ما بعد أوكرانيا.. أوروبا تستعد لاختبار روسي و'ممر سوالكي' في الواجهة
نيسان ـ نشر في 2026-09-21 الساعة 15:38
نيسان ـ لم تعد المخاوف الأوروبية من امتداد الحرب الروسية خارج أوكرانيا تُناقش باعتبارها احتمالاً بعيداً.
فخلال الأيام الأخيرة تزامنت تحركات عسكرية وتحذيرات استخباراتية وإجراءات لتعزيز الجاهزية، في مشهد يعكس انتقال دول الناتو من التركيز على ساحة الحرب الأوكرانية إلى الاستعداد لاحتمالات قد تطال أراضي الحلف مباشرة.
وجاءت المناورات البيلاروسية قرب الحدود مع بولندا وليتوانيا لتسلط الضوء مجدداً على ممر سوالكي، وهو شريط بطول نحو 104 كيلومترات يمثل الوصلة البرية الوحيدة بين دول البلطيق وبقية أراضي الناتو، ويفصل بين بيلاروسيا وجيب كالينينغراد الروسي.
قالت مينسك إن تدريباتها، التي شملت وحدات مدرعة ومهاماً لمكافحة التخريب والطائرات المسيّرة، ذات طابع دفاعي، لكن موقعها أعاد إلى الواجهة أحد أكثر السيناريوهات حساسية في التخطيط الدفاعي للحلف.
من الحرب التقليدية إلى "المنطقة الرمادية"
لا يأتي القلق من احتمال هجوم بري مفاجئ وحده؛ فالمواجهة بين روسيا والغرب تتحرك أيضاً في مساحة أقل وضوحاً، تشمل الهجمات السيبرانية والتخريب والحرائق المتعمدة واستخدام المسيّرات واستهداف البنية التحتية.
وحذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من احتمال تنفيذ روسيا هجمات بمسيّرات أو صواريخ على دول في الناتو ثم تقديمها باعتبارها حوادث عرضية، في محاولة لاختبار قدرة الحلف على الحفاظ على تماسكه.
تكتسب هذه التحذيرات أهمية أكبر لأن عمليات "المنطقة الرمادية" تتيح الضغط على الخصم دون الانتقال الواضح إلى حرب شاملة. فتعطيل منشأة حيوية أو استهداف شبكة اتصالات أو تنفيذ هجوم سيبراني قد يسبب أضراراً كبيرة، لكنه يترك مساحة للخلاف حول طبيعة الرد، وهي مساحة يمكن أن تصبح بحد ذاتها أداة لاختبار الالتزام المتبادل داخل الحلف.
وفي المقابل، لا تعني هذه التحركات أن هجوماً روسياً مباشراً على الناتو بات وشيكاً. فقد أفادت تقارير استخباراتية أوروبية بتزايد المخاوف من استفزاز أو هجوم خلال الأشهر المقبلة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى اختلاف التقديرات بشأن مدى إلحاح الخطر وقدرة موسكو على فتح جبهة جديدة بينما تستمر الحرب في أوكرانيا.
سوالكي.. اختبار للمادة الخامسة
وتزداد حساسية ممر سوالكي لأن أي أزمة فيه ستطرح سؤالاً يتجاوز الجغرافيا: كيف سيرد الحلف إذا حاولت روسيا أو بيلاروسيا تعطيل الاتصال البري مع دول البلطيق؟ فالمنطقة تقع بين بيلاروسيا وكالينينغراد، ما يجعلها نقطة يمكن أن تُختبر فيها قدرة الناتو على حماية أحد خطوطه البرية الأكثر أهمية.
ومن هذا المنظور، لا تتعلق المسألة بالسيطرة على شريط حدودي فحسب، بل بمصداقية الالتزام بالدفاع الجماعي. وقد أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن الحلف يتدرب بانتظام على سيناريوهات من هذا النوع، وأن أي هجوم سيواجه رداً قوياً.
لكن قيمة الردع لا تتوقف على التصريحات؛ بل تعتمد على اقتناع الخصم بأن الدول الأعضاء مستعدة فعلاً لتحويل التزامها السياسي إلى تحرك عسكري.
أوكرانيا تغيّر مفهوم الجاهزية
وهنا تقدم الحرب في أوكرانيا درساً آخر لأوروبا: الدفاع لا يبدأ عند خطوط الجبهة، بل داخل المستشفيات وشبكات الكهرباء والاتصالات والمواصلات وسلاسل إمداد الغذاء والمياه.
ولهذا نشر الناتو هذا الشهر متطلبات محدثة للمرونة الوطنية، تشمل استمرارية عمل الحكومات، وأمن الطاقة، والنقل، والاتصالات، والرعاية الصحية، والقدرة على الحفاظ على الخدمات الأساسية أثناء الأزمات والصراعات.
كما شاركت السلطات الأوكرانية الحلف خبرتها في إبقاء الخدمات الحيوية عاملة تحت الهجمات الروسية المتواصلة.
ويعني ذلك أن مفهوم الردع الأوروبي يتسع من امتلاك الدبابات والطائرات والصواريخ إلى القدرة على امتصاص الضربة الأولى ومواصلة العمل بعدها. فكلما زادت قدرة الدول على حماية بنيتها التحتية ومجتمعاتها، تراجعت قدرة الخصم على تحويل الهجمات المحدودة إلى أزمة سياسية واسعة.
غير أن الحساب الأوروبي يظل مرتبطاً بالولايات المتحدة. فقد أعلن الرئيس دونالد ترامب مؤخراً إحراز تقدم نحو إنشاء قاعدة دائمة للجيش الأمريكي في بولندا، في خطوة تعكس استمرار أهمية الجناح الشرقي في الحسابات الأمنية الأمريكية، بينما تراقب العواصم الأوروبية في الوقت نفسه كيفية توزيع واشنطن مواردها بين أوروبا ومناطق أخرى.
