من الطباشير إلى الذكاء الاصطناعي.. تحولات التعليم وصناعة وعي الطفل
نيسان ـ هلال بن سالم الزيدي - كاتب وإعلامي عماني ـ نشر في 2026-09-11 الساعة 03:10
نيسان ـ مرت ما يقارب 40 عاما منذ خطواتي الأولى إلى مدرسة بدأت من سعف النخيل إلى الكتل الأسمنتية المحفوفة بكل سبل الراحة آنذاك؛ تعاقبت خلالها ثلاثة أجيال تعليمية من حيث الملامح البارزة في النظم والأدوات، من جيل الطباشير والسبورة الخضراء إلى جيل الحاسوب والإنترنت، ووصولا إلى جيل الشاشة والذكاء الاصطناعي.
ومع انبلاج فجر عام دراسي جديد، أراني ذلك الطفل المتعطش للمعرفة.. ذلك الباحث عن إجابات لأكوام من الأسئلة، فها هي الذاكرة تعود بي إلى شغف العلم قبل أن أرسل أسئلتي إلى المستقبل، أسئلة تدون في مستطيل أخضر وتمحى مع انتهاء الحصة، لكنها لا تجف من عقول استوعبت قدسية العلم.
أعوام مرت، وما زالت صورة خضاب الطباشير على أيادي المعلمين حاضرة بدقة التفاصيل، وما زال وهج حروف سبكوها حتى انغمست في أطراف السبورة عالقا، فلم تمحها الممحاة تماما، ولم تنهها تبدلات الزمان.
في وسط الصف الدراسي كانت السبورة الخضراء أكبر من مساحتها الهندسية، واستيعابها أكبر من تيرابايت واحد بلغة اليوم، فهي الجدار الصغير الذي يطل منه طفل صغير على وطن كبير، عرف الحرف وجدول الضرب وفنون الخط، والجغرافيا موقعا وموضعا، والتاريخ أمما وحضارات، ونكسات ونكبات امتدت من الخليج إلى المحيط، إلا أن عبارة "فلسطين داري ودرب انتصاري" هي من أخذت نصيب الاهتمام في الذاكرة.
فلسطين الدرس الأول
لم تكن فلسطين القضية الأولى التي تبحث عن حق شرعي لوطن نهبه الاحتلال وتناسته الأجيال، ولم تكن درسا عابرا يؤسس لعلم الجغرافيا، ولم تكن خريطة لا يعترف بحدودها السياسية في مفتاح الخريطة فحسب، بل كانت مفردة الانتماء التي تسكن الوججان العربي، والثورة التي تبحث عن ارتقاء ضد الظلم والطغيان، بل هي الثراء المتجانس بين الأرض والتاريخ والحق والواجب.
فلسطين كانت وما زالت في ذاكرة ذلك الطفل الذي كبر وكبرت معه هويته؛ الدرس الذي لم ينتهِ من نضال بين الأجيال، فهي الواجب المتجدد، وهي القدس والعقيدة، والهوى والهوية في فكر أمة تبحث عن بصيص من الانتصار كالذي حدث في طوفان الأقصى.
لقد عاش ذلك الطفل الذي شاخ قبل أوانه على الخطاب القومي بكل تجلياته ووعوده، وبما له وما عليه، الذي منح كل عربي صورة لعالم تتجاوز حدود دولته، عالم يموج في اختلاف جيوسياسي، ومصالح تتقاطع حولها الأولويات، لكنه سجل في الذاكرة المدرسية واحتفظ بوحدة المصير والتاريخ المشترك.
وبلا شك، ومع التحولات السياسية واتفاقيات التطبيع وإعادة رسم وهندسة العلاقات الإقليمية، فلن تظهر فلسطين كما كانت على سبورة الصف وكتاب العربي والتاريخ، بل ستتجه المناهج التعليمية إلى تلميع السلام وتقارب الشعوب، حتى لا يسأل الطفل يوما عن أصل الحق، ويكتفي بما تمليه عليه سردية التوجيه فقط.
