجهة معاداة السامية الإسلامية، فتبعد عن نفسها صورتها التاريخية القديمة المرتبطة بمعاداة اليهود، لتقول إن المسلم هو العدو. يسعى اليمين المتطرف إلى محو الحدود بين الإسلام والإسلام السياسي والحركات الإسلامية المتطرفة. الإسلام دين يعتنقه ملايين الأوروبيين، غالبيتهم العظمى لا تنتمي لأي تنظيم، هنالك تنظيمات إسلامية ذات طابع اجتماعي، كالجمعيات الخيرية وغيرها، وهنالك تنظيمات إسلامية متطرفة وهي ظاهرة سياسية ينبغي مواجهتها مثل أي تطرف آخر. عندما تُمحى الحدود بين جميع هؤلاء يتحول الأمن إلى تحريض، وتتحول مكافحة التطرف إلى عداء لجماعة دينية كاملة. نتيجة انتخابات ساكسونيا-أنهالت إنذار سياسي أوروبي. بعد أيام ستجري انتخابات في السويد، ثم تستمر أوروبا في سلسلة من الاستحقاقات التي سيكون موضوع الهجرة والهوية والإسلام حاضراً فيها بقوة. كلما نجح اليمين الأوروبي في تحويل الخوف من الهجرة والإسلام إلى أصوات انتخابية، وجد اليمين الإسرائيلي حلفاء جدداً يقولون للأوروبيين إن إسرائيل تخوض حربهم هم أيضاً، هكذا فإن كل طرف أصبح يحتاج إلى «مخاوف» الطرف الآخر، ويهندسها، حسب حاجته. إسرائيل تحتاج إلى أوروبا خائفة من الإسلام، واليمين الأوروبي يحتاج إلى نموذج يقول إن لهذا الخوف ما يبرّره. هنالك من يحمّل المسلمين أنفسهم جزءاً من المسؤولية عن تنامي الخوف منهم في أوروبا، مستنداً إلى تصرفات تصدر عن بعض الأفراد أو الجماعات، إضافة إلى عمليات إرهابية ارتكبت باسم الإسلام، مثل تفجيرات محطات القطارات في مدريد عام 2004 وتفجيرات في لندن عام 2005 وعملية دهس في نيس في فرنسا وأخرى في برلين عام 2016، وفي مطار بروكسل عام 2016 وغيرها من عمليات تنسب إلى تنظيمات «إسلامية جهادية». هذه ظواهر موجودة وينبغي عدم إنكارها أو تبريرها، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول أفعال أفراد أو تنظيمات إرهابية إلى لائحة اتهام بحق ملايين المسلمين. اليمين المتطرف يبني خطابه على الإيحاء بأن الإسلام نفسه مشكلة وأن المسلم مشكوك به لمجرد كونه مسلماً. وإسرائيل بقيادتها الحالية ترى في كل من يعترض على مشروعها الاحتلالي والإحلالي والإبادي إرهابياً، وبما أن ضحايا الاحتلال أكثرهم من المسلمين بحكم الجغرافيا، فهي تروّج بأن المسلم يحمل بذور الإرهاب في عقيدته التي ترفض الآخر، وتدعو إلى قتله. أوروبا التي بنت تجربتها الحديثة على الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية، تقف اليوم أمام امتحان صعب: إما أن تواجه التطرف بغض النظر عن مصدره بالقانون، ومن دون تمييز، وإما أن تسمح للتخويف بأن يعيد رسم حدودها السياسية والأخلاقية. وفي هذه المساحة بالذات يلتقي اليمين المتطرف الأوروبي مع الفاشية الإسرائيلية، كلاهما يحتاج إلى المسلم المخيف ليبرر خطابه وسياساته. والسؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع الأوروبية المقبلة ليس فقط من سيحكم؟ بل أيضا، إذا ما ستنجح صناعة الخوف هذه بأن تصبح صناعة للأغلبية فتخلط الأوراق من جديد وتضع الضحايا في موقع المتهمين، وتقلب الأدوار بين الجلاد والضحية.
كاتب فلسطيني
في الوقت نفسه وجدت حكومة بنيامين نتنياهو في خطاب «الخطر الإسلامي» مجالا حيوياً مشتركاً مع اليمين الأوروبي الصاعد، يقول «نحن وإياكم نواجه عدواً واحداً». هكذا يخدم أحدهما رواية الآخر، اليمين الأوروبي يخوّف ناخبيه من طوفان هجرة إسلامية يهدد هوية القارة الليبرالية المتحررة والمسيحية، وبالتالي الحضارة الأوروبية، وسلطة الاحتلال تقول للأوروبيين، إن الحروب التي تخوضها في المنطقة العربية، هي جزء من حرب حضارة الغرب في مواجهة الإسلام المتطرف والمتخلف.
