نيسان يعود بهيئة الياقوت
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-09-17 الساعة 10:39
نيسان ـ قالوا قديما إن الزهرة لا ترى ثمرتها أبدا. تمضي بعد عمر خاطف، تاركة وراءها الغصن لما سيأتي. غير أنني كلما تأملت حبة رمان في أيلول، شعرت أن الزهرة لم تغب تماما، وأنها عرفت حيلة خفية للبقاء؛ أودعت في الثمرة لونها وعبقها وشيئا من رعشتها الأولى. فمن اشتبك ذات نيسان مع نوارة رمان خجلى، اشتباك تأمل ودهشة وحب، سيعرف أن بعض الأشياء لا تموت حين تغيب، إنما تنتقل من صورة إلى أخرى.
ولمن فاته نيسان، وأول أيار، وفتنة النوار، فليقترب في أيلول من حبة رمان أثقلت غصن أمها حتى تدلى. هناك سيجد ما تركته تلك النوارة الناعسة من ربيع مضى. ففي أيلول الممشط بالنسمات، حين تبدأ البرودة أولى قبلاتها، وتصير الغيوم أكثر حنوا، تنفتح الرمانة على سرها القديم، كأن الثمرة تحفظ للزهرة وصيتها كاملة.
وكان أهلنا إذا أرادوا مدح امرأة في طولها ونضارتها قالوا: «مطرق رمان». والمطرق غصن الرمان الطويل المستقيم الرجراج. وكم حملت هذه المطارق من حكايات بيوتنا. كانت أمهاتنا يطرقن بها الصوف المخرج من الوسائد والفرش، وينفشنه كي يعود لينا طريا، صالحا لأن يحمل رؤوسنا وكثيرا من أحلامنا السرية. وهي نفسها كانت، في يد معلم غاضب أو أب ضاق صبره، تتحول إلى سلاح نعرف لسعته جيدا. هكذا تستطيع شجرة واحدة أن تدخل فراشنا وأحلامنا وخوف طفولتنا في الوقت نفسه.
وعلى طريق إربد ـ عمّان، يبدأ موسم الرمان قبل أن يخبرك التقويم بوصوله. باعة على جنبات الطريق، وأكوام حمراء منضودة كأهرامات صغيرة، يصعب على العين أن تمر بها من دون أن تستوقف صاحبها. وكل بائع يحمل لرمانه نسبا يعتز به: هذا من وادي الريان، وذاك من راجب في عجلون، وآخر من سحم الكفارات أو وادي زقلاب أو عرجان، وقد شرب ماءه من عين بيضا. للرمان عندنا جغرافيا أيضا، وله ذاكرة ماء وتراب، كأن مذاقه يحتفظ باسم الوادي الذي تربى فيه.
ومع ذلك، تبقى متعتي الأجمل أن أشتبك وحدي مع شجرة الرمان؛ يدا بيد، وغصنا بغصن، وحضنا بحضن، أزيح الأوراق وأمد يدي إلى الثمر الداني، وأتذكر الجلنارات التي رأيت فوقها دمع الندى في ربيع بعيد. عندها يخطر لي أن الأشياء كلها ربما تخبئ فتنتها الأخيرة في ثمارها، وأن ما نراه في النهاية ليس سوى حصيلة أشياء كثيرة مرّت ولم ننتبه إليها: مطر، وشمس، وانتظار، وزهرة صغيرة عاشت أياما قليلة ثم مضت.
ولمن فاته أن يرى حبات الندى مترددة على زهرة الرمان، الجلنار، ذلك الاسم الفارسي الجميل لزهرتها، ولمن فاته ذلك الندى الشفيف كدموع ليلة تستعد للفراق، ما يزال أمامه شيء من العزاء. خذ رمانة، وافتحها على مهل، وفرطها بهيبة من يعرف أنه يفتح صندوقا صغيرا من الياقوت. أخرج أبراجها البيضاء، وانثر حباتها في راحة يدك، وتأمل هذا الأحمر الذي احتاج فصولا كاملة كي يصل إليك.
الرمانة ليست ثمرة أيلول وحده؛ هي نيسان يعود متخفيا بهيئة الياقوت.
ولمن فاته نيسان، وأول أيار، وفتنة النوار، فليقترب في أيلول من حبة رمان أثقلت غصن أمها حتى تدلى. هناك سيجد ما تركته تلك النوارة الناعسة من ربيع مضى. ففي أيلول الممشط بالنسمات، حين تبدأ البرودة أولى قبلاتها، وتصير الغيوم أكثر حنوا، تنفتح الرمانة على سرها القديم، كأن الثمرة تحفظ للزهرة وصيتها كاملة.
وكان أهلنا إذا أرادوا مدح امرأة في طولها ونضارتها قالوا: «مطرق رمان». والمطرق غصن الرمان الطويل المستقيم الرجراج. وكم حملت هذه المطارق من حكايات بيوتنا. كانت أمهاتنا يطرقن بها الصوف المخرج من الوسائد والفرش، وينفشنه كي يعود لينا طريا، صالحا لأن يحمل رؤوسنا وكثيرا من أحلامنا السرية. وهي نفسها كانت، في يد معلم غاضب أو أب ضاق صبره، تتحول إلى سلاح نعرف لسعته جيدا. هكذا تستطيع شجرة واحدة أن تدخل فراشنا وأحلامنا وخوف طفولتنا في الوقت نفسه.
وعلى طريق إربد ـ عمّان، يبدأ موسم الرمان قبل أن يخبرك التقويم بوصوله. باعة على جنبات الطريق، وأكوام حمراء منضودة كأهرامات صغيرة، يصعب على العين أن تمر بها من دون أن تستوقف صاحبها. وكل بائع يحمل لرمانه نسبا يعتز به: هذا من وادي الريان، وذاك من راجب في عجلون، وآخر من سحم الكفارات أو وادي زقلاب أو عرجان، وقد شرب ماءه من عين بيضا. للرمان عندنا جغرافيا أيضا، وله ذاكرة ماء وتراب، كأن مذاقه يحتفظ باسم الوادي الذي تربى فيه.
ومع ذلك، تبقى متعتي الأجمل أن أشتبك وحدي مع شجرة الرمان؛ يدا بيد، وغصنا بغصن، وحضنا بحضن، أزيح الأوراق وأمد يدي إلى الثمر الداني، وأتذكر الجلنارات التي رأيت فوقها دمع الندى في ربيع بعيد. عندها يخطر لي أن الأشياء كلها ربما تخبئ فتنتها الأخيرة في ثمارها، وأن ما نراه في النهاية ليس سوى حصيلة أشياء كثيرة مرّت ولم ننتبه إليها: مطر، وشمس، وانتظار، وزهرة صغيرة عاشت أياما قليلة ثم مضت.
ولمن فاته أن يرى حبات الندى مترددة على زهرة الرمان، الجلنار، ذلك الاسم الفارسي الجميل لزهرتها، ولمن فاته ذلك الندى الشفيف كدموع ليلة تستعد للفراق، ما يزال أمامه شيء من العزاء. خذ رمانة، وافتحها على مهل، وفرطها بهيبة من يعرف أنه يفتح صندوقا صغيرا من الياقوت. أخرج أبراجها البيضاء، وانثر حباتها في راحة يدك، وتأمل هذا الأحمر الذي احتاج فصولا كاملة كي يصل إليك.
الرمانة ليست ثمرة أيلول وحده؛ هي نيسان يعود متخفيا بهيئة الياقوت.
نيسان ـ نشر في 2026-09-17 الساعة 10:39
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي


