حرب القوى العظمى في القرن السادس عشر
توران قشلاقجي
كاتب تركي
نيسان ـ نشر في 2026-09-10 الساعة 14:06
نيسان ـ لا يمكن اختزال البرتغال اليوم في كونها دولة صغيرة تقع في أقصى غرب أوروبا المطل على المحيط الأطلسي، إذ أن نظرة كهذه لا تكفي لقراءة تاريخها بكل أبعاده. فقد ظلت شبه الجزيرة الإيبيرية، على مدى قرون، فضاء متداخلا مع عالم الأندلس وشمال افريقيا، الأمر الذي ترك بصمات عميقة في المجتمع البرتغالي. ومن الثقافة واللغة إلى العمارة وتفاصيل الحياة اليومية، لا يمكن إنكار أثر الإرث المغاربي والأندلسي في البرتغال.
والمفارقة اللافتة في التاريخ أن شمال افريقيا نفسها كانت إحدى بوابات انطلاق المسيرة الإمبراطورية الكبرى، التي حملت البرتغال إلى المحيطات. فاستيلاؤها على مدينة سبتة المغربية عام 1415 بدا في ظاهره نصرا عسكريا محدودا، لكنه شكّل في الواقع بداية الطريق أمام إمبراطورية برتغالية ستنطلق من السواحل الافريقية لتصل إلى بحار العالم.
وعقب سبتة، حوّل البرتغاليون السواحل المغربية، خطوة بعد خطوة، إلى سلسلة من مناطق النفوذ البحري. وأُقيمت القلاع والقواعد في طنجة ومازاغان وأكادير وغيرها من النقاط الساحلية، وظل بعضها تحت الحكم البرتغالي لبضعة عقود، فيما بقي بعضها الآخر لقرون. ولم تكن هذه الموانئ مجرد أراض تم فتحها، بل كانت مراكز للإمداد والأمن للأساطيل المتجهة جنوبا عبر المحيط الأطلسي. وفي الفترة نفسها أصبحت ماديرا أيضا جزءا من العالم البرتغالي. ولا تزال الأسوار وخطوط الدفاع المتداخلة في العاصمة فونشال تحمل، حتى اليوم، آثار هذه العقلية العسكرية. كما حوّل البرتغاليون القسوة التي مارسوها في المستعمرات إلى سياسة للترهيب، فالعنف الذي كان يُستعرض في مكان ما كان رسالة موجهة إلى شعوب مناطق جغرافية أخرى. وأصبحت ماديرا تدريجيا إحدى المحطات المهمة في الشبكة البحرية، التي ستمتد إلى البرازيل وافريقيا وآسيا.
ومع وصول فاسكو دا غاما إلى الهند عام 1498، اكتسبت هذه الشبكة طابعا عالميا، فلم تعد البرتغال تريد السيطرة على المحيط الأطلسي وحده، بل على المحيط الهندي أيضا، ولا سيما تجارة التوابل. وتحولت السواحل المغربية وماديرا وغرب افريقيا ورأس الرجاء الصالح وموانئ الهند إلى حلقات في سلسلة بحرية مترابطة. وكانت الجغرافيا إحدى أكبر المزايا الاستراتيجية للبرتغال، فرغم أن الدولة العثمانية كانت القوة الكبرى في البحر المتوسط، فإنها لم تكن تمتلك منفذا مباشرا إلى المحيط الأطلسي. لكن توجه العثمانيين إلى اتباع سياسة بحرية عابرة للقارات، بعد أقل من نصف قرن على فتح إسطنبول، أخرج للبرتغال منافسا بحجم لم تكن تتوقعه. ففي معركة ديو عام 1509، واجه الأسطول البرتغالي أسطولا تألف من سلطنة الكجرات وقوات المماليك وعناصر حليفة. وهُزمت هذه الجبهة التي حظيت أيضا بدعم عثماني من المدفعية والخبرات العسكرية. لكن ديو لم تكن بالنسبة إلى العثمانيين مجرد هزيمة، بل درسا باهظ الثمن حول طبيعة ساحة الصراع في المحيط الهندي. وسرعان ما حوّل العثمانيون هذا الدرس إلى استراتيجية بحرية كبرى. ففي عهد سليمان باشا الخادم وبيري ريس والبحارة الذين جاؤوا من بعدهم، شُكّلت أساطيل انطلاقا من السويس واليمن والبصرة. وبما أنه لم يكن هناك ممر مائي مباشر بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، كانت مواد بناء السفن وعناصر الأسطول تُنقل عبر مصر إلى السويس، حيث كانت تتحول من جديد إلى سفن. وكان ذلك جهدا لوجستيا استثنائيا يذكّر بقصة السفن التي نُقلت برا عند فتح إسطنبول. واعتبارا من عام 1538، في عهد السلطان سليمان القانوني، بدأ العثمانيون يظهرون في المحيط الهندي لا كضيوف مؤقتين، بل كقوة دائمة. وكان عدد سفن الأسطول يصل أحيانا إلى عشرات السفن، ولم تكن القضية الأساسية في الصراع الممتد من عدن إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، وصولا إلى سواحل الهند، تتعلق بالأراضي وحدها، بل كانت القضية هي: من سيسيطر على شرايين التجارة العالمية؟ فمن جهة كانت البرتغال تدخل المحيط الهندي عبر الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ومن جهة أخرى كانت الدولة العثمانية تحاول الوصول إلى البحر نفسه عبر البحر الأحمر والبصرة.
