اتصل بنا
 

أقلام مكسورة… تكتب المستقبل بأدوات الماضي

كاتب سوري

نيسان ـ نشر في 2026-09-14 الساعة 13:06

نيسان ـ مع انطلاق العام الدراسي الجديد في سوريا، تبدو المدارس وكأنها تفتح أبوابها على عام آخر، لكنّها في الحقيقة تفتح أبوابا على إرث ثقيل من سنوات دمرت فيها آلة الأسد العسكرية الكثير، بالإضافة إلى الانقسام الإداري والتربوي، يدخل التلميذ إلى صفه حاملا أقلامه وحقيبته، ويدخل المعلم أيضا، وفي نفسه أسئلة أكبر من المنهج: أي تعليم نريد؟ وأي مدرسة نريد؟ وكيف يمكن بناء تعليم جديد بأدوات ما زالت عالقة في واقع قديم؟ في الواقع التربوي بسوريا الجديدة، لا تكمن المشكلة في المناهج وحدها، ولا في الأبنية المدرسية، أو نقص التجهيزات، بل في الإنسان الذي يُطلب منه أن يحمل كل هذا العبء، ألا وهو: المعلّم.
فقد توزّع المعلمون السوريون، خلال السنوات الماضية، حسب الجهات والسلطات التي فرضت سيطرتها على الجغرافيا السورية، فهناك معلمون كانوا يعملون ضمن المؤسسات التعليمية التابعة لتنظيم قسد المنحل في مناطق سيطرتها، وهناك معلمون في مناطق الشمال المحرر قبل تحرير سوريا بالكامل، عملوا تحت إدارة الحكومة السورية المؤقتة، وحكومة الإنقاذ في إدلب، وهناك من بقي في مؤسسات وزارة التربية التابعة للنظام السابق، فيما وجد معلمون آخرون أنفسهم خارج العملية التعليمية بعدما فُصلوا بسبب مشاركتهم في الثورة أو مواقفهم منها.
لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يعلّم أبناءنا العدالة، بينما يشعر هو أنه لم ينلها، ولا يمكن أن نطالبه بكتابة مستقبل سوريا، وهو ما يزال يبحث عن حقه في صفحة من ماضيه
هذه ليست مجرد تفاصيل إدارية يمكن تجاوزها بقرار نقل أو دمج، إنها سنوات كاملة من التجارب والأنظمة والتعليمات والرواتب والمسارات التعليمية المختلفة، تركت أثرها المباشر في المدرسة السورية.
ولهذا فإن دمج المعلمين في مؤسسة تعليمية وطنية واحدة ينبغي أن لا يكون مجرد جمع للملفات أو توحيد للجداول التنظيمية والمالية، بل عملية وطنية وقانونية وتربوية تحتاج إلى معايير واضحة وعادلة، تقوم على الكفاءة والخبرة والاستحقاق، وتعيد في الوقت نفسه الاعتبار لمن حُرم من حقه في العمل بسبب موقفه من الثورة، فالعدالة لا تعني الانتقام من أحد، لكنها تعني أيضاً ألا يتحول شعار المصالحة إلى وسيلة لطمس المظالم. يمكن النظر إلى واقع المعلمين في سوريا من خلال استعارة نفسية تُعرف بـ«الثالوث المظلم»، الذي يجمع النرجسية والميكافيلية والاعتلال النفسي، وليس المقصود تشخيص الأشخاص، أو المؤسسات بهذه الصفات، بل استخدام المفهوم كمرآة رمزية لفهم بعض الممارسات، التي يمكن أن تُنتج بيئة تعليمية قاسية. فالنرجسية تظهر حين يقال للمعلم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إن المؤسسة تعرف مصلحته أكثر منه، وإن عليه أن يقبل بما يمنح له لأن مهنته رسالة، وكأن الرسالة الوطنية تلغي حق صاحبها في حياة كريمة. أما الميكافيلية فتظهر حين تتحول حقوق المعلمين إلى سلسلة طويلة من الوعود واللجان والتأجيلات والتبريرات، كلما طالب المعلم بحقه، ولد وعد جديد، وكلما انتظر، امتد الانتظار أكثر. والوجه الأكثر قسوة هو اللامبالاة بحاجات المدرسة نفسها: نقص الوسائل التعليمية، والكتب والأدلة والتجهيزات، واكتظاظ الصفوف، ثم مطالبة المعلم في الوقت ذاته بتطبيق التعليم النشيط، ومراعاة الفروق الفردية، وتنمية التفكير والإثراء، واستخدام أساليب حديثة لا توفر له المؤسسة أدواتها ولا تدريبها. فكيف يمكن أن نطلب من معلم أن يصنع تعليما حديثا في بيئة ما زالت تفتقر إلى أبسط شروط التعليم؟