مرت الأعوام كلمح بالبصر، وتبدلت السبورة الخضراء قياسا وإطارا، وغاب الطباشير أبيضه وألوانه، وجاءت الشاشة ببريقها وخمارها المندس خلفه الهم والوهن ووفرة المعلومات المتباينة، وتبدلت الأسئلة وكثرت المفارقات في تحديد أفضلية الوسائل، فماذا حدث للعقل بين السبورة والشاشة؟
الطالب الذي يستغرق أسابيع في بلوغ المعرفة والبحث المضني بسبب الندرة، ها هو اليوم في دقائق معدودة يصل إلى أمهات الكتب ورفوف المكتبات الرقمية
بين الحفظ والنسيان
لا يختلف اثنان على دور السبورة كوسيلة تعليمية، فهي التي كانت تحفظ كل شيء، وتساعد المتعلم على الحفظ، ففيها تكتب المعلومة وتشرح وتكرر، ثم ينقلها الطالب بيده وحواسه في دفتره لتترسخ في الذاكرة ويحتفظ العقل بأثرها. أما شاشة "المرآة اللامعة"، فهي التي لا تنسى، فعلى الرغم من سعة التخزين والحفظ، فقد أصبحت بديلا لذاكرة الإنسان حتى جعلته أقل احتفاظا بما يمر أمامه، فشابه كسل الاستذكار والحفظ.
ومن باب الإنصاف، وحتى لا تتحول المقارنة إلى سجال بين الأجيال، فلا يمكن تحويل الماضي إلى زمن مثالي، فلكل زمن معاناة تقوم على الحفظ والتلقين ومركزية الإجابة عبر الرد الواحد، بل إن المدرسة الحديثة بكل تجلياتها أنارت دروب السالكين وفتحت أبوابا للمعرفة بطريقة لم تكن متاحة لجيل الثمانينيات والتسعينيات.
فالطالب الذي يستغرق أسابيع في بلوغ المعرفة والبحث المضني بسبب الندرة، ها هو اليوم في دقائق معدودة يصل إلى أمهات الكتب ورفوف المكتبات الرقمية وقواعد البيانات وسط فائض من المعلومات، ليبحث عن الحقيقة المغيبة.
فهل يمكن اعتبار وفرة المعلومات وسهولة الوصول إليها زيادة في المعرفة، ومنها بلوغ الحكمة؟ وهل الإشكالية تكمن في ندرة المصدر أم في أزمة الموثوقية؟
تشير التقارير المعنية بالتعليم عبر التكنولوجيا الصادرة عن منظمة اليونسكو إلى أن الأدلة المحايدة والقوية التي تعطي القيمة التعلمية ما تزال محدودة، فيما تتغير منتجات التعليم بسرعة تفوق قدرة البحث التربوي على تقييمها، مع التحذير من مغبة أن يصبح الإنسان تابعا للأداة، خاصة في التوجه إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لقد دفعت شبكات التواصل الطالب إلى قضاء ساعات طويلة بين تطبيقاتها (الصالح والطالح)، مما ساهم في ظهور حالة من التشتت عند عدد من الطلبة عندما يكونون في قاعة الصف، وهذا ما أثبتته الكثير من الأبحاث. وبالتالي، نحن اليوم أمام عراك في كيفية التحكم في عقل يستخدم التقنية وتقنية تشتت انتباه العقل.
ثمة أسئلة تطرح في فضاء مليء بالمتناقضات، لا تحدها أسوار المدرسة ولا إطار الكتاب المدرسي ولا اتساع الشاشات: هل المدرسة تحتكر صناعة المعرفة؟ وهل الأسرة تتحكم في صناعة القيم؟ من يشكل وعي الطفل؟ وهل الحفاظ على الهوية وتعزيز المواطنة يتقاطع مع الانفتاح على العالم دون فقدان لأصل الهوية؟
تتشكل المخاوف عندما نضع الكتاب في اتهام بأنه ليس وعاء بريئا، بل إنه يتضمن سرديات موجهة تكون بديلا عن الحقيقة، بحيث يصبح الكتاب وثيقة انتماء وولاء وليس مساحة للمعرفة
كتاب التاريخ بين المسيرات وأطفال يبحثون عن مقاعد
لا يمكن فصل الوضع الراهن سياسيا عن بداية العام الدراسي، فهناك طفل يذهب إلى مدرسته في وضع شبه مستقر، لكنه متابع لآخر المستجدات على أزيز المسيرات، يسأل عن أطفال غزة: هل يجدون ظل شجرة يدرسون تحتها مع استمرار الدمار والنزوح؟ وهل الطفل في لبنان سيجد مدرسته أم إنها تحولت لمركز إيواء للنازحين؟ وكيف يستقبل الطفل الإيراني عامه الدراسي، بينما صورة الدمار لمدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب جنوب إيران، الذي أسفر عن مقتل 168 طفلة وإصابة العشرات، لا يمكن نسيانه؟
فالتاريخ هنا يدون بأن التعليم اقتلع من سياقه الطبيعي، فأصبح الطفل الذي يقرأ في كتابه: "المدرسة بيتنا الثاني"، والذي سيردده طيلة عام دراسي وأكثر، يتوجس من مصداقية عطاء وأمان البيت الثاني. والطفل الذي رسم يوما حمامة السلام بلونها الأبيض والواقفة على غصن الزيتون، لن يتوانى في تحويلها إلى طائر يمتلك القوة والعنفوان عبر الذكاء الاصطناعي، ليرد حقوق أصدقائه وأقرانه الذين شبعوا دمارا وتشريدا.
