اتصل بنا
 

ربع قرن على 11 سبتمبر: كيف استثمرت واشنطن الحادثة في حربها على 'الإرهاب'.. ثم هزمت في كل معركة دخلتها

نيسان ـ نشر في 2026-09-11 الساعة 03:08

ربع قرن على 11 سبتمبر: كيف
نيسان ـ في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، تحوّلت الولايات المتحدة من هدفٍ لهجوم تاريخي إلى محرّك لأكبر إعادة تشكيل جيوسياسية واقتصادية شهدها العالم منذ الحرب الباردة.
وبقدر ما كانت الهجمات صدمة أمنية وإنسانية، فقد أصبحت أيضًا، بحسب مؤسسات بحثية وصحفية أمريكية وأوروبية موثوقة، نقطة انطلاق لتوسّع عسكري وأمني واقتصادي غيّر ملامح الشرق الأوسط وأعاد تعريف موقع واشنطن فيه.
الكلفة البشرية والمادية
أدت الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001، في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا وغيرها، إلى مقتل أكثر من 900 ألف شخص خلال عقدين فقط، غالبيتهم الساحقة من سكان تلك البلدان، بحسب "مشروع كلفة الحرب - Costs of War Project" التابع لمعهد واطسون في جامعة براون.
وتسببت هذه الحروب في نزوح نحو 38 مليون إنسان من بيوتهم، وفي تقرير سابق للمشروع، قُدّر عدد القتلى المباشرين بفعل العنف في العراق وأفغانستان وباكستان وحدها بنحو 480 ألف شخص، أكثر من 244 ألفًا منهم مدنيون.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد قدّر مسؤولون عراقيون كلفة الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمرافق الاقتصادية في العراق جراء سنوات الحرب بما لا يقل عن 47 مليار دولار، ضمن خسائر إجمالية بلغت نحو 90 مليار دولار طالت مئات آلاف المنازل والمستشفيات والمدارس، بحسب تقديرات نقلتها وكالات أنباء دولية عن الحكومة العراقية، فيما قُدّرت كلفة إعادة الإعمار وحدها بأكثر من 88 مليار دولار.
في المقابل، كلّفت هذه الحروب الخزانة الأمريكية نحو 8 تريليونات دولار بحسب تقديرات مشروع كلفة الحرب، وهو رقم كان قد بدأ عند 4.3 تريليونات دولار عام 2017، مع توقعات بارتفاعه إلى 5.6 تريليونات دولار عند احتساب رعاية قدامى المحاربين مستقبلًا، مقابل تقدير رسمي للبنتاغون لم يتجاوز حينها 1.5 تريليون دولار فقط.
كيف استفادت واشنطن؟
يذكر أن جزءًا كبيرًا من هذا الإنفاق الأمريكي الضخم لم "يضع"، بل تحوّل إلى عائدات مباشرة لشركات ومؤسسات أمريكية، فمن أصل نحو 14 تريليون دولار أنفقها البنتاغون منذ بدء حرب أفغانستان، ذهب ما بين ثلثه ونصفه مباشرة إلى المتعاقدين العسكريين.
وفي الفترة بين 2020 و2024 وحدها، حصلت الشركات الخاصة على 2.4 تريليون دولار من عقود البنتاغون، أي ما يعادل 54 بالمئة من إجمالي إنفاقه التقديري.
ويقدّر تحليل نشرته وكالة "أكسيوس" أن شركات التسلح الأمريكية حققت عائدات إجمالية بلغت 7.35 تريليون دولار منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001.
وارتفع سهم شركة لوكهيد مارتن وحدها بنسبة 15 بالمئة في اليوم التالي مباشرة لإعادة فتح السوق بعد الهجمات، بينما كان المؤشر العام للسوق الأمريكية يهوي بنسبة 5 بالمئة.
"تبخر الذرائع"
لم يكن غزو العراق عام 2003 مرتبطًا مباشرة بهجمات 11 أيلول/ سبتمبر، لكن إدارة بوش استخدمت أجواء "الحرب على الإرهاب" لتمرير غزوٍ قامت ذريعته المعلنة على امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل.
وخلصت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي لاحقًا إلى أن عددًا من تصريحات الإدارة حول برامج العراق للتسلح لم تكن مدعومة بالمعلومات الاستخباراتية المتوفرة فعليًا في حينه، وفي تحقيق موازٍ، وصفت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ عمل وكالة المخابرات المركزية وغيرها من الأجهزة بأنه انطوى على مبالغة في تقدير الخطر وتجاهل لأدلة مضادة، فيما اعتبر معارضون للإدارة، بينهم عضو مجلس الشيوخ جاي روكفلر، أن إخفاقات الاستخبارات ستُلاحق مصداقية الولايات المتحدة لأجيال، وأنها غذّت شعورًا عدائيًا تجاه الأمريكيين في العالم الإسلامي.
ووصف تقرير مماثل صادر عن لجنة "بتلر" البريطانية الاستخبارات التي بُني عليها قرار الحرب بأنها تضمنت "عيوبًا جسيمة" واعتمدت على مصادر غير موثوقة، رغم أنه لم يثبت وجود تزوير متعمد من حكومة توني بلير، ولم يُعثر لاحقًا على أي مخزون فعلي من أسلحة الدمار الشامل في العراق.
الاستفادة الاقتصادية
يوثّق عدد من التحقيقات الصحفية كيف تحوّلت الحرب على العراق إلى مصدر أرباح ضخمة لشركات مرتبطة بدوائر صنع القرار في واشنطن. فقد كشفت محققة العقود في سلاح المهندسين بالجيش الأمريكي، بونتين غرينهاوس، أنها اعترضت داخليًا على منح شركة "كيلوغ براون آند روت - KBR"، الذراع التابعة لشركة هاليبرتون التي كان نائب الرئيس ديك تشيني يترأسها سابقًا، عقدًا ضخمًا بدون منافسة لإعادة تشغيل حقول النفط العراقية، قبل أشهر من الغزو أصلًا.