وليست أزمة التعليم في سوريا أزمة معلم فقط. إنها أيضاً أزمة أسرة وطفل وملف إداري، فكثير من التلاميذ فقدوا أوراقهم الثبوتية بسبب دمار مدرسته والتهجير والنزوح، وأسر لا تعرف أين تحفظ وثائقها، وطلاب انقطعت سنواتهم الدراسية، أو انتقلوا بين مناطق مختلفة، ثم يطلب منهم أن يعودوا إلى المدرسة وكأن السنوات الماضية لم تكن موجودة. هنا يصبح الملف المدرسي جزءاً من مأساة أكبر. ورقة ناقصة قد تعني تأخير تسجيل طفل، أو ضياع سنة دراسية، أو الدخول في دوامة من المراجعات والإثباتات، وفي المقابل، نجد المعلم نفسه يواجه شبكة أخرى من الأوراق والقرارات.. أين خدم؟ وتحت أي إدارة؟ وما سنوات خدمته؟ ولماذا انقطع؟ ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي أُبعد فيها عن عمله؟ وكيف تُحتسب خبرته وحقوقه المهنية ومستحقاته المالية؟ هذه الأسئلة لا يمكن أن تُحل بمنطق الجميع سواء، إذا كان الواقع الذي عاشه الجميع لم يكن سواء.
فعندما تضيق المدرسة بمشكلاتها، يكون المعلم غالبا الحلقة الأسهل في الاتهام. وإذا تأخر التعليم، قيل إن المعلم مقصر. وإذا ضعف التحصيل، قيل إن المعلم لم يعد كما كان.، وإذا طالب بحقه، ظهر من يسأله: وماذا عن مستقبل الطلاب؟ ويبقى السؤال الأهم: من قال إن مستقبل الطلاب يُحمى بإفقار معلميهم أو إسكاتهم؟ والمفارقة أن المجتمع يريد من المعلم أن يعلّم أبناءه الكرامة والعدالة والحقوق، لكنه لا يريد أن يرى المعلم نفسه مطالبا بهذه القيم، يريد منه أن يشرح للطالب معنى المواطنة، بينما يشعر هو أن مواطنته المهنية منقوصة، يريد منه أن يربي جيلا واثقا بنفسه، بينما يعيش هو تحت ضغط الحاجة وانتظار الراتب المحدود. وهكذا يصبح المعلم مطالبا بأن يكون نموذجا أخلاقيا كاملا، من دون أن يحصل بالضرورة على الحد الأدنى من شروط الحياة المهنية الكريمة والراتب الذي لا يسد احتياجاته المعيشية.
أصبح الحديث عن تحسين وضع المعلم جزءاً ثابتا من الخطاب الرسمي، لكن المشكلة أن الكلمات وحدها لا تكفي، فالمعلم لا يعيش على العبارات الجميلة. لديه أسرة، وأجور نقل، وفواتير، واحتياجات يومية. وعندما لا يتناسب راتبه مع تكاليف الحياة، تتحول المهنة التي يفترض أن تكون عنوانا للاستقرار إلى مصدر دائم للقلق.
أما الحوافز والمكافآت، فتظل في أحيان كثيرة أقرب إلى راتب معنوي يظهر في الخطابات والتصريحات، لكنه لا يصل بالسرعة نفسها إلى الجيب، وهنا لا يعود الحديث عن رفاهية المعلم، بل عن جودة التعليم نفسه. فالمعلم المنهك اقتصاديا ونفسيا يصعب أن يكون قادرا على منح المدرسة كل طاقته، مهما بلغ إخلاصه للمهنة. ومن أكثر المفارقات إيلاما أن يتحول حق المعلم إلى قضية توضع في مواجهة مستقبل الطالب، فإذا طالب المعلم بتحسين ظروفه، قيل إنه يضر بالطلاب، وإذا اعترض على قرار، اتُّهم بأنه يعطل العملية التعليمية. وبهذا المنطق يصبح المعلم والطالب خصمين، بينما هما في الحقيقة ضحيتان للمشكلة نفسها. المعلم يريد مدرسة أفضل، والطالب يحتاج معلما مستقرا، المعلم يريد كرامته المهنية، والطالب يحتاج أن يتعلم معنى الكرامة، ومصلحة الاثنين لا تتعارض إلا عندما يُدار التعليم بعقلية تقوم على تحميل طرف مسؤولية عجز المؤسسة كلها. المدرسة ليست جدرانا ومقاعد وسبورة، المدرسة هي الإنسان الذي يقف أمام السبورة ويكتب، ثم يمسح، ثم يعيد الكتابة، لكن ماذا يحدث عندما ينكسر القلم؟ يمكن للمعلم أن يستمر في الكتابة، وأن يبتسم أمام طلابه، وأن يشرح الدرس، وأن يؤدي واجبه، لكنه لا يستطيع أن يخفي إلى الأبد أثر الكسر.
سوريا الجديدة تريد بناء مستقبل مختلف، تحتاج إلى مدرسة مختلفة، والمدرسة المختلفة تحتاج إلى معلم يشعر بأن المؤسسة التي ينتمي إليها تنصفه وتحمي حقوقه وتحترم خبرته، لا أن تطالبه بالصبر إلى ما لا نهاية. دمج المعلمين ليس ملفا إداريا عابرا، وإعادة الحقوق للمعلمين المفصولين ليست ترفا، وتحسين ظروف العمل ليس منّة، إنها شروط أساسية لبناء تعليم وطني قادر على تجاوز إرث الانقسام والماضي الأسود. فلا يمكن أن نطلب من المعلم أن يعلّم أبناءنا العدالة، بينما يشعر هو أنه لم ينلها، ولا يمكن أن نطالبه بكتابة مستقبل سوريا، وهو ما يزال يبحث عن حقه في صفحة من ماضيه. فالأقلام المكسورة لا تستطيع ن تكتب المستقبل، إذا لم نمنح أصحابها أولا فرصة عادلة لإصلاح ما انكسر؟
كاتب سوري

نيسان ـ نشر في 2026-09-14 الساعة 13:06


رأي: يونس العيسى كاتب سوري

الكلمات الأكثر بحثاً