اتصل بنا
 

هروب ترامب من حرب إيران

نيسان ـ نشر في 2026-09-19 الساعة 12:10

نيسان ـ حرب إيران تطارد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو يخشى أن تدهسه الحرب، التي ورطه فيها بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء كيان الاحتلال الإسرائيلي، وسبب ذعر ترامب من الحرب اليوم، هو اقتراب ساعة الحساب بعد نحو شهر ونصف الشهر، وخشيته من فوز الحزب الديمقراطي المعارض في انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونغرس الأمريكي (النواب والشيوخ) المقررة أوائل نوفمبر المقبل.
زادت مخاوف ترامب مع قرار جديد لمجلس النواب هو الثالث من نوعه، والقرار ـ كسابقيه ـ يطالب بوقف العمليات العسكرية الأمريكية على إيران، وسحب القوات الأمريكية من مناطق العمليات، ورد ترامب ـ كالعادة ـ بالغض من شأن هذه القرارات، وادعى أنه لا يخوض حربا ضد إيران، بل هي مجرد عمليات عسكرية تتيحها سلطاته المنفردة كرئيس منتخب، غير أن ما يقلق ترامب أكثر، أن القرارات المناوئة لم تصدر فقط بتصويت النواب الديمقراطيين، بل أيدها في التصويت عدد من نواب حزبه الجمهوري، بسبب زيادة مخاوفهم من الظهور في صورة المؤيدين لحرب ترامب على إيران، وهو ما يضر فرصهم في الفوز بانتخابات التجديد النصفي، خصوصا مع ضعف شعبية هذه الحرب الخاسرة، وتدني شعبية صاحبها ترامب إلى حدود 33% في استطلاعات الرأي العام الأخيرة.
من العبث، العثور على تفسير لتناقضات ترامب، فهو نفسه لا يجد لها تفسيرا، وحتى رغبته المعلنة في الخروج من حرب إيران، لا يعرف لها طريقا بذاته، فهو يخاطب الداخل الأمريكي لتهدئته وكسب الوقت
حاول ترامب الهروب إلى الأمام، وادعى مرات أن الحرب انتهت، وأنه حقق نصرا ساحقا فيها، ثم عاد ليعد بإنهاء الحرب عقب انتخابات التجديد النصفي، وأقدم علنا على عروض فاضحة لرشوة الناخبين، بمنح كل ناخب أمريكي خمسة آلاف دولار، إذا فاز حزبه الجمهوري بالأغلبية مجددا في مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما أكده نائب الرئيس جي. دي. فانس، وقال إن عرض ترامب ممكن التنفيذ، وأنه سيكلف نحو تريليون دولار، تنوي إدارة ترامب توفيرها من عوائد رفع الرسوم الجمركية على صادرات الدول الأخرى إلى أمريكا، وهكذا بدت الأحوال مزرية في أمريكا، التي تعتبر نفسها أعظم ديمقراطية في العالم، وكأن الرشوة الانتخابية صارت من أنزه التقاليد الديمقراطية، ثم زاد ترامب الطين طينا، وأصدر قرارا تنفيذيا يقيد عمليات التصويت الانتخابي عبر البريد، وهو ما رفضته المحكمة العليا، ففتح ترامب النار على قضاتها، وبالذات قضاة المحكمة الذين سبق له تعيينهم، وكأن الرشاوى الانتخابية والعدوان على القضاء، صارا من التقاليد الأصيلة لديمقراطية جلالة الرئيس ترامب. والسبب ظاهر في ذعر ترامب من انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فقد أدت حربه على إيران إلى تدمير بضاعته الشعبية، وهو الذي يركز كثيرا على نجاحاته الاقتصادية المتخيلة، وأولها خفض معدل التضخم وانخفاض الأسعار، بينما أدت حرب إيران إلى العكس بالضبط، ولم يبتلع المواطنون الأمريكيون أكاذيبه المتكررة، وبالذات أقواله العبثية عن السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، وحماية عبور السفن والناقلات بحرية عبر ممر جنوبي بالقرب من سواحل سلطنة عمان، وأن تدفق البترول والغاز، عاد لمعدلاته الطبيعية قبل الحرب، أو عاد ـ على الأقل ـ لنصف ما كان، على حد زعم نائب الرئيس فانس ووزير الحرب بيت هيغسيث، بينما السوق نفسه يكذب ترامب وإدارته، وأسعار البنزين والديزل تقفز إلى الضعف، وسعر برميل البترول عاد إلى الارتفاع إلى نحو 110 دولارات، وكلما ارتفع سعر برميل البترول، صرخ المواطن الأمريكي من غلاء البنزين والديزل والأسمدة والبتروكيماويات عموما، وهو ما يضاعف من حرج ومأزق مرشحي حزب ترامب، وأغلب استطلاعات الرأي ترجح خسارة الحزب الجمهوري لأغلبيته الطفيفة الحالية في مجلسي النواب والشيوخ، خاصة في مجلس النواب، الذي يجري تجديد كل مقاعده في انتخابات أوائل نوفمبر المقبل.