في مطلع هذا الأسبوع حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» فوزاً يمكن القول إنه تاريخي في انتخابات ولاية ساكسونيا – أنهالت، إذ حصل على نحو 44% من الأصوات مضاعفاً قوّته التي لم تكن تتجاوز 20.8% قبل خمس سنوات. ويرى المراقبون أن هذا تحول هائل في اتجاه صعود الأحزاب القومية المتطرفة، هذه النتيجة لاقت ترحيباً من الرئيس الأمريكي ترامب. الفرع المحلي لحزب البديل في ساكسونيا-أنهالت مصنف كتنظيم يميني متطرف من قبل جهاز الاستخبارات الداخلي في الولاية، وقد أشار الجهاز نفسه إلى تصريحات عنصرية معادية للمسلمين، صدرت عن مسؤولين في الحزب. المهم هنا أنها ليست حالة فريدة، بل هي مناخ أوروبي، جعل مثل هذا الخطاب قادراً على جلب هذا العدد الهائل من الأصوات. لقد سبق هذا إنجازات انتخابية وصعود لافت لليمين القومي والمتطرف في هولندا والنمسا وفرنسا وإيطاليا وغيرها. الجديد هو أن يقترب حزب مثل «البديل من أجل ألمانيا» من الفوز بنصف أصوات الناخبين، وقد جعل من الهجرة والإسلام والهوية قضايا انتخابية مركزية. بعد أيام يتوجه السويديون إلى صناديق الاقتراع، وهناك أيضاً أصبح ملف الهجرة والإسلام السياسي من الموضوعات المركزية، ويمثل حزب «ديمقراطيو السويد» قوة أساسية في المعسكر اليميني، أي أن أوروبا تنتقل من انتخابات إلى أخرى، بينما سؤال الهجرة والهوية يصبح أكثر حِدة وهنا تدخل إسرائيل على الخط.
كلما نجح اليمين الأوروبي في تحويل الخوف من الهجرة والإسلام إلى أصوات انتخابية، وجد اليمين الإسرائيلي حلفاء جدداً يقولون للأوروبيين إن إسرائيل تخوض حربهم هم أيضاً
منذ السابع من أكتوبر وحرب الإبادة على غزة، تغيرت صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي، من صورة الضحية التي تدافع عن حقها في الوجود إلى صورة المجرمة التي تقتل عشرات آلاف المدنيين من غير تمييز، واتسعت في أوروبا المظاهرات المؤيدة لفلسطين، وأصبحت صور الأطفال الجوعى والقتلى والدمار في قطاع غزة وجرائم المستوطنين في الضفة الغربية، عبئاً أخلاقياً متزايداً على الحكومات الأوروبية التي حافظت طويلا على علاقات وثيقة مع إسرائيل. أمام هذه الصورة، تصبح هناك فائدة سياسية هائلة من حرف موضوع النقاش مما تفعله إسرائيل في فلسطين إلى سؤال آخر: ما الذي يفعله المسلمون والإسلام في أوروبا؟ بدلا من النظر إلى المتظاهر الأوروبي الذي يحمل علم فلسطين، باعتباره مواطناً يعترض على سياسة إسرائيل، تجري محاولة تصويره على أنه جزء من صعود الإسلام المتطرف وتزايد أعداد المسلمين في أوروبا.
في خطاب له في سبتمبر 2025 تحدث نتنياهو عن هجرة المسلمين الواسعة إلى أوروبا، وعن تحولهم إلى أقلية كبيرة ومؤثرة، وربط ذلك بالضغط الشعبي على الحكومات الأوروبية لاتخاذ مواقف أكثر عداء لإسرائيل. كل مهاجر يصبح مسلماً، وكل مسلم يصبح إسلاميا متطرفاً، وهذا خطر أمني، ثم يصبح المتظاهر ضد الإبادة في غزة جزءا من المشكلة نفسها. إنها سلسلة من الاختزالات السياسية التي تضع ملايين البشر المختلفين في خانة واحدة. ولم تبق صور المهاجرين الذين حاولوا العبور إلى سبتة في يوليو الماضي من غير استثمار إسرائيلي، فقد سخر بعضهم من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وطالبه بن غفير بفتح باب الهجرة أمام الغزيين، وتحدثوا عن غزو في سياق خطاب «أسلمة أوروبا». فالصورة المثالية لهذا الخطاب هي آلاف الشبان القادمين من بلد مسلم، وهم يعبرون «حدود» دولة أوروبية. لا يحتاج المشاهد بعدها إلى كثير من الكلمات، يكفي أن توضع فوق الصورة عبارة غزو أوروبا، أو أسلمة أوروبا حتى تستعدي الصدام بين الأديان والحضارات من العصور الماضية. هنا يلتقي اليمين الأوروبي مع اليمين الإسرائيلي. اليمين الأوروبي يحتاج لخطابه صورة «المهاجرين يتدفقون، الهوية مهددة، الإسلام يتوسع، النخب الليبرالية عاجزة عن حماية الأمة، وأنا عندي الحل». واليمين الفاشي الإسرائيلي يحتاج إلى رواية تقول للأوروبي، نحن شركاء ونخوض المعركة نفسها. بهذا المعنى تتحول إسرائيل التي تمارس جرائم حرب إلى لعب دور المدافع الأول عن الحضارة الغربية.