وأظهرت وثائق حصل عليها "مركز النزاهة العامة" أن بريدًا إلكترونيًا داخليًا لمسؤول في سلاح المهندسين أشار إلى أن منح هذا العقد جرى "بالتنسيق" مع مكتب تشيني، وهو ما نفاه المتحدث باسمه.
وامتدت هذه العقود لسنوات لاحقة وسط اتهامات متكررة من أعضاء في الكونغرس بمحاباة الشركة، ومزاعم بالإفراط في التسعير، إلى أن اضطر الجيش لاحقًا لإنهاء العقد وإعادة طرحه بعد سنوات من الشكاوى حول هدر مئات ملايين الدولارات.
وبحسب تحليل سابق نشرته وكالة "أكسيوس" بمناسبة الذكرى العشرين للهجمات، ارتفع سهم شركة "لوكهيد مارتن"، أكبر متعاقد دفاعي أمريكي، بنسبة 15 بالمئة في أول يوم تداول بعد الهجمات، بينما كان مؤشر ستاندرد آند بورز يهوي بنسبة 5 بالمئة؛ وقفزت إيرادات الشركة من العقود الدفاعية من 18 مليار دولار عام 2000 إلى 63 مليار دولار عام 2020.
وقدر معهد "كوينسي" لدراسات الحوكمة المسؤولة، في تحليل نشره الباحث ويليام هارتونغ ضمن مشروع كلفة الحرب، أن إجمالي إنفاق البنتاغون منذ بدء حرب أفغانستان تجاوز 14 تريليون دولار، ذهب ما بين ثلثه إلى نصفه مباشرة إلى شركات التسلح، وأن خمس شركات فقط، وهي: لوكهيد مارتن، وبوينغ، وجنرال ديناميكس، ورايثيون، ونورثروب غرومان، استحوذت وحدها على ما بين ربع وثلث مجمل عقود البنتاغون في السنوات الأخيرة، إضافة إلى إنفاق هذه الشركات مجتمعة 2.5 مليار دولار على أنشطة الضغط السياسي خلال عقدين، بمعدل يفوق عدد أعضاء الكونغرس نفسه.
ووثقت مجلة "ذا نيشن" الأمر ذاته، مشيرة إلى أن هذه الشركات الخمس حصلت على أكثر من 166 مليار دولار من العقود في سنة 2020 وحدها.
توسّع الصلاحيات
امتدت تبعات 11 أيلول/ سبتمبر من الشرق الأوسط إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة الأمريكية ومواطنيها، فبعد ستة أسابيع فقط من الهجمات، أقرّ الكونغرس قانون "باتريوت آكت" بأغلبية ساحقة ودون نقاش يُذكر، في خطوة وصفها مركز برينان للعدالة بأنها "الطلقة الافتتاحية" في سلسلة من الإجراءات التي وسّعت بشكل جذري قدرة الحكومة الأمريكية على مراقبة مواطنيها داخليًا.
وفي عام 2013، كشف المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي إدوارد سنودن أن الوكالة استخدمت صلاحيات هذا القانون لجمع بيانات اتصالات ضخمة لا تقتصر على المشتبه بهم بـ"الإرهاب"، بل تشمل ملايين المواطنين الأمريكيين العاديين.
واعتبر الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية أن هذا التحول لم يثبت له أي جدوى فعلية في إحباط "عمليات إرهابية"، في حين تحوّلت هذه الصلاحيات، بحسب المركز نفسه، من إطار قانوني يستوجب إذنًا قضائيًا مسبقًا إلى نظام يسمح للحكومة بجمع بيانات حساسة دون أي شبهة إجرامية أصلًا.
النفط والمصالح
فقد أظهرت وثائق داخلية لشركة "بريتيش بتروليوم" كشفتها مجلة "جاكوبين" أن الشركة كانت "حريصة على ألا تحرمها الصفقات السياسية من فرصة المنافسة" في السوق العراقية قبل الغزو بأشهر، رغم أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وصف علنًا فكرة الحرب من أجل النفط بأنها "من أكثر النظريات سخفًا".
وفي المقابل، تشير تحليلات أخرى إلى أن الولايات المتحدة لم تدفع لاحقًا نحو خصخصة قطاع النفط العراقي كما كان متوقعًا، بل أبقته بعيدًا عن الاستثمار الأجنبي خلافًا لبقية قطاعات الاقتصاد، وهو ما يُستخدم كحجة مضادة لفرضية "الحرب من أجل النفط" المباشرة.

نيسان ـ نشر في 2026-09-11 الساعة 03:08

الكلمات الأكثر بحثاً