سردية الكتاب المدرسي
تقوم السياسات التعليمية وفق سردية متوافقة مع تصورات الدولة نفسها للعالم وما يؤثر فيها، من هنا تتحول مفاهيم القومية العربية والإسلامية إلى أشياء هامشية في ظل سيطرة التوجهات المجتمعية بين تعزيز القيم وتوجيه العقول إلى مسألة التعايش وتشكيل الهوية الوطنية والاكتفاء بالشأن الداخلي، دون أن تكون هناك ذاكرة وطنية أو مرجعية قومية مشتركة بين الدول العربية والإسلامية.
تتشكل المخاوف عندما نضع الكتاب في اتهام بأنه ليس وعاء بريئا، بل إنه يتضمن سرديات موجهة تكون بديلا عن الحقيقة، بحيث يصبح الكتاب وثيقة انتماء وولاء وليس مساحة للمعرفة. لذا نحن نحتاج إلى طالب يمتلك التفكير النقدي، قادرا على طرح علامات الاستفهام والتدبر في المعلومات بشكل دقيق بعيدا عن تحيز المصدر، وهذا ما يقودنا إلى هندسة العقل دون الانجرار إلى التلقين.
وباعتبار أن التحيز المعلوماتي ملازم للكتاب المدرسي، فهو بكل تأكيد قرين للخوارزميات التقنية ولا يمكن تجاهل خطورته، لذا علينا أن نعلم الطالب كيف يقاوم ويكتشف التضليل، وليس بالضرورة البحث عن المحتوى الذي يتوافق مع ميوله الشخصية، حتى لا يبحث عن نسخة طبق الأصل.
من سيكتب ذاكرة اللحظة وبأي ميزان؟ لأن المنهج حين يصف صراعا معاصرا لا ينقل الوقائع فقط، بل يشكل مفهوم الطالب عن الوطن والآخر والحق والقوة
سبر المعرفة
بين سبورتين تتشابهان في الجذر "سبر" – فهما يسبران غور الأشياء ويختبران العقل – ثمة علاقة عميقة تستدعي الوقوف عليها، ومهما كانت مساحة الأولى محدودة، إلا أنها بنيت على الخيال الواسع، فيما كان التماثل الشكلي هندسيا حاضرا بينهما، فتلك تخضبت بالطباشير، وهذه حملت ملايين البكسلات، ولعل عمق الاختلاف يتجسد في أن السبورة كان يمحى ما عليها كي تحفز الذاكرة على الاستذكار، فيما أن الشاشة الحديثة تحتفظ بكل شيء، وربما لا تترك في الذاكرة شيئا يذكر.
في العام الدراسي الجديد لا نطالب باستعادة السبورة والطباشير، ولا نطالب بتحطيم الشاشة التقنية، بل نحتاج إلى استعادة فطرة الإنسان الذي يقف أمامهما لتفسير ما يعرفه أبناؤه وما يبني العقل في زخم تبدل وتغير الروايات، وأن يكتب ذاكرته بنفسه لا أن يدونها الآخرون.