العالم يعود من جديد إلى صراع على تقاسم الموانئ والمضائق والقواعد البحرية وممرات التجارة، من البحر الأحمر إلى باب المندب، ومن شرق المتوسط إلى هرمز، ومن المحيط الهندي إلى ملقا، تجري لعبة الشطرنج القديمة نفسها
أما الكارثة الكبرى الحقيقية للبرتغال، فلم تقع قبالة سواحل الهند، بل في منطقة قريبة من المكان الذي بدأت منه إمبراطوريتها، أي في المغرب. فقد شكلت المعركة التي وقعت قرب القصر الكبير في 4 أغسطس 1578، في عهد السلطان مراد الثالث، والمعروفة أيضا باسم معركة وادي المخازن، إحدى نقاط التحول في تاريخ البرتغال. وكان ملك البرتغال الشاب سبستيان الأول يريد، من خلال التدخل في المغرب، توسيع مجال نفوذه وإظهار نفسه بوصفه حاكما صليبيا جديدا. وفي الصراع على العرش في المغرب، دعمت البرتغال محمد المتوكل، بينما كان السلطان عبد الملك يتمتع بعلاقات وثيقة ودعم عسكري من العالم العثماني. وهكذا تجاوز الصراع الذي شهدته السهول المغربية كونه مجرد نزاع محلي على العرش، وتحول إلى إحدى المواجهات بين عالمين سياسيين كبيرين في منطقة البحر المتوسط.
وقد دخلت هذه المعركة الميدانية، التي يسميها البرتغاليون «Alcácer Quibir»، التاريخ باسم «معركة الملوك الثلاثة»، لأن الملوك الثلاثة لم يكونوا على قيد الحياة في نهاية المعركة. فقد قُتل الملك سبستيان، وتحول موته إلى أساطير عاشت في الثقافة البرتغالية قرونا طويلة. وكان سلطان المغرب عبد الملك يقود جيشه رغم مرضه الشديد، وفقد حياته أثناء المعركة. أما محمد المتوكل، الذي كانت البرتغال تدعمه، فغرق أثناء فراره. لكن الدمار الحقيقي حلّ بالدولة البرتغالية، إذ تشتت الجيش بشكل كبير، وفُقد قسم مهم من النخب الأرستقراطية والعسكرية في البلاد، وبدأت أزمة سياسية ومالية كبيرة. وأدت أزمة السلالة التي نشأت بعد وفاة سبستيان من دون أن يترك وريثا، إلى انتقال التاج البرتغالي بعد عامين إلى أيدي هابسبورغ إسبانيا. وهكذا فقدت الدولة التي ظهرت فاتحة للمحيطات، حتى استقلالها مؤقتا، بعد الضربة التي تلقتها في سهول المغرب. ولا تنتهي مفارقة هذه القصة عند هذا الحد. ففي عام 1617، وصل قراصنة انطلقوا من الجزائر العثمانية إلى ماديرا، ونفذوا غارة كبيرة على الجزيرة، لتصبح الجزيرة التي كانت يوما إحدى القواعد المتقدمة لرحلات البرتغال إلى افريقيا والمحيطات هدفا للبحارة القادمين من المغرب العربي. أما الوجود البرتغالي على السواحل المغربية فقد أخذ يتقلص تدريجيا، وانتهت حقبة استمرت نحو ثلاثة قرون ونصف بترك مازاغان عام 1769.