فخلال الأيام الأخيرة تزامنت تحركات عسكرية وتحذيرات استخباراتية وإجراءات لتعزيز الجاهزية، في مشهد يعكس انتقال دول الناتو من التركيز على ساحة الحرب الأوكرانية إلى الاستعداد لاحتمالات قد تطال أراضي الحلف مباشرة.
وجاءت المناورات البيلاروسية قرب الحدود مع بولندا وليتوانيا لتسلط الضوء مجدداً على ممر سوالكي، وهو شريط بطول نحو 104 كيلومترات يمثل الوصلة البرية الوحيدة بين دول البلطيق وبقية أراضي الناتو، ويفصل بين بيلاروسيا وجيب كالينينغراد الروسي.
قالت مينسك إن تدريباتها، التي شملت وحدات مدرعة ومهاماً لمكافحة التخريب والطائرات المسيّرة، ذات طابع دفاعي، لكن موقعها أعاد إلى الواجهة أحد أكثر السيناريوهات حساسية في التخطيط الدفاعي للحلف.
من الحرب التقليدية إلى "المنطقة الرمادية"
لا يأتي القلق من احتمال هجوم بري مفاجئ وحده؛ فالمواجهة بين روسيا والغرب تتحرك أيضاً في مساحة أقل وضوحاً، تشمل الهجمات السيبرانية والتخريب والحرائق المتعمدة واستخدام المسيّرات واستهداف البنية التحتية.
وحذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من احتمال تنفيذ روسيا هجمات بمسيّرات أو صواريخ على دول في الناتو ثم تقديمها باعتبارها حوادث عرضية، في محاولة لاختبار قدرة الحلف على الحفاظ على تماسكه.
تكتسب هذه التحذيرات أهمية أكبر لأن عمليات "المنطقة الرمادية" تتيح الضغط على الخصم دون الانتقال الواضح إلى حرب شاملة. فتعطيل منشأة حيوية أو استهداف شبكة اتصالات أو تنفيذ هجوم سيبراني قد يسبب أضراراً كبيرة، لكنه يترك مساحة للخلاف حول طبيعة الرد، وهي مساحة يمكن أن تصبح بحد ذاتها أداة لاختبار الالتزام المتبادل داخل الحلف.
وفي المقابل، لا تعني هذه التحركات أن هجوماً روسياً مباشراً على الناتو بات وشيكاً. فقد أفادت تقارير استخباراتية أوروبية بتزايد المخاوف من استفزاز أو هجوم خلال الأشهر المقبلة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى اختلاف التقديرات بشأن مدى إلحاح الخطر وقدرة موسكو على فتح جبهة جديدة بينما تستمر الحرب في أوكرانيا.
سوالكي.. اختبار للمادة الخامسة
وتزداد حساسية ممر سوالكي لأن أي أزمة فيه ستطرح سؤالاً يتجاوز الجغرافيا: كيف سيرد الحلف إذا حاولت روسيا أو بيلاروسيا تعطيل الاتصال البري مع دول البلطيق؟ فالمنطقة تقع بين بيلاروسيا وكالينينغراد، ما يجعلها نقطة يمكن أن تُختبر فيها قدرة الناتو على حماية أحد خطوطه البرية الأكثر أهمية.
ومن هذا المنظور، لا تتعلق المسألة بالسيطرة على شريط حدودي فحسب، بل بمصداقية الالتزام بالدفاع الجماعي. وقد أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن الحلف يتدرب بانتظام على سيناريوهات من هذا النوع، وأن أي هجوم سيواجه رداً قوياً.
لكن قيمة الردع لا تتوقف على التصريحات؛ بل تعتمد على اقتناع الخصم بأن الدول الأعضاء مستعدة فعلاً لتحويل التزامها السياسي إلى تحرك عسكري.
أوكرانيا تغيّر مفهوم الجاهزية
وهنا تقدم الحرب في أوكرانيا درساً آخر لأوروبا: الدفاع لا يبدأ عند خطوط الجبهة، بل داخل المستشفيات وشبكات الكهرباء والاتصالات والمواصلات وسلاسل إمداد الغذاء والمياه.
ولهذا نشر الناتو هذا الشهر متطلبات محدثة للمرونة الوطنية، تشمل استمرارية عمل الحكومات، وأمن الطاقة، والنقل، والاتصالات، والرعاية الصحية، والقدرة على الحفاظ على الخدمات الأساسية أثناء الأزمات والصراعات.
كما شاركت السلطات الأوكرانية الحلف خبرتها في إبقاء الخدمات الحيوية عاملة تحت الهجمات الروسية المتواصلة.
ويعني ذلك أن مفهوم الردع الأوروبي يتسع من امتلاك الدبابات والطائرات والصواريخ إلى القدرة على امتصاص الضربة الأولى ومواصلة العمل بعدها. فكلما زادت قدرة الدول على حماية بنيتها التحتية ومجتمعاتها، تراجعت قدرة الخصم على تحويل الهجمات المحدودة إلى أزمة سياسية واسعة.
غير أن الحساب الأوروبي يظل مرتبطاً بالولايات المتحدة. فقد أعلن الرئيس دونالد ترامب مؤخراً إحراز تقدم نحو إنشاء قاعدة دائمة للجيش الأمريكي في بولندا، في خطوة تعكس استمرار أهمية الجناح الشرقي في الحسابات الأمنية الأمريكية، بينما تراقب العواصم الأوروبية في الوقت نفسه كيفية توزيع واشنطن مواردها بين أوروبا ومناطق أخرى.


