اتصل بنا
 

التخطيط قبل القرار .. عندما يدفع الطالب ثمن السياسات التعليمية

نيسان ـ عمون ـ نشر في 2026-09-11 الساعة 08:44

التخطيط قبل القرار .. عندما يدفع
نيسان ـ
د عصام جدوع العواملة
من السهل أن نتخذ قرارًا بإصلاح التعليم. نغيّر أسماء المسارات، ونضع مناهج جديدة، ونعلن عن نظام مختلف، ثم نبدأ انتظار النتائج. لكن الجانب الذي لا يحصل على الاهتمام هو: ماذا سيحدث بعد خمس سنوات؟ وبعد عشر سنوات؟ وماذا إذا اكتشفنا لاحقا أن بعض تقديراتنا لم تكن دقيقة، فمن سيدفع ثمن ذلك؟
وفي قطاع التعليم لا توجد قرارات قصيرة الأجل . فالقرار الذي يتخذه المسؤول اليوم قد يرافق الطالب لسنوات، وقد يظهر أثره عندما يدخل الجامعة، أو عندما يتخرج منها، أو عندما يبدأ البحث ما يبدأ البحث عن عمل. ولذلك فإن الخطأ في التخطيط التعليمي لا يشبه خطأ إداريًا يمكن تصحيحه في نهاية العام؛ لأن هناك جيلا كاملا قد يكون قد بنى اختياراته على هذا القرار.
من هنا، أعتقد أن السؤال عن تطوير الثانوية العامة يجب أن يكون أوسع من مجرد شكل النظام أو عدد المسارات. السؤال الأول هو : ماذا نريد من خريج المدرسة؟ وما الخيارات التي نريد أن تكون أمامه؟ والأهم، ما الذي يحتاجه الأردن بعد سنوات من التخصصات والمهارات والمهن؟
عندما ننظر إلى نتائج الثانوية العامة لعام 2026، نجد الأرقام الآتية:
وفق بيانات وزارة التربية والتعليم الرسمية، حصل 274 طالبًا على معدلات فوق 99% ، و 862 طالبًا فوق 98%، و 1564 %.95 طالبًا فوق 97 و 2336 طالبًا فوق 96، و 3012 طالبًا فوق
هذه الأرقام تشير بوضوح إلى نجاح عدد كبير من الطلبة في تحقيق معدلات مرتفعة. أما عند قراءتها في سياق القبول الجامعي تفتح قضية أخرى تماما.
إذا النتيجة أصبح لدينا آلاف الطلبة من أصحاب المعدلات المرتفعة، وفي المقابل فإن عدد المقاعد المتاحة في الجامعات الحكومية في تخصصي الطب وطب الأسنان محدود جدا؛ نحو 640 مقعدًا للطب و 240 مقعدًا لطب الأسنان. وكان مجلس التعليم العالي قد أقر سقفا يبلغ 640 مقعدًا للطب في الجامعات اعتبارا من العام الجامعي 2025-2026، في إطار سياسة هدفت من بين أمور أخرى إلى الحد من التشبع والبطالة في هذين التخصصين. ثم أعلنت وزارة التربية لاحقا نيتها رفع عدد هذه المقاعد المخصصة لتخصصي الطب وطب الأسنان.
إن تطوير الثانوية العامة أمرا مطلوبا ولا اعتراض على هذا المبدأ، كما أن التعليم لا يمكن أن يبقى على حاله بينما تتغير احتياجات المجتمع وسوق العمل والعالم من حولنا. لكن تطوير التعليم شيء، وتضييق خيارات الطالب في مرحلة مبكرة شيء آخر. فالطالب الذي كان يدرس في الفرع العلمي التقليدي كانت أمامه مساحة واسعة من الخيارات الجامعية. أما عندما يوزع في حقل أكثر تخصصا، فإن الاختيار المبكر قد يصبح مؤثرًا بصورة أكبر في مستقبله الجامعي.
وهذا ما يجعل التخطيط أكثر حساسية.
فماذا يعني أن يحصل طالب في المسار الصحي على 98 أو 99 ، ثم يجد أن الخيارات الأكثر ارتباطا بمساره لا تستوعب إلا أعدادًا محدودة؟ فهل تصبح المشكلة عندئذ مشكلة الطالب لأنه اختار المسار ؟ أم مشكلة القبول الموحد ؟ أم يجب العودة خطوة إلى الوراء ونسأل إن كان تصميم المسار قد أخذ أصلا في الاعتبار أعداد الطلبة المتوقع توجههم إليه، والطاقة الاستيعابية للجامعات، وحاجة سوق العمل؟