وفوز الديمقراطيين في مجلسي الكونغرس، أو حتى في مجلس النواب وحده، يقض مضاجع ترامب وعائلته وقبيلته من كبار المليارديرات، ليس فقط بسبب إمكانية العودة إلى كابوس عزل ترامب عن الرئاسة، وقد حدث شيء من ذلك في رئاسته الأولى لمرتين، صحيح أن سيناريو العزل لم يكتمل وقتها، لكن مجرد العودة إلى اقتراح العزل يرعب ترامب، ثم إنه من الوارد جدا، أن تدعو الأغلبية الديمقراطية ـ حال توافرها ـ إلى تحقيقات وجلسات استماع لمليارديرات عائلته الذين استفادوا بالمليارات من قرارات ترامب، وبالذات أنجاله ومبعوثيه المفضلين المقاولين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير زوج ابنة ترامب الكبرى، فوق أن ذهاب أغلبية الكونغرس إلى معارضي ترامب، يشل حركة وحرية قراراته المنفردة، وينتهي به إلى وضع البطة العرجاء في النصف الثاني من رئاسته الثانية الحالية.
وقد جرب ترامب فكرة الهروب من الكوابيس، ووعد الأمريكيين بإنهاء حربه على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، وهو ما عاد نائبه فانس إلى التأكيد عليه، ومن دون أن يعرف أحد، أو يقول ترامب وفانس شيئا عن طريقة إنهاء الحرب، خصوصا بعد وصول حملاته العسكرية إلى حائط مسدود، وإعلان مفتش البنتاغون عن انخفاض مقلق في مخزون الصواريخ والذخائر العسكرية الأمريكية، وهو ما كذب مزاعم ترامب عن ذخائر أمريكا التي لا تنفد، وتقليله من حجم الخسائر بسبب الضربات الإيرانية الصاروخية على القواعد الأمريكية في المنطقة، وهو ما كذبه علنا تقرير مفتش البنتاغون، واعترف بوقوع خسائر بعشرات مليارات الدولارات في الأصول والقاذفات والصواريخ على أرض القواعد إياها، ورغم أن أكاذيب ترامب لا تنفد، فإنه يتجاهل القاعدة الذهبية في عالم الكذب والكذابين، وهي أنه إذا كنت كذوبا فكن ذكورا، ويعد بتدمير إيران، رغم أنه أعلن من شهور عن محو إيران وإزالتها من على وجه الأرض، وأنه انتقل من القصف من الجو إلى خنق إيران اقتصاديا، وإرغامها على رفع راية استسلام، لم يحدث، ولا يبدو حتى محتملا، رغم ذلك يكرر ترامب مزاعمه، ويدعي مجددا، أن إيران تتوسل من أجل إبرام اتفاق، ويقول مرات، إن المفاوضات قد تستأنف قريبا، ثم يعود لتكذيب نفسه، ويقول إنه لا مفاوضات أبدا مع إيران، وأنه ينوي شن هجوم على موقع جبل الفأس الإيراني النووي، مع أنه قال مرارا وتكرارا، إنه دمر ومحا مواقع البرنامج النووي الإيراني في عملية «مطرقة منتصف الليل» خلال حرب الاثني عشر يوما في يونيو 2025.
وربما يكون من العبث، أن تحاول العثور على تفسير لتناقضات ترامب، فهو نفسه لا يجد لها تفسيرا، وحتى رغبته المعلنة في الخروج من حرب إيران، لا يعرف لها طريقا بذاته، فهو يخاطب الداخل الأمريكي لتهدئته وكسب الوقت، ويتصور أنه ذكي يخاطب جمعا من الأغبياء، وتستبد به أوهامه وخيالاته، ويفضل العيش في فقاعته المصنوعة، ويقول لك، أنه عازم على الاستيلاء على بترول إيران، كما فعل في فنزويلا، ومن دون أن يدرك الفوارق المرئية حتى للعميان، فلم يحقق في سبعة شهور من الحرب على إيران شيئا مما وعد به أو تخيله، وإن رغب اليوم أو غدا في إنهاء الحرب على إيران، فإن الأخيرة لن تترك له فرصة الخروج الآمن، فقد زعم في بداية الحرب، أنه يشن هجوما خاطفا كاسحا، لن يستغرق سوى بضعة أيام أو أسبوعين، ثم امتدت الحرب إلى سبعة شهور إلى الآن، وخطة إيران في الحرب على عكس خطة الهجوم الخاطف، وكان ذلك ظاهرا حتى قبل الحرب كلها، وقبل اغتياله في أول ساعات الحرب، كان القائد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي يقول، إن أي هجوم خاطف علينا لن يلقى ردا خاطفا، وأن خطة إيران هى رفع تكلفة الحرب على عدوها، وتوسيع نطاق الاشتباك في الجغرافيا وإطالته في الزمن، وهذا ما جرى بالضبط، رغم رحيل خامنئي الأب وتولي نجله مجتبى مكانه، ومع فارق محسوس، هو أن النظام الإيراني صار أكثر جرأة ومخاطرة، وانتقل إلى المعنى الهجومي، لا الاكتفاء بالردع الدفاعي. وقد عاد ترامب بعد طول مدى الحرب إلى البدايات، وصار أكثر شغفا بطاعة نتنياهو وتلبية طلباته، ووافقت إدارة ترامب على صفقة أسلحة عاجلة لكيان الاحتلال بقيمة تقارب ثلاثة مليارات دولار، أخطر ما فيها 40 ألف قنبلة من الوزن الثقيل، تزن كل قنبلة طنا، تحتاجها إسرائيل لمعاودة ومواصلة حروب دمار وإبادة جماعية في غزة وفي لبنان، ويعد نتنياهو بتجديد حربه رسميا على إيران، وكأن ترامب يبحث عن مخرج لحربه الخاسرة على إيران، وقد يعاود تكليف نتنياهو بأداء الدور البديل، والجلوس في مقعد القيادة من الخلف.
كاتب مصري

نيسان ـ نشر في 2026-09-19 الساعة 12:10


رأي: عبدالحليم قنديل كاتب مصري

الكلمات الأكثر بحثاً