اتصل بنا
 

لا يعرف أنه لا يعلم

كاتب وصحافي أردني

نيسان ـ نشر في 2026-09-16 الساعة 18:17

نيسان ـ من السذاجة ان نعتقد ان قلة المعرفة هي المشكلة الاساسية، المشكلة ليست دائما فيمن لا يعلم، فالجهل قد يكون قابلا للتصحيح، وإنما فيمن يعتقد أنه يعلم كل شيء، بينما هو في الحقيقة لا يعرف أنه لا يعلم.
وهنا تكمن المفارقة، نحن نعيش في عصر وفرة المعلومات، لكننا لا نعيش بالضرورة في عصر المعرفة، او لنقل المعرفة الصادقة والدقيقة.
هنا أتذكر جيدا ما قاله أستاذ مادة الاتصال في الجامعة ” ان الانسان المعاصر قد يحصل على معلومات في اليوم الواحد أكثر مما يحصل عليه الانسان في العصور الوسطى طوال حياته”..
المواطن اليوم يعرف الكثير مما يراه ويسمعه، لكنه لا يعرف بالضرورة حقيقة ما يجري خلف المشهد. ومع ذلك، يتعامل أحيانًا مع ما يصل إليه عبر شاشة هاتفه وكأنه الحقيقة الكاملة، فيصدر حكمه، ويحدد خصمه، ويخوض معركته، قبل أن يسأل السؤال الأهم: هل أعرف فعلًا؟
وبما ان المعلومة لم تعد نادرة، بل أصبحت متاحة إلى درجة الإغراق. لقد تغيرت الأدوات، لكن الإنسان لم يتغير كثيرا.
نفتح هواتفنا فنجد عشرات الأخبار والتحليلات والتعليقات في دقائق قليلة، وكل واحد منا قادر على أن يجد ما يؤكد رأيه، حتى لو كان ذلك الرأي مستندا على معلومة ناقصة أو رواية مضللة.
ما زال الكثير منا يهرب من القضايا الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة، ومن مواجهة المشكلة إلى مهاجمة أعراضها. وما زال من الأسهل أن ننتقد موظفًا صغيرا على خطأ ظاهر، بدل أن نسأل عن المنظومة التي أنتجت الخطأ. ومن الأسهل أن نغضب من تصريح عابر أو منشور على مواقع التواصل، بدل أن نتوقف أمام الأسباب الحقيقية التي صنعت حالة الغضب نفسها.
وهكذا يصبح النقاش العام أحيانا أشبه بمعركة حول القشور، بينما تظل القضايا الجوهرية بعيدة عن المساءلة.
ليست المشكلة في أن ننتقد، بل في أن نختار دائمًا الحلقة الأضعف.
فالشجاعة ليست أن ترفع صوتك على من لا يملك القدرة على الرد، ولا أن تجعل من عامل أو موظف صغير شماعة لكل خلل في مؤسسة أو مدينة أو دولة. والشجاعة الحقيقية أن تذهب إلى أصل المشكلة، وأن تسأل من يملك القرار؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ولماذا تكرر الخطأ رغم وضوحه؟
لكن الوصول إلى الأسئلة الحقيقية ليس سهلًا.
هناك قضايا نعرف أنها موجودة، لكننا نفضل ألا نقترب منها. وهناك حقائق نلمس آثارها كل يوم، لكننا نتجنب البحث في أسبابها. وهناك أسائله يعرف كثيرون إجاباتها، لكنهم يفضلون الصمت لأن ثمن الكلام قد يكون أثقل من قدرتهم على تحمله.
ولهذا تتحول بعض المجتمعات إلى حالة غريبة من الإنكار، الجميع يرى، والجميع يسمع، والجميع يتحدث، لكن قليلين فقط يريدون أن يعرفوا.
نختار الرواية التي تريحنا، ونرفض الحقيقة التي تزعجنا. نبحث عن الأخبار التي توافق موقفنا، ونعتبر كل ما يخالفه مؤامرة أو تضليل. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل جدًا أن يعيش الإنسان داخل دائرة مغلقة لا يرى فيها إلا ما يرعب في رؤيته.
فحين نعجز عن معالجة أصل المشكلة، نبحث عن هدف أسهل. وحين يصعب علينا مواجهة المسؤولية الحقيقية، نوجه غضبنا نحو من هو أضعف أو أقل قدرة على الدفاع عن نفسه.
لكن المشكلات لا تختفي بهذه الطريقة. كل ما يحدث أننا نؤجل مواجهتها.
والتراكم لا يبقى إلى الأبد.
فالظلم حين يتراكم، والفساد حين يصبح أمرًا مألوفًا، واللامبالاة حين تتحول إلى أسلوب حياة، وفقدان الثقة حين يصبح شعورًا عامًا؛ كلها تنتج في النهاية حالة من الاحتقان يصعب احتواؤها بالكلمات أو البيانات أو حملات العلاقات العامة.
المجتمعات لا تنفجر بسبب حادثة واحدة في العادة، وإنما بسبب تراكم طويل من الأشياء التي جرى تجاهلها.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نكتفي بإدارة الغضب بدل معالجة أسبابه، وأن نخلط بين النقد الحقيقي وبين التشهير، وبين حرية التعبير وبين تصفية الحسابات، وبين المعرفة وبين مجرد امتلاك هاتف يستطيع الوصول إلى كل شيء.
ليس كل ما نقرأه حقيقة، وليس كل ما ينتشر يستحق أن يصدق، وليس كل من يتحدث يملك معرفة.
وفي المقابل، ليس كل صامت جاهلًا، وليس كل من يختلف معنا مخطئًا.
ربما نحتاج قبل أن نسأل الآخرين: «ماذا تعرفون؟» أن نسأل أنفسنا: «ماذا أعرف أنا؟ وكيف عرفت؟ وما الذي لا أعرفه؟»
هذه الأسئلة البسيطة قد تكون أكثر أهمية من مئات التعليقات والمنشورات.
أن تعترف بأنك لا تعرف، ليس ضعفًا.
أن تقول لا أدري في وقت يدعي فيه الجميع امتلاك الإجابة، ربما يكون شكلًا من أشكال الشجاعة.
وأن تكون صادقًا مع نفسك، ولو مرة واحدة، يعني أن تقف في مواجهة كل الأفكار الجاهزة التي ورثتها، وكل القناعات التي اعتدت عليها، وكل المواقف التي تبنيتها فقط لأن الآخرين تبنوها.
لذلك، ربما آن الأوان أن نعترف بما لا نعرف، وأن نبحث عما لا نراه، وأن نتوقف قليلًا قبل أن نحاكم الآخرين.
أخطر أنواع الجهل أن تجهل أنك تجهل، لأنك حينها لا تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عما يؤكد يقينك.

نيسان ـ نشر في 2026-09-16 الساعة 18:17


رأي: محمد المحيسن كاتب وصحافي أردني

الكلمات الأكثر بحثاً