إن هذه الأسئلة وغيرها تصبح أهم إذا نظرنا إلى المستقبل بدل أن ننظر إلى سنة واحدة.
فماذا لو تكررت أرقام قريبة من أرقام 2026 في السنوات المقبلة، فسنكون أمام دفعات متتالية من الطلبة أصحاب المعدلات المرتفعة، وتطلعات مهنية متشابهة، ومقاعد جامعية محدودة، وسوق عمل يعاني أصلا من التشبع في بعض التخصصات. بعد خمس سنوات، لن تكون لدينا مشكلة تخص دفعة واحدة من طلبة الثانوية العامة. ستكون لدينا نتائج متراكمة لقرارات اتخذت قبل سنوات.
وهذه هي النقطة التي يغيب عنها أحيانًا معنى التخطيط بعيد المدى فالسياسة العامة لا ينبغي أن تتعامل مع الرقم باعتباره نتيجة لسنة واحدة، بل ينبغي أن تسأل ماذا سيحدث إذا أصبح هذا الرقم اتجاها مستمرا.
ثم هناك أثر آخر قد لا يظهر في جداول القبول الجامعي.
فالطالب الذي لا يجد مقعدًا مناسبًا في الأردن قد يتجه إلى الدراسة خارج البلاد، خصوصا إذا كانت الأسرة ترى أن دراسة الطب أو طب الأسنان خيار يستحق أن تتحمل من أجله كلفة كبيرة. وهنا نسأل كم عدد الطلبة الذين يمكن أن يختاروا هذا الطريق؟ وكم حجم الأموال التي يمكن أن تخرج من الاقتصاد الوطني سنويا نتيجة لذلك؟
وهذا لا يعني أن الدراسة في الخارج أمر سلبي، ولا يعني أن كل طالب لن يحصل على مقعد حكومي سيغادر الأردن. لكن التخطيط الجيد يفترض أن يحسب الاحتمالات، لا أن ينتظر ظهورها ثم يبدأ في التعامل معها.
ومن زاوية أخرى فإن المشكلة لا ترتبط فقط بالمقاعد فهيئة الخدمة والإدارة العامة أصدرت مؤخرًا تقريرا يشير إلى أن مهنة الطب أصبحت من المهن المشبعة، وفي طريقها إلى أن تصبح من المهن الراكدة.
وإذا ما جمعنا هذه الحقائق مع بقية الصورة، فإن المسألة تصبح أكثر وضوحًا: أعداد كبيرة من الطلبة تتجه نحو الحقل الصحي، والمنافسة على المقاعد الطبية شديدة، وفي الوقت نفسه توجد مؤشرات رسمية على تشبع سوق العمل الطبي.
فهل من المنطقي أن نترك الطالب يكتشف هذه الحقيقة بعد أن يقضي سنوات في الدراسة؟
وليس المطلوب أن نمنع طالبًا من دراسة الطب، ولا أن نقرر له تخصصه مسبقًا. المطلوب ببساطة أن تكون الصورة أمامه واضحة، وأن تكون الدولة نفسها أكثر قدرة على تقدير ما تحتاجه فعلا من الأطباء وغيرهم، لا أن ننتظر حتى يتخرج الآلاف ثم نكتشف أن السوق لم يعد قادرا على استيعابهم.
لأن المشكلة، في هذه الحالة، لا تتوقف عند البطالة بل هناك آثار اجتماعية أيضًا: تأخر الاستقلال الاقتصادي، وتأخر تكوين الأسرة، وضغوط نفسية واجتماعية، وربما الهجرة بحثًا عن فرصة في مكان آخر.
والمجتمع بدوره يخسر عندما تتحول طاقات بشرية متعلمة ومؤهلة إلى طاقات معطلة.
وهنا تحديدًا لا يعود ممكنا الفصل بين السياسة التعليمية والسياسة الاقتصادية.
وزارة التربية لا تستطيع أن تخطط لمسارات الطلبة وحدها. والجامعات لا تستطيع أن تحدد أعداد المقبولين في التخصصات المختلفة من دون أن تعرف شيئًا عن حاجات سوق العمل. وسوق العمل بدوره لا يستطيع أن ينتظر عشر سنوات حتى تظهر نتائج القرارات التي نتخذها اليوم. نحن بحاجة إلى أن تتحدث هذه المؤسسات مع بعضها، وأن تُبنى القرارات على صورة واحدة، لا على جزر منفصلة من البيانات.
