اتصل بنا
 

الطفل مجد لم يطلب خبزا ولا لعبة بل فتح قلبه على جرح لبلاد كاملة.. فيديو

نيسان ـ نشر في 2026-09-21 الساعة 16:35

الطفل مجد لم يطلب خبزا ولا
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
في زقاق الخيمة التي تشبه جرحا في جدار الكون، يقف مجد الدين الشريف، ابن السنوات الخمس، يحمل مكنسة صغيرة يغالب بها ركام العالم.
لا ينظف مجد تراب الأرض بل ينظف وجه الإنسانية الذي تلطخ بالعار.
منزله القديم صار هباء تذروه الرياح، وكلما سئل عما حدث يختصر الفاجعة بلسان الكهول: "كله راح".
الخيمة عند مجد الدين ليست مجرد قماش يهتز بوجه العاصفة؛ إنها امتداد للروح، وإن كتب عليك أن تسكن الخيمة، فلتحرس كرامتها كي تظل خيمة إنسانية، تقف في وجه المحو والسقوط.
يتأمل مجد يديه الصغيرتين فلا يرى فيهما غير طين المقاومة وغبارِ الأسئلة التي لا يجد لها جوابا، يلتفت إلى أطلال بيته الأول، حيث كانت للشمس نافذة تتنفس، وللأشجار أسماء تشبه أمهاتنا، ويتمتم بكبرياء مائل نحو الموت: "هنا علقت على جدار الروح أمسي".
يخطف المحو ملامح المكان، لكن الذاكرة تعاند هذا الشحوب الممتد.
كيفَ للطفل أن يحمل بلادا كاملة في صرة صغيرة؟
وكيف تنام الشام والأرض في صدر طفل لم يتعلم بعد كيف يبكي بلا سبب؟
ينظر إلى أفق الخيمة العاري يتفقد ظله كي يتيقن أنه ما زال حيا، ثم يهمس للريح التي تشرب صوته "أنا لست حزنا طارئا على الخريطة"، أنا بقية هذا البيت وهذا الغريب وهذا القلب.
لأنه يمتلك سر الكرامة الأنفة، حين سئل هذا الطفل الصغير عن احتياجاته، لم يطلب خبزا ولا لعبة؛ بل فتح قلبه على اتساعه كشاعر عربي يقف على أطلال بيته المهدم، ليصيح في وجه الذهول: "دعوني أُلقي عليكم شعراً".
ألقى قصيدته كما يُلقى الرسام ألوانه، أو كما يفرغ العائد سلال حزنه فوق التراب، منشدا بلسان يتقن ترتيل الجرح:
يا سيدي أنا لم أطلب السيادة..
كل ما طلبته سريرا ووسادة
وركنا للعبادة ومسبحة وسجادة
ولم أعد أحلم بالقصور..
كل ما طلبته بيتاً مستور
وماءً في الصنبور
وجبراً لقلب مكسور
أتمنى أن أحيا بسلام
وأن أعود إلى بيتي بسلام
وأصافح الأرض والأنام
يا سيدي هل طلبت المستحيل؟
أم فريداً ليس له مثيل؟
أم لا يليق بنا إلا الرحيل؟
ونودع أنفسنا جيلاً بعد جيل
لقد أعاد مجد صياغة الوجود؛ برفع المسألة من مجرد بقاء إلى قصيدة، ومن ركام إلى موقف.
هل صار الحلم بالبيت المستور مستحيلا؟ أم أن قدر الفلسطيني أن يرحل مع أصحابه جيلا بعد جيل، بينما يظل الصغير مجد واقفا أمام خيمته، يكنس الغبار عن هامش التاريخ، ويتلو للريح قصيدته الأخيرة.

نيسان ـ نشر في 2026-09-21 الساعة 16:35

الكلمات الأكثر بحثاً