في الجهة الأخرى يحصل اليمين الأوروبي على فائدة إضافية من تأييده لإسرائيل. فبعض الأحزاب ذات الجذور، أو الموروثات القومية المتطرفة تستطيع تقديم نفسها بوصفها المدافع الأقوى عن إسرائيل واليهود في مواجهة معاداة السامية الإسلامية، فتبعد عن نفسها صورتها التاريخية القديمة المرتبطة بمعاداة اليهود، لتقول إن المسلم هو العدو. يسعى اليمين المتطرف إلى محو الحدود بين الإسلام والإسلام السياسي والحركات الإسلامية المتطرفة. الإسلام دين يعتنقه ملايين الأوروبيين، غالبيتهم العظمى لا تنتمي لأي تنظيم، هنالك تنظيمات إسلامية ذات طابع اجتماعي، كالجمعيات الخيرية وغيرها، وهنالك تنظيمات إسلامية متطرفة وهي ظاهرة سياسية ينبغي مواجهتها مثل أي تطرف آخر. عندما تُمحى الحدود بين جميع هؤلاء يتحول الأمن إلى تحريض، وتتحول مكافحة التطرف إلى عداء لجماعة دينية كاملة. نتيجة انتخابات ساكسونيا-أنهالت إنذار سياسي أوروبي. بعد أيام ستجري انتخابات في السويد، ثم تستمر أوروبا في سلسلة من الاستحقاقات التي سيكون موضوع الهجرة والهوية والإسلام حاضراً فيها بقوة. كلما نجح اليمين الأوروبي في تحويل الخوف من الهجرة والإسلام إلى أصوات انتخابية، وجد اليمين الإسرائيلي حلفاء جدداً يقولون للأوروبيين إن إسرائيل تخوض حربهم هم أيضاً، هكذا فإن كل طرف أصبح يحتاج إلى «مخاوف» الطرف الآخر، ويهندسها، حسب حاجته. إسرائيل تحتاج إلى أوروبا خائفة من الإسلام، واليمين الأوروبي يحتاج إلى نموذج يقول إن لهذا الخوف ما يبرّره. هنالك من يحمّل المسلمين أنفسهم جزءاً من المسؤولية عن تنامي الخوف منهم في أوروبا، مستنداً إلى تصرفات تصدر عن بعض الأفراد أو الجماعات، إضافة إلى عمليات إرهابية ارتكبت باسم الإسلام، مثل تفجيرات محطات القطارات في مدريد عام 2004 وتفجيرات في لندن عام 2005 وعملية دهس في نيس في فرنسا وأخرى في برلين عام 2016، وفي مطار بروكسل عام 2016 وغيرها من عمليات تنسب إلى تنظيمات «إسلامية جهادية». هذه ظواهر موجودة وينبغي عدم إنكارها أو تبريرها، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول أفعال أفراد أو تنظيمات إرهابية إلى لائحة اتهام بحق ملايين المسلمين. اليمين المتطرف يبني خطابه على الإيحاء بأن الإسلام نفسه مشكلة وأن المسلم مشكوك به لمجرد كونه مسلماً. وإسرائيل بقيادتها الحالية ترى في كل من يعترض على مشروعها الاحتلالي والإحلالي والإبادي إرهابياً، وبما أن ضحايا الاحتلال أكثرهم من المسلمين بحكم الجغرافيا، فهي تروّج بأن المسلم يحمل بذور الإرهاب في عقيدته التي ترفض الآخر، وتدعو إلى قتله. أوروبا التي بنت تجربتها الحديثة على الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية، تقف اليوم أمام امتحان صعب: إما أن تواجه التطرف بغض النظر عن مصدره بالقانون، ومن دون تمييز، وإما أن تسمح للتخويف بأن يعيد رسم حدودها السياسية والأخلاقية. وفي هذه المساحة بالذات يلتقي اليمين المتطرف الأوروبي مع الفاشية الإسرائيلية، كلاهما يحتاج إلى المسلم المخيف ليبرر خطابه وسياساته. والسؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع الأوروبية المقبلة ليس فقط من سيحكم؟ بل أيضا، إذا ما ستنجح صناعة الخوف هذه بأن تصبح صناعة للأغلبية فتخلط الأوراق من جديد وتضع الضحايا في موقع المتهمين، وتقلب الأدوار بين الجلاد والضحية.
كاتب فلسطيني
نيسان ـ نشر في 2026-09-10 الساعة 14:06
رأي: سهيل كيوان كاتب فلسطيني