لقد حملت المسيرة الكبرى التي بدأت في سبتة عام 1415 البرتغال إلى إمبراطورية عالمية امتدت من البرازيل إلى إفريقيا، ومن الهند إلى جنوب شرق آسيا، لكن الجغرافيا المغربية نفسها وجهت إليها عام 1578 واحدة من أقسى الضربات في تاريخها. فالتاريخ يعود أحيانا إلى المكان الذي بدأ منه. خرجت البرتغال إلى المحيطات عبر بوابة المغرب، وأقامت إمبراطوريتها العالمية، لكنها تعلمت أيضا على الأراضي المغربية أن قوتها ليست عصية على الهزيمة. وكانت الحقيقة الكبرى التي لم تتغير خلف هذه القصة كلها هي أن السيطرة على العالم في القرن السادس عشر لم تعد ممكنة بمجرد امتلاك الأراضي، بل أصبحت مرتبطة بالسيطرة على الطرق البحرية والموانئ وشرايين التجارة. وكان الصراع الكبير بين الدولة العثمانية والبرتغال، في حقيقته، واحدا من أوائل المواجهات الجيوسياسية العالمية في العالم الحديث.
وخلاصة القول، إن سبب إعادة قراءة هذه القصة اليوم ليس مجرد الاهتمام بتاريخ البرتغال. الصين تبني مبادرة الحزام والطريق، والهند تبحث عن ممرات جديدة، ودول الخليج تستثمر في الموانئ، وتركيا تعود من جديد إلى الاهتمام بالبحار وخطوط النقل. والحقيقة التي أدركها البرتغاليون قبل خمسة قرون لم تتغير اليوم أيضا، لأن الدولة لا تصبح قوة كبرى بمجرد حماية حدودها، بل تصبح كذلك بقدر ما تستطيع الوصول إلى طرق التجارة، وإثبات وجودها في البحار، وبناء عمق استراتيجي يتجاوز حدود جغرافيتها. وهذا هو الدرس الأهم الذي تركته لنا المواجهة العثمانية البرتغالية حتى اليوم.
كاتب تركي
والمفارقة اللافتة في التاريخ أن شمال افريقيا نفسها كانت إحدى بوابات انطلاق المسيرة الإمبراطورية الكبرى، التي حملت البرتغال إلى المحيطات. فاستيلاؤها على مدينة سبتة المغربية عام 1415 بدا في ظاهره نصرا عسكريا محدودا، لكنه شكّل في الواقع بداية الطريق أمام إمبراطورية برتغالية ستنطلق من السواحل الافريقية لتصل إلى بحار العالم.
وعقب سبتة، حوّل البرتغاليون السواحل المغربية، خطوة بعد خطوة، إلى سلسلة من مناطق النفوذ البحري. وأُقيمت القلاع والقواعد في طنجة ومازاغان وأكادير وغيرها من النقاط الساحلية، وظل بعضها تحت الحكم البرتغالي لبضعة عقود، فيما بقي بعضها الآخر لقرون. ولم تكن هذه الموانئ مجرد أراض تم فتحها، بل كانت مراكز للإمداد والأمن للأساطيل المتجهة جنوبا عبر المحيط الأطلسي. وفي الفترة نفسها أصبحت ماديرا أيضا جزءا من العالم البرتغالي. ولا تزال الأسوار وخطوط الدفاع المتداخلة في العاصمة فونشال تحمل، حتى اليوم، آثار هذه العقلية العسكرية. كما حوّل البرتغاليون القسوة التي مارسوها في المستعمرات إلى سياسة للترهيب، فالعنف الذي كان يُستعرض في مكان ما كان رسالة موجهة إلى شعوب مناطق جغرافية أخرى. وأصبحت ماديرا تدريجيا إحدى المحطات المهمة في الشبكة البحرية، التي ستمتد إلى البرازيل وافريقيا وآسيا.