فهل للأمنيات التي امتدت من الخليج إلى المحيط، ومن الفكرة إلى المنطق، ومن التوافق إلى الاختلاف، ومن الآمال إلى الرجاء والدعاء، حيز دلالي ووجود مكاني في عالم اليوم يمكن أن يكون بصيص أمل لأجيال فقدت ذواتها؟
ومن سيكتب ذاكرة اللحظة وبأي ميزان؟ لأن المنهج حين يصف صراعا معاصرا لا ينقل الوقائع فقط، بل يشكل مفهوم الطالب عن الوطن والآخر والحق والقوة.
هلال بن سالم الزيدي - كاتب وإعلامي عماني
ومع انبلاج فجر عام دراسي جديد، أراني ذلك الطفل المتعطش للمعرفة.. ذلك الباحث عن إجابات لأكوام من الأسئلة، فها هي الذاكرة تعود بي إلى شغف العلم قبل أن أرسل أسئلتي إلى المستقبل، أسئلة تدون في مستطيل أخضر وتمحى مع انتهاء الحصة، لكنها لا تجف من عقول استوعبت قدسية العلم.
أعوام مرت، وما زالت صورة خضاب الطباشير على أيادي المعلمين حاضرة بدقة التفاصيل، وما زال وهج حروف سبكوها حتى انغمست في أطراف السبورة عالقا، فلم تمحها الممحاة تماما، ولم تنهها تبدلات الزمان.
في وسط الصف الدراسي كانت السبورة الخضراء أكبر من مساحتها الهندسية، واستيعابها أكبر من تيرابايت واحد بلغة اليوم، فهي الجدار الصغير الذي يطل منه طفل صغير على وطن كبير، عرف الحرف وجدول الضرب وفنون الخط، والجغرافيا موقعا وموضعا، والتاريخ أمما وحضارات، ونكسات ونكبات امتدت من الخليج إلى المحيط، إلا أن عبارة "فلسطين داري ودرب انتصاري" هي من أخذت نصيب الاهتمام في الذاكرة.
فلسطين الدرس الأول
لم تكن فلسطين القضية الأولى التي تبحث عن حق شرعي لوطن نهبه الاحتلال وتناسته الأجيال، ولم تكن درسا عابرا يؤسس لعلم الجغرافيا، ولم تكن خريطة لا يعترف بحدودها السياسية في مفتاح الخريطة فحسب، بل كانت مفردة الانتماء التي تسكن الوججان العربي، والثورة التي تبحث عن ارتقاء ضد الظلم والطغيان، بل هي الثراء المتجانس بين الأرض والتاريخ والحق والواجب.
فلسطين كانت وما زالت في ذاكرة ذلك الطفل الذي كبر وكبرت معه هويته؛ الدرس الذي لم ينتهِ من نضال بين الأجيال، فهي الواجب المتجدد، وهي القدس والعقيدة، والهوى والهوية في فكر أمة تبحث عن بصيص من الانتصار كالذي حدث في طوفان الأقصى.
لقد عاش ذلك الطفل الذي شاخ قبل أوانه على الخطاب القومي بكل تجلياته ووعوده، وبما له وما عليه، الذي منح كل عربي صورة لعالم تتجاوز حدود دولته، عالم يموج في اختلاف جيوسياسي، ومصالح تتقاطع حولها الأولويات، لكنه سجل في الذاكرة المدرسية واحتفظ بوحدة المصير والتاريخ المشترك.
وبلا شك، ومع التحولات السياسية واتفاقيات التطبيع وإعادة رسم وهندسة العلاقات الإقليمية، فلن تظهر فلسطين كما كانت على سبورة الصف وكتاب العربي والتاريخ، بل ستتجه المناهج التعليمية إلى تلميع السلام وتقارب الشعوب، حتى لا يسأل الطفل يوما عن أصل الحق، ويكتفي بما تمليه عليه سردية التوجيه فقط.
مرت الأعوام كلمح بالبصر، وتبدلت السبورة الخضراء قياسا وإطارا، وغاب الطباشير أبيضه وألوانه، وجاءت الشاشة ببريقها وخمارها المندس خلفه الهم والوهن ووفرة المعلومات المتباينة، وتبدلت الأسئلة وكثرت المفارقات في تحديد أفضلية الوسائل، فماذا حدث للعقل بين السبورة والشاشة؟
الطالب الذي يستغرق أسابيع في بلوغ المعرفة والبحث المضني بسبب الندرة، ها هو اليوم في دقائق معدودة يصل إلى أمهات الكتب ورفوف المكتبات الرقمية
بين الحفظ والنسيان
لا يختلف اثنان على دور السبورة كوسيلة تعليمية، فهي التي كانت تحفظ كل شيء، وتساعد المتعلم على الحفظ، ففيها تكتب المعلومة وتشرح وتكرر، ثم ينقلها الطالب بيده وحواسه في دفتره لتترسخ في الذاكرة ويحتفظ العقل بأثرها. أما شاشة "المرآة اللامعة"، فهي التي لا تنسى، فعلى الرغم من سعة التخزين والحفظ، فقد أصبحت بديلا لذاكرة الإنسان حتى جعلته أقل احتفاظا بما يمر أمامه، فشابه كسل الاستذكار والحفظ.
