اتصل بنا
 

المعرفة حين تتحول إلى استعراض

نيسان ـ نشر في 2026-09-12 الساعة 14:13

نيسان ـ نعيش في زمن لم تعد فيه المشكلة أن نجد المعلومة؛ المشكلة أن نعرف ماذا نفعل بها.
في الماضي، كان الوصول إلى المعرفة يحتاج إلى مكتبة ووقت وبحث طويل، أما اليوم، فقد أصبحت المعلومة في متناول إصبع واحد.
لكن المفارقة الكبرى أن وفرة المعلومات لم تجعل الإنسان بالضرورة أكثر حكمة.
بل ربما صنعت ظاهرة جديدة: الاستعراض المعرفي.
أصبح بعض الناس يتعاملون مع المعرفة كما يتعامل آخرون مع المظاهر؛ لا ليبني بها شيئًا، وإنما ليعرضها.
مصطلحات كثيرة.
اقتباسات لا تنتهي.
أسماء مفكرين وفلاسفة.
عناوين كتب.
إشارات إلى دراسات.
لكن حين نبحث عن الأثر، نجد فراغًا كبيرًا.
وهنا تعود الصورة القرآنية إلى أفق التأمل: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
فالكتاب لا يصبح قيمة لمجرد أن نحمله، والمعرفة لا تصبح فضيلة لمجرد أن نتحدث عنها.
لقد أصبح بعض الناس يقرأون ليقولوا إنهم قرأوا، ويتعلمون ليخبروا الآخرين أنهم تعلموا، ويتحدثون عن الوعي أكثر مما يمارسونه.
وهذه واحدة من أخطر مفارقات عصر الصورة.
فوسائل التواصل الاجتماعي كافأت الحضور، وأحيانًا جعلت الظهور أهم من العمق.
قد تنتشر جملة سطحية آلاف المرات، بينما تبقى دراسة عميقة بلا قارئ.
وقد يحصل صاحب الرأي الجازم على اهتمام أكبر من الباحث المتردد الذي يعرف تعقيد الحقيقة.
لكن الحقيقة لا تُقاس بعدد الإعجابات.
والفكرة لا تصبح صحيحة لأنها انتشرت.
والكاتب لا يصبح عميقًا لأن لديه جمهورًا كبيرًا.
إن المعرفة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى ضجيج.
العالِم الحقيقي يعرف قيمة الصمت.
والقارئ الحقيقي يعرف قيمة السؤال.
والمفكر الحقيقي لا يخشى الاعتراف بأن القضية أعقد مما تبدو.
أما الاستعراض المعرفي، فيحتاج إلى اليقين الدائم، والإجابات السريعة، والصورة اللامعة.
إنه يريد أن يبدو عارفًا أكثر مما يريد أن يكون عارفًا.
وهنا يتحول الكتاب من نافذة إلى مرآة؛ لا نقرأ من أجل أن نرى العالم، وإنما نقرأ لكي نرى أنفسنا بصورة أكثر إعجابًا.
المشكلة إذن ليست في أن نعرض معرفتنا، فالإنسان من حقه أن يشارك علمه وخبرته، وإنما المشكلة عندما يصبح العرض هو الغاية.
المعرفة الحقيقية لها أثر.
تجعلك أكثر دقة.
أكثر قدرة على الاستماع.
أكثر استعدادًا لمراجعة نفسك.
أقل اندفاعًا في الحكم.
أكثر رحمة بالناس.
وأكثر قدرة على حل المشكلات.
أما إذا قرأت مئات الكتب وبقيت عاجزًا عن الاعتذار، فربما كانت القراءة لم تصل إلى المكان الصحيح.
وإذا حفظت آلاف المعلومات ولم تتعلم كيف تقول "لا أعلم"، فما زالت أمامك مسافة طويلة في طريق المعرفة.
إن أعظم العلماء ليسوا أولئك الذين يملؤون الفضاء بأصواتهم، بل الذين يتركون وراءهم أسئلة جديدة، وحلولًا نافعة، وعقولًا أكثر قدرة على التفكير.
المعرفة ليست منصة نصعد إليها ليرانا الآخرون.
إنها مسؤولية ننزل بها إلى الواقع.
فإذا تحولت الكتب إلى زينة، والعلم إلى استعراض، والثقافة إلى وسيلة لإثبات التفوق، أصبحنا نحمل الأسفار دون أن تحملنا هي إلى مكان آخر.
والسؤال الأهم ليس:
كم يعرف الناس عن معرفتنا؟
بل:
كم تغير في حياتنا وحياة الآخرين بسببها؟
فهناك فرق شاسع بين إنسان يحمل المعرفة، وإنسان تحمله المعرفة إلى مستوى أعلى من الإنسان.

نيسان ـ نشر في 2026-09-12 الساعة 14:13


رأي: عمر الدريني

الكلمات الأكثر بحثاً