ومع وصول فاسكو دا غاما إلى الهند عام 1498، اكتسبت هذه الشبكة طابعا عالميا، فلم تعد البرتغال تريد السيطرة على المحيط الأطلسي وحده، بل على المحيط الهندي أيضا، ولا سيما تجارة التوابل. وتحولت السواحل المغربية وماديرا وغرب افريقيا ورأس الرجاء الصالح وموانئ الهند إلى حلقات في سلسلة بحرية مترابطة. وكانت الجغرافيا إحدى أكبر المزايا الاستراتيجية للبرتغال، فرغم أن الدولة العثمانية كانت القوة الكبرى في البحر المتوسط، فإنها لم تكن تمتلك منفذا مباشرا إلى المحيط الأطلسي. لكن توجه العثمانيين إلى اتباع سياسة بحرية عابرة للقارات، بعد أقل من نصف قرن على فتح إسطنبول، أخرج للبرتغال منافسا بحجم لم تكن تتوقعه. ففي معركة ديو عام 1509، واجه الأسطول البرتغالي أسطولا تألف من سلطنة الكجرات وقوات المماليك وعناصر حليفة. وهُزمت هذه الجبهة التي حظيت أيضا بدعم عثماني من المدفعية والخبرات العسكرية. لكن ديو لم تكن بالنسبة إلى العثمانيين مجرد هزيمة، بل درسا باهظ الثمن حول طبيعة ساحة الصراع في المحيط الهندي. وسرعان ما حوّل العثمانيون هذا الدرس إلى استراتيجية بحرية كبرى. ففي عهد سليمان باشا الخادم وبيري ريس والبحارة الذين جاؤوا من بعدهم، شُكّلت أساطيل انطلاقا من السويس واليمن والبصرة. وبما أنه لم يكن هناك ممر مائي مباشر بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، كانت مواد بناء السفن وعناصر الأسطول تُنقل عبر مصر إلى السويس، حيث كانت تتحول من جديد إلى سفن. وكان ذلك جهدا لوجستيا استثنائيا يذكّر بقصة السفن التي نُقلت برا عند فتح إسطنبول. واعتبارا من عام 1538، في عهد السلطان سليمان القانوني، بدأ العثمانيون يظهرون في المحيط الهندي لا كضيوف مؤقتين، بل كقوة دائمة. وكان عدد سفن الأسطول يصل أحيانا إلى عشرات السفن، ولم تكن القضية الأساسية في الصراع الممتد من عدن إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، وصولا إلى سواحل الهند، تتعلق بالأراضي وحدها، بل كانت القضية هي: من سيسيطر على شرايين التجارة العالمية؟ فمن جهة كانت البرتغال تدخل المحيط الهندي عبر الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ومن جهة أخرى كانت الدولة العثمانية تحاول الوصول إلى البحر نفسه عبر البحر الأحمر والبصرة.
العالم يعود من جديد إلى صراع على تقاسم الموانئ والمضائق والقواعد البحرية وممرات التجارة، من البحر الأحمر إلى باب المندب، ومن شرق المتوسط إلى هرمز، ومن المحيط الهندي إلى ملقا، تجري لعبة الشطرنج القديمة نفسها
أما الكارثة الكبرى الحقيقية للبرتغال، فلم تقع قبالة سواحل الهند، بل في منطقة قريبة من المكان الذي بدأت منه إمبراطوريتها، أي في المغرب. فقد شكلت المعركة التي وقعت قرب القصر الكبير في 4 أغسطس 1578، في عهد السلطان مراد الثالث، والمعروفة أيضا باسم معركة وادي المخازن، إحدى نقاط التحول في تاريخ البرتغال. وكان ملك البرتغال الشاب سبستيان الأول يريد، من خلال التدخل في المغرب، توسيع مجال نفوذه وإظهار نفسه بوصفه حاكما صليبيا جديدا. وفي الصراع على العرش في المغرب، دعمت البرتغال محمد المتوكل، بينما كان السلطان عبد الملك يتمتع بعلاقات وثيقة ودعم عسكري من العالم العثماني. وهكذا تجاوز الصراع الذي شهدته السهول المغربية كونه مجرد نزاع محلي على العرش، وتحول إلى إحدى المواجهات بين عالمين سياسيين كبيرين في منطقة البحر المتوسط.
