اتصل بنا
 

المناهج بين التلقين والتفكير والناقد

نيسان ـ نشر في 2026-09-15 الساعة 09:50

نيسان ـ في أيام الدراسة الجامعية كان أحد الدكاترة في قسم “العلوم السياسية” لديه مقولة واحدة عند الامتحان: “أنا لا يهمني مقدار ما تكتب، أنا يهمني الفكرة الصحيحة لو كانت مختصرة، لا تكثروا من الكتابة والشرح”. أما ما خلصت إليه في سنة التخرج والنصيحة التي كنت أسديها للطلاب الجدد: “إياكم أن تصدقوه”!!. فقد اكتشفت أنه لا يقرأ أوراق الامتحان كلها من أول سطر حتى آخره، خصوصا وأن عدد الطلبة كان كبيرا، والعديد منا كان خطه سيئا خصوصا حينما يكتب بسرعة. اكتشفت أن الدكتور لن يستطيع قراءة كل تلك الأوراق ويحلل كل تلك الخطوط، ولذلك فقد كان يقيس على الشبر. وكان لسان حاله يقول: “من غير المعقول أن يكتب كل هذا ولم يأت على الفكرة الصحيحة” أما الذي يكتب قليلا فكان لسان حاله يقول: “هذا مش فاهم حاجة، لو فاهم كان كتب”!! العديد من الطلبة اكتشفوا ما اكتشفته.
هذا يشبه إلى حد كبير سياسة التعليم في البلاد منذ أكثر من عقد، والتي ملخصها: “يجب أن يتعلم الطالب منهجية التفكير الناقد والتحليل لا مجرد الحفظ والتلقين”!! متهمين فلسفة التعليم السابقة بأنها مجرد فلسفة تلقين وحفظ ولا تساعد على التفكير الناقد والتحليل وحل المشكلات.
لكن حتى هذه اللحظة فإن تقييم الطلبة خصوصا في امتحان الثانوية العامة يعتمد على الحفظ حتى في المواد العلمية. من لا يحفظ لا ينجح!! ومن لا يحفظ جيدا لا يحصل على علامة جيدة!! ومن لا ينحت لا يحصل على علامة عالية!! للأسف هذا هو الواقع حتى الآن بعد كل تلك الثورة المزعومة في التعليم!!
تطورت المناهج على يد المركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم، والوصفة السحرية هي “التحول التدريجي من أسلوب التلقين وحفظ المعلومات إلى فلسفة التفكير الناقد، التحليل، وحل المشكلات”.
انعكس ذلك بصورة واضحة جدا على الكتب المدرسية، لكن هل انعكس على واقع العملية التربوية؟ وهل انعكس على مخرجات التعليم؟
من تجربتي الشخصية، فإن كل المعلمين والطلبة يتعاملون مع كل ذلك التطوير على أنه حشو!! وللمفارقة فهي ذات التهمة التي اتهمت بها الكتب المدرسية السابقة. فلا يوجد أدنى اهتمام من الطالب أو المدرس أو المدرسة بمادة الاستماع، بل يقفز عنها، كما لا يوجد أدنى اهتمام بمقدمة الدروس في المواد العلمية (الرياضيات: مشروع الوحدة. والكيمياء والفيزياء: تجربة استهلالية) ناهيك عن ندرة في حصص المختبر التي لا زالت، للأسف، لا تعني شيئا؛ لا للطالب ولا للمعلم ولا لإدارة المدرسة. لا زال طلابنا لا يهتمون بما لا يمكن أن يأتي في الامتحان ولا يتوقفون عنده!!
خلال تحضيري لهذا المقال وقعت على تقرير لصحيفة الغد في عام 2015 يتناول الجدل الدائر حينها حول عملية تطوير المناهج التي بدأتها وزارة التربية والتعليم آنذاك، وقد ركز التقرير على نقطتين؛ الأولى ضرورة الاهتمام بفلسفة التفكير الناقد والابتعاد عن فلسفة التلقين، والثانية أثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في المناهج!!.
أحدهم يرى ما أسماه “هيمنة التعاليم الدينية على المناهج، وحصر التعامل مع المواد والفهم من منطلق ديني”!! ومعلمة في مدرسة بعمان الغربية تقول إن المناهج الحالية تشجع على الفكر الداعشي، وأن أغلب المواد المكتوبة للحفظ، عبارة عن آيات قرآنية”!! كما استشهد التقرير بدارسة للدكتور ذوقان عبيدات تحت عنوان: “دراسة تحليلية: الداعشية في المناهج والكتب المدرسية”، أمضى خلالها الدكتور وقته برصد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الكتب الدراسية التي تعزز الفكر الديني، على حد قوله!!
لا أقلل من أهمية تطوير المناهج وضرورة مواكبتها للعصر، ولا أقلل من أهمية بناء جيل قادر على التفكير والسؤال وحل المشكلات، لكن يبدو أننا دلفنا من باب آخر لذلك يبدو أننا وصلنا لمكان آخر غير الذي كنا نخطط للوصول إليه!!
المفارقة أن كل أو نسبة كبيرة من الذين يهاجمون فلسفة التلقين ويدعون ويدافعون بل ويخططون لمرحلة فلسفة النقد والتفكير هم الذين تلقوا تعليمهم في وقت كانت فيه فلسفة التعليم تقوم على التلقين والحفظ كما يقولون!! فكيف يقيمون أنفسهم؟! إن كان تقييمهم لأنفسهم ممتازا فهذا يعني أن تلك الفلسفة آتت أكلها، وإن كان تقييمهم لأنفسهم سيئا فهذا يعني أنهم ليسوا جديرين بوضع خطط للتعليم!! أما إن كان جوابهم أن مستواهم كان سيئا بعد التوجيهي لكنهم تعلموا وتثقفوا وتشربوا فلسفة النقد والتفكير في المراحل التعليمية العليا وخصوصا الدكتواره وخصوصا في بلاد الغرب، فهذا يعني أن ذلك النظام لا ولم يحجر على أحد أن يترقى في مراتب العلم.

نيسان ـ نشر في 2026-09-15 الساعة 09:50


رأي: عبد الله المجالي

الكلمات الأكثر بحثاً