ومن باب الإنصاف، وحتى لا تتحول المقارنة إلى سجال بين الأجيال، فلا يمكن تحويل الماضي إلى زمن مثالي، فلكل زمن معاناة تقوم على الحفظ والتلقين ومركزية الإجابة عبر الرد الواحد، بل إن المدرسة الحديثة بكل تجلياتها أنارت دروب السالكين وفتحت أبوابا للمعرفة بطريقة لم تكن متاحة لجيل الثمانينيات والتسعينيات.
فالطالب الذي يستغرق أسابيع في بلوغ المعرفة والبحث المضني بسبب الندرة، ها هو اليوم في دقائق معدودة يصل إلى أمهات الكتب ورفوف المكتبات الرقمية وقواعد البيانات وسط فائض من المعلومات، ليبحث عن الحقيقة المغيبة.
فهل يمكن اعتبار وفرة المعلومات وسهولة الوصول إليها زيادة في المعرفة، ومنها بلوغ الحكمة؟ وهل الإشكالية تكمن في ندرة المصدر أم في أزمة الموثوقية؟
تشير التقارير المعنية بالتعليم عبر التكنولوجيا الصادرة عن منظمة اليونسكو إلى أن الأدلة المحايدة والقوية التي تعطي القيمة التعلمية ما تزال محدودة، فيما تتغير منتجات التعليم بسرعة تفوق قدرة البحث التربوي على تقييمها، مع التحذير من مغبة أن يصبح الإنسان تابعا للأداة، خاصة في التوجه إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي.
لقد دفعت شبكات التواصل الطالب إلى قضاء ساعات طويلة بين تطبيقاتها (الصالح والطالح)، مما ساهم في ظهور حالة من التشتت عند عدد من الطلبة عندما يكونون في قاعة الصف، وهذا ما أثبتته الكثير من الأبحاث. وبالتالي، نحن اليوم أمام عراك في كيفية التحكم في عقل يستخدم التقنية وتقنية تشتت انتباه العقل.
ثمة أسئلة تطرح في فضاء مليء بالمتناقضات، لا تحدها أسوار المدرسة ولا إطار الكتاب المدرسي ولا اتساع الشاشات: هل المدرسة تحتكر صناعة المعرفة؟ وهل الأسرة تتحكم في صناعة القيم؟ من يشكل وعي الطفل؟ وهل الحفاظ على الهوية وتعزيز المواطنة يتقاطع مع الانفتاح على العالم دون فقدان لأصل الهوية؟
تتشكل المخاوف عندما نضع الكتاب في اتهام بأنه ليس وعاء بريئا، بل إنه يتضمن سرديات موجهة تكون بديلا عن الحقيقة، بحيث يصبح الكتاب وثيقة انتماء وولاء وليس مساحة للمعرفة
كتاب التاريخ بين المسيرات وأطفال يبحثون عن مقاعد
لا يمكن فصل الوضع الراهن سياسيا عن بداية العام الدراسي، فهناك طفل يذهب إلى مدرسته في وضع شبه مستقر، لكنه متابع لآخر المستجدات على أزيز المسيرات، يسأل عن أطفال غزة: هل يجدون ظل شجرة يدرسون تحتها مع استمرار الدمار والنزوح؟ وهل الطفل في لبنان سيجد مدرسته أم إنها تحولت لمركز إيواء للنازحين؟ وكيف يستقبل الطفل الإيراني عامه الدراسي، بينما صورة الدمار لمدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب جنوب إيران، الذي أسفر عن مقتل 168 طفلة وإصابة العشرات، لا يمكن نسيانه؟
فالتاريخ هنا يدون بأن التعليم اقتلع من سياقه الطبيعي، فأصبح الطفل الذي يقرأ في كتابه: "المدرسة بيتنا الثاني"، والذي سيردده طيلة عام دراسي وأكثر، يتوجس من مصداقية عطاء وأمان البيت الثاني. والطفل الذي رسم يوما حمامة السلام بلونها الأبيض والواقفة على غصن الزيتون، لن يتوانى في تحويلها إلى طائر يمتلك القوة والعنفوان عبر الذكاء الاصطناعي، ليرد حقوق أصدقائه وأقرانه الذين شبعوا دمارا وتشريدا.