وقد دخلت هذه المعركة الميدانية، التي يسميها البرتغاليون «Alcácer Quibir»، التاريخ باسم «معركة الملوك الثلاثة»، لأن الملوك الثلاثة لم يكونوا على قيد الحياة في نهاية المعركة. فقد قُتل الملك سبستيان، وتحول موته إلى أساطير عاشت في الثقافة البرتغالية قرونا طويلة. وكان سلطان المغرب عبد الملك يقود جيشه رغم مرضه الشديد، وفقد حياته أثناء المعركة. أما محمد المتوكل، الذي كانت البرتغال تدعمه، فغرق أثناء فراره. لكن الدمار الحقيقي حلّ بالدولة البرتغالية، إذ تشتت الجيش بشكل كبير، وفُقد قسم مهم من النخب الأرستقراطية والعسكرية في البلاد، وبدأت أزمة سياسية ومالية كبيرة. وأدت أزمة السلالة التي نشأت بعد وفاة سبستيان من دون أن يترك وريثا، إلى انتقال التاج البرتغالي بعد عامين إلى أيدي هابسبورغ إسبانيا. وهكذا فقدت الدولة التي ظهرت فاتحة للمحيطات، حتى استقلالها مؤقتا، بعد الضربة التي تلقتها في سهول المغرب. ولا تنتهي مفارقة هذه القصة عند هذا الحد. ففي عام 1617، وصل قراصنة انطلقوا من الجزائر العثمانية إلى ماديرا، ونفذوا غارة كبيرة على الجزيرة، لتصبح الجزيرة التي كانت يوما إحدى القواعد المتقدمة لرحلات البرتغال إلى افريقيا والمحيطات هدفا للبحارة القادمين من المغرب العربي. أما الوجود البرتغالي على السواحل المغربية فقد أخذ يتقلص تدريجيا، وانتهت حقبة استمرت نحو ثلاثة قرون ونصف بترك مازاغان عام 1769.
لقد حملت المسيرة الكبرى التي بدأت في سبتة عام 1415 البرتغال إلى إمبراطورية عالمية امتدت من البرازيل إلى إفريقيا، ومن الهند إلى جنوب شرق آسيا، لكن الجغرافيا المغربية نفسها وجهت إليها عام 1578 واحدة من أقسى الضربات في تاريخها. فالتاريخ يعود أحيانا إلى المكان الذي بدأ منه. خرجت البرتغال إلى المحيطات عبر بوابة المغرب، وأقامت إمبراطوريتها العالمية، لكنها تعلمت أيضا على الأراضي المغربية أن قوتها ليست عصية على الهزيمة. وكانت الحقيقة الكبرى التي لم تتغير خلف هذه القصة كلها هي أن السيطرة على العالم في القرن السادس عشر لم تعد ممكنة بمجرد امتلاك الأراضي، بل أصبحت مرتبطة بالسيطرة على الطرق البحرية والموانئ وشرايين التجارة. وكان الصراع الكبير بين الدولة العثمانية والبرتغال، في حقيقته، واحدا من أوائل المواجهات الجيوسياسية العالمية في العالم الحديث.
وخلاصة القول، إن سبب إعادة قراءة هذه القصة اليوم ليس مجرد الاهتمام بتاريخ البرتغال. الصين تبني مبادرة الحزام والطريق، والهند تبحث عن ممرات جديدة، ودول الخليج تستثمر في الموانئ، وتركيا تعود من جديد إلى الاهتمام بالبحار وخطوط النقل. والحقيقة التي أدركها البرتغاليون قبل خمسة قرون لم تتغير اليوم أيضا، لأن الدولة لا تصبح قوة كبرى بمجرد حماية حدودها، بل تصبح كذلك بقدر ما تستطيع الوصول إلى طرق التجارة، وإثبات وجودها في البحار، وبناء عمق استراتيجي يتجاوز حدود جغرافيتها. وهذا هو الدرس الأهم الذي تركته لنا المواجهة العثمانية البرتغالية حتى اليوم.
كاتب تركي
نيسان ـ نشر في 2026-09-10 الساعة 14:06
رأي: توران قشلاقجي كاتب تركي


