اتصل بنا
 

متزوجان على الورق.. مطلقان في البيت

نيسان ـ نشر في 2026-09-16 الساعة 22:34

متزوجان على الورق.. مطلقان في البيت
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
أقسى أنواع الطلاق ذلك الذي لا يحتاج إلى محكمة، لأن الزوجين يواصلان العيش تحت سقف واحد بعدما غادر كل منهما حياة الآخر وبهدوء.
صديقة محامية تروي بحرقة المشهد التالي:
جلس خالد على طرف الكنبة ممسكا بهاتفه، يقلب الشاشات بلا هدف، وعلى الكرسي المقابل جلست مريم مشغولة باللاشيء.
لا خصام. لا صراخ. لا أبواب تُصفق.
ــ العشاء جاهز؟
ــ على الطاولة.
وانتهى كل شيء.
جملتان من تقشف بارد تكفيان لإدارة بيت لكنهما لا تكفيان لإدارة زواج. خالد ومريم، وهما اسمان مستعاران، يعيشان تحت سقف واحد يدفعان الفواتير، يربيان أبناءهما، يتذكران مواعيد الطبيب وربما يزوران الأقارب معا، أمام الناس زوجان، وفي الأوراق الرسمية زوجان، لكن بين قلبيهما قارة كاملة من الثليج.
يسمي المختصون ذلك الطلاق العاطفي، لكن الاسم_ على دقته_ أقل قسوة من المشهد نفسه.
محامية خبيرة في قضايا الزواج أغلقت أمامي ملفات متراكمة وقالت إن ما تراه في بعض البيوت أشد إيلاما من الخلافات الصاخبة في المحاكم. فالصراخ_ على قسوته_ يعني أحيانا أن هناك من لا يزال يريد شيئا من الآخر. أما عندما يتوقف العتاب نفسه، فقد يكون كل طرف قد تعب حتى من المطالبة.
وهكذا يتحول البيت بالتدريج إلى مكان للمبيت، هو يعرف واجباته، وهي تعرف واجباتها، المصروف يصل، الطعام حاضر، الأبناء يذهبون إلى مدارسهم، والمواعيد تنجز في وقتها.
كل شيء في الزواج يعمل باستثناء الزواج نفسه، ولا أحب الحكاية السهلة التي تبحث دائما عن متهم واحد. أحيانا يكون أحد الطرفين قد دفع الآخر إلى هذه المسافة، لكن كثيرا من العلاقات لا تموت بضربة واحدة. تموت بالقليل المتكرر؛ كلمة لم تُقل، اعتذار تأخر خذلان صغير عتاب أُهمل، أو "خيانة مشروعة" ثم يأتي يوم يصبح فيه الصمت أقل كلفة من الكلام.
ويعتقد بعض الأزواج أنهم حين لا يتشاجرون أمام أبنائهم فقد أنقذوا الأسرة. ليس بالضرورة.
فالطفل لا يحتاج إلى سماع الصراخ كي يعرف أن شيئا مات في البيت، يرى أباه وأمه لا يتحدثان إلا في الضرورات ولا يضحكان معا، ولا يسأل أحدهما الآخر كيف كان يومه. ثم يتعلم من دون دروس أن هذه هي صورة الزواج الميت.
المشكلة أن الطلاق العاطفي لا تصدر به ورقة ولا يقرع بابه مأذون، لذلك يستطيع أن يعيش سنوات طويلة متخفيا تحت عبارة محترمة جدا، وتضع أفخم العطور الفرنسية: نحن مستمرون من أجل الأولاد.
وقد يكون في الاستمرار حكمة إذا بقي شيء يمكن إنقاذه، فالعلاقات تمرض كما يمرض أصحابها، وبعضها يستحق الصبر والعلاج والمواجهة وطلب المساعدة.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعود أحد يريد العلاج، ويبقى الطرفان فقط لأنهما اعتادا الجدار. عندها يصبح السؤال أكثر قسوة:
هل كل بيت لم يقع فيه الطلاق ما يزال بيتا؟ فبعض الزيجات لا تنتهي أمام القاضي، تنتهي على كنبتين متقابلتين وبينهما هاتفان وصمت طويل.

نيسان ـ نشر في 2026-09-16 الساعة 22:34

الكلمات الأكثر بحثاً