ومن هنا تأتي أهمية المؤسسات الاستشارية، ومنها المجلس الاقتصادي والاجتماعي. فالمجلس ليس مجرد مساحة للحوار وعقد اللقاءات، وإنما يفترض أن تكون الدراسات والتوصيات التي ينتجها جزءًا من المعرفة التي يستند إليها صانع القرار.
وهنا نسأل هل تصل هذه الدراسات إلى مرحلة صناعة القرار ؟ وهل نستخدم ما نعرفه قبل اتخاذ القرار، أم نعود إليه بعد ظهور المشكلة؟ فنحن بحاجة إلى بيانات تجمع في مكان واحد أعداد الطلبة، المسارات التي يختارونها، المقاعد الجامعية التخصصات التي تتشبع، فرص العمل المتوقعة، والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد.
والمثال السنغافوري هنا يستحق أن يُقرأ من زاوية محددة، لا بوصفه نموذجًا علينا نسخه. ففي فبراير 2026 أعلنت سنغافورة دمج Skills Future Singapore و Workforce Singapore في هيئة جديدة بهدف تعزيز التكامل بين منظومة الوظائف والمهارات ومواءمة المهارات المستقبلية مع احتياجات الوظائف المستقبلية.
الفكرة المهمة في تجربة سنغافورة أن تعرف الدولة ما المهارات التي تحتاجها، ثم تنظر في التعليم والتدريب والعمل باعتبارها أجزاء مترابطة. فهل نحن أيضا بحاجة إلى هذا النوع من التفكير ؟
إن جوهر التخطيط الذي نحتاجه في التعليم ليس أن تنظر كل جهة إلى الجزء الذي يقع داخل حدود مسؤوليتها، ثم تترك بقية الصورة لجهة أخرى. فالتعليم ليس امتحانًا فقط. والجامعة ليست مقعدًا فقط. وسوق العمل ليس وظيفة فقط.
الطالب يبدأ رحلته في المدرسة، ثم ينتقل إلى الجامعة، ثم يبحث عن مكان له في سوق العمل. وبين هذه المراحل كلها توجد الأسرة والاقتصاد والسياسات العامة. فإذا غيرنا حلقة من هذه السلسلة من دون أن نعرف أثر التغيير في الحلقات الأخرى، فقد ننجح في معالجة مشكلة ونصنع مشكلة جديدة في الوقت نفسه.
لذا يجب أن لا تكون القضية هل نصلح التعليم أم لا؟ بل كيف نصلح التعليم؟
إن الإصلاح الذي يقتصر على تغيير النظام أو الاسم أو المسار قد يبدو واضحًا وسريعًا، لكنه لا يكفي. فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى أن نعرف مسبقًا إلى أين يقودنا القرار، ثم نراقب ما حدث بعد تطبيقه.
الأردن لا يحتاج إلى تغيير تعليمي جديد كل بضع سنوات بقدر ما يحتاج إلى رؤية مستقرة، تقوم على البيانات، وتخضع للمراجعة، وتربط المدرسة بالجامعة، والجامعة بسوق العمل، وسوق العمل بالتخطيط الاقتصادي. مستقبل الطالب لا ينبغي أن يكون نتيجة مفاجأة يكتشفها بعد سنوات، ولا ينبغي أن تتحول خياراته إلى كلفة لقرار لم تُدرس آثاره بما يكفي.
إن التخطيط الجيد لا ينتظر المشكلة حتى تصبح أزمة. يحاول أن يراها وهي لا تزال رقما في تقرير.
والتغيير في حد ذاته ليس مشكلة. المشكلة تبدأ عندما نغير دون أن نفهم سبب الخطأ، ثم نعود بعد سنوات إلى النقطة نفسها، وقد تغير الاسم وبقيت المشكلة. لأن الأردن لا يحتاج إلى قرارات أكثر ، بقدر ما يحتاج إلى تفكير أعمق قبل القرار، وقياس أدق بعده.
وعندما نصل إلى مرحلة ماذا تعلمنا من المرة السابقة قبل ماذا سنغير هذه المرة نكون قد بدأنا في تلمس بداية الطريق ونحترم عقول الناس.

نيسان ـ عمون ـ نشر في 2026-09-11 الساعة 08:44

الكلمات الأكثر بحثاً