اتصل بنا
 

الحادي عشر من سبتمبر وبوابات الجحيم

نيسان ـ نشر في 2026-09-12 الساعة 15:11

نيسان ـ «أراه واقفاً في بوابة الجحيم، ويشير إلى/ هوة ستنطلق منها وحوش المستقبل، هناك/حيث انهار برجان، وجُنّت أمريكا». (سرگون بولص، «حديث مع رسام بعد سقوط الأبراج»).
لجأ الساسة والمحللون والمعلقون في الولايات المتحدة، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى خطاب الاستشراق ومفرداته المتجذرة في الثقافة السائدة، والوعي الجمعي من أجل تأطير وتجيير الحدث. فصُوِّر على أنّه فصل آخر من «صدام الحضارات»، مع أن هذه المقولة كانت قد تعرّضت قبلها لنقد جديّ كشف تهافتها وضعف أسسها، لكن الحادي عشر من سبتمبر أعادها إلى الواجهة. وكان هذا التأطير الأنسب للاستهلاك المحلي وللتحشيد لأنه يصرف النظر عن العوامل الجغراسياسية ويحول دون إمكانية فهم الحدث في سياق تاريخي سياسي، يستوجب وقفة نقدية وإعادة النظر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وحلفائها، والتكاليف الباهظة والتبعات الكارثية لتحالفاتها مع أنظمة شرسة، وضرائب حربها الباردة و«المقدسة» ضد امبراطورية الشر (الاتحاد السوفييتي).
اعتدتُ، حين تقتضي الحاجة، أن أستهلَ الحلقات الدراسية التي نناقش فيها موضوع الإرهاب وحروبه، بعرض صورة تجمع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بوفد من المجاهدين الأفغان في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. وكان ريغان قد التقى بهؤلاء ثلاث مرات طوال فترتي رئاسته (1981-1989) وامتدحهم وشبههم بـ«الآباء المؤسسين» في الولايات المتحدة. وأتبعها بلقطة موجودة على اليوتيوب تظهر زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (1977-1981)، وهو يخاطب مجموعة من المجاهدين الأفغان على الحدود مع باكستان في 1979 ويمتدح إيمانهم العميق ويحفزّهم على أن يحاربوا للعودة إلى ديارهم، ويؤكد لهم أن النصر حليفهم لأن «إن الله معكم»، لكن هذه اللقطات والوقائع تغيب وتغيّب عن الإعلام لأنها لم ولا تخدم سُعار التعبئة لصدام الحضارات، وضرورة شن الحروب «لإنقاذ الحضارة الغربية» من الخطر المحدق.
ازدادت مبيعات القرآن في الولايات المتحدة بعد الهجمات، وكأن الأجوبة والإضاءات على الحدث وجذوره ستكون بين صفحاته. وبما أن الصراع والصدام «ثقافيّ» فإن الثقافة ذاتها أصبحت «مسرح الجريمة»، الذي لا بد من تطويقه وفهمه. (كان هناك طلاب في السنوات التي أعقبت الهجوم يسجّلون في مادة «الرواية العربية الحديثة» التي أدرّسها ويكون جوابهم عن السؤال الذي يطرح في أول يوم عن سبب اهتمامهم هو «أريد أن أفهم الإرهاب و 11/9).
وسّعت القوانين التي شرّعت بعد الحرب ضد الإرهاب داخل أمريكا من صلاحيات الأجهزة الأمنية وقدرتها على التجسس على المواطنين ومراقبتهم واختراق خصوصياتهم
يسهّل الاستشراق اختزال تواريخ معقدة وقوميات وجماعات وهويات ملايين البشر إلى مقولة جامدة عابرة للتاريخ هي «الإسلام» ويصبح المسلمون بملايينهم كتلة واحدة متجانسة، وحتى من يشبه المسلمين يصبح هدفاً. يكفي لون البشرة والاسم وعمامة. ولكل خطاب وأيديولوجيا تبعات وانعكاسات في العالم المادي. بدأت حوادث الاعتداء العنصرية في الولايات المتحدة بعد أربعة أيام من الهجوم الإرهابي بقتل مواطن هندوسي، ثم قبطي من أصول مصرية، وآخر من السيخ. وتوالت الاعتداءات العنصرية ضد العرب والمسلمين وازدادت بمقدار سبعة عشر ضعفاً في 2002 مقارنة بـ2001. ووفّر الهجوم الإرهابي ذريعة لتمرير وتطبيق حزمة من القرارات والسياسات والمشاريع التي كان الصقور اليمينيون ومن اصطف معهم يحلمون بها لسنوات. داخلياً وسّعت القوانين التي شرّعت بعد الحرب ضد الإرهاب من صلاحيات الأجهزة الأمنية وقدرتها على التجسس على المواطنين ومراقبتهم واختراق خصوصياتهم. واستُحْدِثت وزارة جديدة هي «وزارة أمن الوطن». وكان المواطنون والمهاجرون من أصول عربية ومسلمة هم في مقدمة ضحايا هذا التغوّل الأمني الأورويلي. ولم تقتصر العنصرية على اعتداءات فردية فحسب، فقد احتجزت السلطات الفدرالية بعد الحادي عشر من سبتمبر وبشكل عشوائي 1200 رجل من أصول عربية ومسلمة أو من جنوب آسيا من دون أي أدلة. وكان لخطاب الحرب على الإرهاب والمناخ الأورويلي صداه في الإعلام والثقافة السائدة، بالطبع، فظهرت وراجت مسلسلات عن «الخلايا النائمة» والأعداء الداخليين، تحفل بالصور النمطية ورهاب الإسلام والعنصرية.
خارجياً، شنت الولايات المتحدة وحلفاؤها حروباً كارثية وغزوات ضد أفغانستان والعراق، ما تزال آثار جحيمها في كل مكان. وما زال البشر يدفعون أثمانها الباهظة. حسب برنامج «كلفة الحرب» الذي تشرف عليه مجموعة من الباحثين في جامعة براون، فإن حروب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر تسببت بشكل مباشر في موت 408.749 مدني في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن. وتسببت في تهجير 38 مليونا (ستة ملايين منهم في أفغانستان) وهناك حوالي 7 ملايين طفل يعانون من نقص التغذية من جراء هذه الحروب. ومن مفارقات الحرب ضد الإرهاب هي ما ذكره طلال أسد عن كونها حرب تشن ضد مفهوم وممارسة، لا ضد دولة أو مجموعة. وتنتهي الحروب عادة حين تعلن الدولة، أو الطرف المهزوم الاستسلام. من سيعلن هزيمة الإرهاب؟ أو انتصاره؟ إنها حرب لا تنتهي. والمفارقة الكبرى، هي في تسميتها ومآلاتها. فهي، بحد ذاتها، إرهاب امبراطوريّ وإرهاب دولة، يرتدي بزة الحضارة والإنسانية. وحرب إرهاب تنتج وتغذّي ما تدّعي أنها تحاربه. وبإمكان المنظومة الإعلامية السائدة أن تعفو عمن كان قد وُضع في خانة الإرهاب المعادي في الماضي القريب، وتعيد تأهيله بسرعة كحليف استراتيجي حين يقتضي الأمر، والعكس أيضاً، والأمثلة كثيرة.
كاتب عراقي

نيسان ـ نشر في 2026-09-12 الساعة 15:11


رأي: سنان أنطون

الكلمات الأكثر بحثاً