سردية الكتاب المدرسي
تقوم السياسات التعليمية وفق سردية متوافقة مع تصورات الدولة نفسها للعالم وما يؤثر فيها، من هنا تتحول مفاهيم القومية العربية والإسلامية إلى أشياء هامشية في ظل سيطرة التوجهات المجتمعية بين تعزيز القيم وتوجيه العقول إلى مسألة التعايش وتشكيل الهوية الوطنية والاكتفاء بالشأن الداخلي، دون أن تكون هناك ذاكرة وطنية أو مرجعية قومية مشتركة بين الدول العربية والإسلامية.
تتشكل المخاوف عندما نضع الكتاب في اتهام بأنه ليس وعاء بريئا، بل إنه يتضمن سرديات موجهة تكون بديلا عن الحقيقة، بحيث يصبح الكتاب وثيقة انتماء وولاء وليس مساحة للمعرفة. لذا نحن نحتاج إلى طالب يمتلك التفكير النقدي، قادرا على طرح علامات الاستفهام والتدبر في المعلومات بشكل دقيق بعيدا عن تحيز المصدر، وهذا ما يقودنا إلى هندسة العقل دون الانجرار إلى التلقين.
وباعتبار أن التحيز المعلوماتي ملازم للكتاب المدرسي، فهو بكل تأكيد قرين للخوارزميات التقنية ولا يمكن تجاهل خطورته، لذا علينا أن نعلم الطالب كيف يقاوم ويكتشف التضليل، وليس بالضرورة البحث عن المحتوى الذي يتوافق مع ميوله الشخصية، حتى لا يبحث عن نسخة طبق الأصل.
من سيكتب ذاكرة اللحظة وبأي ميزان؟ لأن المنهج حين يصف صراعا معاصرا لا ينقل الوقائع فقط، بل يشكل مفهوم الطالب عن الوطن والآخر والحق والقوة
سبر المعرفة
بين سبورتين تتشابهان في الجذر "سبر" – فهما يسبران غور الأشياء ويختبران العقل – ثمة علاقة عميقة تستدعي الوقوف عليها، ومهما كانت مساحة الأولى محدودة، إلا أنها بنيت على الخيال الواسع، فيما كان التماثل الشكلي هندسيا حاضرا بينهما، فتلك تخضبت بالطباشير، وهذه حملت ملايين البكسلات، ولعل عمق الاختلاف يتجسد في أن السبورة كان يمحى ما عليها كي تحفز الذاكرة على الاستذكار، فيما أن الشاشة الحديثة تحتفظ بكل شيء، وربما لا تترك في الذاكرة شيئا يذكر.
في العام الدراسي الجديد لا نطالب باستعادة السبورة والطباشير، ولا نطالب بتحطيم الشاشة التقنية، بل نحتاج إلى استعادة فطرة الإنسان الذي يقف أمامهما لتفسير ما يعرفه أبناؤه وما يبني العقل في زخم تبدل وتغير الروايات، وأن يكتب ذاكرته بنفسه لا أن يدونها الآخرون.
فهل للأمنيات التي امتدت من الخليج إلى المحيط، ومن الفكرة إلى المنطق، ومن التوافق إلى الاختلاف، ومن الآمال إلى الرجاء والدعاء، حيز دلالي ووجود مكاني في عالم اليوم يمكن أن يكون بصيص أمل لأجيال فقدت ذواتها؟
ومن سيكتب ذاكرة اللحظة وبأي ميزان؟ لأن المنهج حين يصف صراعا معاصرا لا ينقل الوقائع فقط، بل يشكل مفهوم الطالب عن الوطن والآخر والحق والقوة.
هلال بن سالم الزيدي - كاتب وإعلامي عماني


